In the name of the Father, the Son and the Holy Spirit, Amen.
   صليب
المقاومة
اللبنانيّة About Us
Christians
Lebanese Forces
Lebanon
Phoenicia
Federalism
Articles
Letters
Documentations

Contact Us
صليب
المقاومة
اللبنانيّة

المقاومة اللبنانية نحو لبنان جديد

By Dr. Imad Chamoun, "Our Aramaic Identity"

رسالة من لبنان

 في هويتنا الآرامية

د.عماد شمعون

بيروت – لبنان

تتألف الأمة (1) اللبنانية من تركيب مجتمعي مزدوج، أي من ثنائية تعددية دينية و قومية.

فعلى المستوى الديني ياتي التّركيب من الطوائف والمذاهب التالية:

 أ‌-       مسيحياً : (2)

 1-    الطائفة السريانية المارونية

2-    الطائفة  السريانية الأرثوذكسية

3-    الطائفة السريانية الكاثوليكية

4-    طائفة الرّوم الارثوذكس

5-    طائفة الرّوم الملكيين الكاثوليك

6-    الطائفة الأرمنية الاثوذكسية

7-    الطائفة الأرمنية الكاثوليكية

8-    الطائفة النسطورية (الاشورية)

9-    الطائفة الكلدانية

10-الطائفة اللاتينية

11-الطوائف البروتستانتية

12-الطائفة القبطية

 ب‌-   إسلامياً:

 1-    الطائفة السّنية

2-    الطائفة الشّيعية

 ج- طوائف أخرى

 1-    الطائفة الإسماعيلية

2-    الطائفة العلوية

3-    الطائفة الدرزية

4-    الطائفة اليهودية

 وعلى المستوى القومي يأتي تركيب الأمة اللبنانية من المجموعات القومية التالية:

 1-    القومية السريانية الشرقية

النساطرة

الكلدانيون

 2-    القومية السريانية الغربية

الموارنة

السريان الارثوذكس

السريان الكاثوليك

الروم الارثوكس

الروم الكاثوليك

اللاتين

البروتستانت

 3-    القومية الارمنية

 الأرمن الارثوذكس

الأرمن الكاثوليك

الأرمن البروتستانت

 4-    القومية الكردية

5-    القومية القبطية

6-    القومية العربية

 يذكر التاريخ بروز حضارتي سومر وأكاد في  بلاد ما بين النهرين (نهري دجلة والفرات).

وقد تواصلت حضارة هذين الشعبين في ما بعد بالحضارة الأمّورية و امتدت لتصل الى الساحل الفينيقي في لبنان، و التي جعلت البحر الابيض المتوسط يحمل اسمها فيعرف ببحر آمورو. ومع هذه الحضارة الأمّورية تواصلت حضارة الشعب الآرامي بروافدها: سريانية – فينيقية كانت أم آشورية أم بابلية- كلدانية... و مع مرور الزمن بدأ الشعب الآرامي يُعرف لدى الشعوب المجاورة باسم الشعب السرياني، وتسمت لغته الآرامية بالسريانية الآرامية.

شهد التاريخ عدة محاولات لتزوير أو إلغاء هويات الشعوب، كان أبرزها و آخرها تجربتين : التجربة الشيوعية الأممية، التي أرادت تذويب هويات الشعوب المكوّنة الإتحاد السوفيتي السابق، فإذا بالنتيجة أن انهارت الشيوعية وانتصرت الهوية القومية. والتجربة الثانية، تجربة العروبة الأكذوبة، التي فشلت فكراً وممارسة، وذلك بشهادة العديد من المفكرين المتبصرين لا سيّما منهم السيد محمد حسين فضل الله .(3)

وفي ماخصّ المسلمين  العرب في لبنان، فهم بحكم عصبيتهم لإسلامهم، يجدون أنفسهم منساقين لتبني الهوية العربية كانتماء قومي، تحببا بهوية النبي محمد ، ابن بادية شبه الجزيرة العربية، وتعلقا بلغته العربية التي أصبحت لغة الإسلام المقدسة.

لقد بات على المسيحيين أن يتخلّا من مهزلة "جحا" ، الذي أطلق كذبة وصدقها هو، بعد أن صدّقه فيها الناس. فإن الظّروف التي جعلتهم ( أي المسيحيين) يروّجون لفكرة العروبة في أوائل هذا القرن قد تبدلت.

 ونحن حين نعتبر طائفتي الرّوم الكاثوليك والرّوم الاّرثوذكس، ركناً من أركان المجموعات المكوّنة للهوية الآرامية، فإننا لا نتعرض في ذلك الى انتمائهم الكنسي البيزنطي التي لاتتعدى في هويتها حدود المممارسات الطقسية الدينية والليتورجية. إذ ليس من هوية قومية بيزنطية، كما ليس من هوية لاتينية أو بروتستانتية. أما المؤمنون بالعقيدة البروتستانتية في لبنان، فهم سريانيون- آراميون في هويتهم القومية ، وبروتستانتيون في هويتهم الدينية العقائدية، كذلك أبناء الطائفة اللاتينية (باستثناء أفراد ممّن هم من أصل أوروبي)، فهم سريانيون- آراميون في هويتهم القومية، ولاتينيون في طقسهم لكنسي ليس إلاّ.

وكذلك الأمر في ما يخصّ الكنائس السريانية الهندية المتمركزة في جنوب الهند والبالغ عددهم حوالي الثمانية ملايين (4) شخص. فهؤلاء سريانيّو اللسان ليتورجياً بحكم تبنيهم للطقس السرياني الأنطاكي، وهنديّو الهوية بحكم انتمائهم للشعب الهندي عرقاً  وحضارة. تماماً كما نحن علية، مسيحيو لبنان وسائر المشرق الانطاكي، فنحن أصبحنا عربيو اللسان بحكم إتقاننا اللغة العربية واعتمادها، و آراميو الهوية بحكم انتمائنا القومي والحضاري.

 وإلى القائلين إن الكنائس البيزنطية هي فوق الاعتبارات القومية، لعدم تضمنها في تسمياتها أي مدلول لهويتها القومية، خلافاً لسائر الكنائس المسيحية المشرقية التي حملت اسم شعبها ولم تتنكر لهويتها القومية، أمثال : الكنيسة الارمنية، والكنيسة القبطية، والكنيسة النسطورية، والكنيسة الكلدانية ، والكنيسة السريانية... نرد على زعم هؤلاء مستشهدين بأقوال المطرانين باشا وعوده . إذ يذكر المطران باشا في احدى كتاباته قائلاً: "على الروم الملكيين الكاثوليك ألاّ يكتفوا مسيحيين خلَصاً. عليهم ان يكونوا شرقيين خلَصاً وكاثوليكيين خلَصاً وعرباً خلَصاً"(5)، ويضيف: "الملكيون بسبب اندماجهم العميق في العالم العربي، وتعريبهم الكامل لليتورجية، لهم رسالة خاصة، رسالة شهود المسيح في العالم الاسلامي / إنهم البرهان الحيّ على أن العروبة والإسلام لا يترادفان". (6)

ويذكر المطران الياس عوده متكلماً عن الجذور العربية للكنيسة الارثوذكسية فيقول: " علينا استعادة بعض ممّا قدّمه آباؤنا من المسيحيين العرب على صعيد الفكر الفلسفي" . (7)

 فمن هم هؤلاء الآباء العرب في فهم المطران عوده؟!

هل هم اغناطيوس الأنطاكي السرياني مواليد 35 م، أَم اكليمنضوس الروماني مواليد سنة 101 م، أَم تريليانوس مواليد سنة 155 م، أَم هيبوليتس اسقف روما الذي مات شهيداً في سردينيا سنة 235 م، أَم ايريناوس اسقف ليون مواليد سنة 130 م، أَم يوستينوس مواليد سنة 100 م، أم ياسيانوس السرياني مواليد 120 م، أم مار افرام السرياني سنة 303 م، أم غريغوريوس النازينزي البيزنطي مواليد 328 م، أم يوحنا الذهبي الفم مواليد 344 م، أَم افراهاط الفارسي (القرن الربع)، أم رابولا السرياني مطران الرها، توفي سنة 435 م، أَم مار يعقوب السروجي مواليد 451 م؟... وهؤلاء الآباء أجمعين فهل هم عرب؟ إذ أنّ بينهم وبين ظهور العرب مئات السنين!

لَمِن المؤلم جداً، أن تتأرجح كتابات سيادة المطران حبيب باشا، بين مُروج للعروبة، وبين راغب في آن، تأكيد الهوية الآرامية الأصيلة. وهاكم الدليل: "قد تُوهم بأنّ الملكيين بيزنطيون نزحوا إلى سوريا، بينما هم سوريّون أصيلون لهم ، مع مواطنيهم اللاخلقيدونيين: نفس اللغة ونفس الاثنية.(8) اللاخلقيدونيون السوريون هم أبناء طائفة السريان الارثوذكس(9) ولغة هذه الطائفة هي السريانية الآرامية، كما ان هويتها القومية هي الآرامية. وعندما يكون لطائفة الروم الكاثوليك نفس اللغة والإثنية لطائفة السريان الارثوذكس، يكون قد تحقق لهاتين الكنيستين، الإنتماء القومي المشترك، والهوية الحضارية التاريخية المشتركة، وهي الهوية الآرامية.

فما دامت كنيستا الروم الارثوذكس والروم الكاثوليك لا تُمانعان  في أن تفاخرا بانتماء قومي لهما، فعليهما أن تفاخرا بانتمائهما الآرامي، خاصة وأن كنائسنا المشرقية كافة، لم تشهد أي كتابة عربية، دينية أو ليتورجية، إلا بعد الاحتلال الاسلامي(10) بأكثر من مئتي سنة لمشرقنا الآرامي.

وبالإضافة الى الإستشهاد بأقوال كل من المطرانين عوده و باشا، سنقدم استشهادات أخرى من كتابات سيادة المطران جورج خضر التي نوحي من خلالها إلى بعض الثوابت التاريخية، وإلى بعض الضوابط الوطنية على صعيدي الفكر والممارسة.

فعلى الصعيد التاريخي، يقول المطران خضر: نحن جسم – آرامي بيزنطي- عربي(11). وهذا إجماع إضافي يؤكد هويتنا المشرقية الارامية، وباضافة إلى عاملين لاحقين هما العامل البيزنطي والعامل العربي،

لن أحاول تحميل كلام سيادة المطران خضر ما لم يكن يقصد قوله. فما سأقدمه من تفسيرات لهذه التسميات، لن تعدو كونها تفسيرات لفرضيات أضعها شخصياً، لأخرج منها باستنتاجات توضح ما أصبو إلى بلوغه.

أن أفترض من خلال كلام المطران خضر أننا بعد أن كنا آراميين، أصبحنا بيزنطيين ثم عرباً، هذا استنتاج سيصوّبه المطران نفسه في إستدراكه قائلاً: بالإنطلاق من الموروث غير المبتور نبني حاضراً و آتياً قويين سليمين(12). والموروث المبتور أن نتكلم عن تراث غربي بمعزل عن التراث البيزنطي، أو أن نتكلم عن التراثين البيزنطي والعربي بمعزل عن التراث الآرامي.

ولكننا نلفت موضحين، أن الفرق بين الآرامية والبيزنطية ، هو أن الآرامية هوية قومية للشعوب المسيحية التي كانت خاضعة للحكم البيزنطي، وأن البيزنطية هي حكم امبراطوري روماني بيزنطي (نسبة لمدينة بيزنطية)، تقلص فيما بعد ليصبح هوية طقسية كنسية بلغة أوروبية يونانية. وعليه لا يمكننا القول بوجود تراث بيزنطي وآخر عربي جاءا كمتراكمات لاحقة للتراث الآرامي. لأن العروبة لم تظهر كثقافة مكمّلة للآرامية، بل كهوية لاغية لما سبقها، أو أقلّه كهوية وثقافة نمت إالى جانب ثقافة الآراميين أهل البلاد، مع كل مارافق ذلك من تفاعلات عبر العصور. فالفرنسيون لم يصبحوا ألماناً بفعل الإحتلال الألماني لبلادهم. وإذا رد البعض عدم تحول الفرنسين إلى ألمان، لقصر زمن الإحتلال، نذكّر باحتلال البرتغال لبلاد البرازيل الذي دام مئات السنين بدءاً من سنة 1500م. وإنك إذا سألت برازيلياً عن هويته، أجابك وباللغة البرتغالية، التي أصبحت لغة البلاد الرسمية، أنه برازيلي وليس برتغالياً.

وللمطران خضر مواقفه الوطنية اللبنانية الثابتة، وبالإضافة إلى مواقفه العروبية. وهو الذي أعطى العرب العروبة ما لم يعطه العرب لأنفسهم، كقوله: "العرب اليوم ترجمة المسيح إلينا لأن المسيح أوجاع".(13) "عند أهل فلسطين أحبّ إلى الرب من كنيسة القيامة لأن المسيح ينبغي منهم، من عدلهم . ضريح المسيح ذكرى. العرب ليسوا ذكرى".(14) "العرب بابنا إلى المطلق ..قضية العرب اليوم قضية الله.. الله الآن حاضن العرب".(15)

فلسطين كلها وسيلة لإستعادة الإنسان العربي الكرامة.."(16)

ثم يخبرنا سيادة المطران خضر عن قول أحد الأصدقاء اللبنانيين له: سألني مناضل لبناني، بوداعة و لطف، أعلم إن كان يخشى على لبنانيتي شيئاً قال: لماذ هذا الإنسحاق , هذا الإنصهار العرب؟ (17)

ولكن حسب سيادة المطران خضر للعرب و لقضيتهم لم يؤخره عن انتقادد الأخطاء، والدفاع مصالح لبنان، قائلا: "عليا أن ننقذ العرب من أنفسهم" (18)

"إن الاسلوب العربي في التعبير يقوم على الغلو.. فمن يمسخ هذا الاسلوب العربي البالي!" (19)

"إننا لا نقدر أن نقول نعم للعرب قبل أن نقول لهم لا. لا يمكننا أن نقول لهم نحن منكم قبل نكون لأنفسا. لا نستطيع أن نخدمهم دون أن نعرف ماهيتنا"(20)

"رسالة لبنان، لتكون فاعلة ، مداها الأول لبنان . والغباوة إذا أن نحل مشاكل الأشقاء قبل يحلوها هم أو أن نجعل مشاكلهم هواجس لنا لبنانية".(21)

وأبلغ وصف لحقيقة الواقع اللبناني ولحقيقة التركيبة المجتمعية للأمة اللبنانية، جملة سطرها سيادة المطران، اختصربها عمق أزمة التعايش في لبنان، في قوله: "إن أصحاب هذا التعايش لم يفطنوا أنه يقوى ويضعف تبعا لتقلّبات العالم وأنه عرضة للتصدع إذا أحسّ أحد الطرفين المتعاقدين أن الدنيا تتغير لغير مصلحته.. فالبلاد كلها تعيش على تقية وكتمان".(22)

إننا حين نتكلم عن الحضارة الرومانية في بعلبك، لا نقصد تحويل الشعب البقاعي هناك الى شعب روماني إيطالي. وكذلك الامر، حين نتكلم على التراث البيزنطي، فلا نقصد تحويل الناس في كنائسا البيزنطية الى يونانيين لمجرد اعتمادهم اللغة اليونانية في طقوسهم الدّينية. لذا ، كم يكون مستحباً اطلاق تسميات جديد لكنائسا البيزنطية في لبنان، مثل أن نقول: " الكنيسة الآرامية الارثوذكسية" ، بدلاً من التسمية: "كنيسة الروم الارثوذكس". وأن نقول ايضاً: "الكنيسة البيزنطية الآرامية الكاثوليكية" بدلاً من التسمية: كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك".

ولهذه التسميات الجديدة مدلولاتها الواقعية والموضوعية . فكلمة "البيزنطية" ترمز الى الطقس الكنسي المتّبع . وكلمة "الآرامية" تدل الى الهوية القومية. وكلمة " الكاثوليكية" أو "الارثوذكسية" تحدد خصوصية العقيدة الايمانية.

بيد أن كلمة "روم" تعود نسبة الى روما. وكلمة "ملكيين" (23) تعود أيضاً نسبة الى الملوك البيزنطينيين الذين كانوا يرعون قسرياً انعقاد المجامع المسكونية ومقرراتها، بالاضافة الى أن اللغة اليونانية المعتمدة في الطقس البيزنطي هي كذلك لغة اوروبية غربية. وهكذا تكون كنائسنا البيزنطية قد ذهبت في الكنسية الى الغرب، كما ذهبت في انتسابها القومي إلى جزيرة العرب، مُسقطةً حقيقة، ما يفصل بين هاتين النقطتين الجغرافيتين، من بلاد آرامية شاسعة، هي في الأساس موطن البيزنطيين المسيحيين الآراميين.

 أن نكون سريانيين _ آراميين ذلك يعني أن نعمل على احترام شخصيتنا, وعلى تاكيد مشرقيتنا أكثر، مع الإحتفاظ  بداهةً، بحقنا في الإبقاء على طقوسنا الكنسية، يونانية كانت أم لاتينية، والإلتزام حيال اترام هويتنا القومية. لأن من يتساهل في هويته، كمن يراهن على وجوده، أو كمن يُسهم في أن يبتلعه الآخرون مثلما ابُتلع ميشال عفلق. 24))

فمن خلال إحياء هويتنا القومية الآرامية والإلتزام بها، نخلق أرضية مشتركة كبرى تجمع شملنا مساعدة إيانا على تخطّي فواصلنا اللاهوتية.

ونحن حين ندعو الى التوحيد قومياً باسم الهوية السريانية – الآرامية، فلا ندعو الى وحدة جغرافية تتعدى الإطار الجغرافي لحدودنا الوطنية المعترف بها دولياً. وذلك إيماناً منا بتفادي الوقوع في الأخطاء العقائدية التي وقع فيها البعض (25) لما فيها تحجّر عبثي وصنميّة في التفكير. فلا حرج في أن يبقى الآرامي العراقي عراقياً، والآرامي السوري سورياً، والآرامي اللبناني لبنانياً، لكن يجب أن يعلم الجميع بأن الكل هم آراميون.

و أودّ بالمناسبة إعطاء المزيد من الأدلّة على صحة طرحنا، إن الكنائس البيزنطية في لبنان، تنتمي بدورها الىالهوية الآرامية. ولن يكون دليلنا إلا من خلال شهادة بيزنطية يقدمها سيادة المطران حبيب باشا راعي ابرشية بيروت وجبيل لـ طائفة الروم الملكيين الكاثوليك، أو بتعبير آخر لـ الطائفة البيزنطية الآرامية الكاثوليكية حسب ما اقترحنا، من تسمية جديدة.

.يقول سيادة المطران، انه قبل الإحتلال اليوناني كانت الآرامية هي اللغة المتداولة في سورية. وقد تمكنت هذة اللغة (أي الآرامية) من اجتياح الامبرطورية الفارسية نفسها (وصولاً الى الهند مثلما أشرنا آنفاً) كما تبناها اليهود انفسهم، معرضين عن العبرانية (26) لغتهم الخاصة.

ويضيف سيادة المطران ان اجزاء من العهد القديم وانجيل متى الاصلي، كتبت باللغة الآرامية ، ولكن إثر الاحتلال الاسكندري، اتسمت سورية بطابع يوناني ، وتسمت المدن باسماء يونانية، وكذلك أهل الثقافة. ونشرت العادات اليونانية في سوريا، وأصبحت اليونانية هي لغة الادارة والثقافة، واللغة الرسمية المعتمدة في المجامع المسكونية والاقلمية وفي المراسلات الكنسية. وكانت تترجم الى اللغة السريانية التلاوات والخطب للأميين الذين يجهلون اليونانية.

وهناك حادثة أوردها ثيدوريتوس في تاريخه الديني، تفيدنا عن وضع اللغة في سوريا في مطلع القرن الخامس. وذلك أن بوبلوس أنشا، على ضفاف الفرات، في زوغما، شمالي جرابلس، ديراً تقام فية الصلوات باليونانية. فلما طفق المزارعون، في الجوار، ينضمون الى الرهبان – وكانوا لايتكلمون الا السريانية – بنى لهم بوبليوس ديراً ملاصقاً للأول، فكانت الجماعتان تلتئمان في الكنيسة المشتركة، وتتناوبان ترتيل المزامير باليونانية والسريانية.

ولكن يتابع سيادة المطران، أنه مع النهضة القومية السورية، والإنتفاضة على البيزنطيين الخلقيدونيين، بدأ استعمال السريانية يترسَّخ في الأدب الى أن غلب التداول بها في الفرع المنوفيزي. والواقع ان الشعب لبث ، في معظمه، متمسكاً بالسريانية.

ومن الأدلة القاطعة على استمرار السريانية لغة في الطبقة الشعبية أن المدن التي انتحلت اسماً يونانياً إثر الاحتلال الإسكندري استعادت اسمها السامي بعد ألف سنة، إثر لاحتلال العربي (27).

ويختتم سيادة المطران باشا كلامه على حقيقة هوية مشرقنا الآرامي، قائلاً: لا نجد أثراً لأي أدب مسيحي باللغة العربية قبل الاسلام. (28)

إن ما يلفتنا في كتابات المطران باشا دقته في التعبير. فهو بالرغم من انتمائه للطقس البيزنطي اليوناني لم يتردد في اعتبار الوجود اليوناني في سورية احتلالاً. كما لم يتردد في وصف دخول المسلمين العرب الى بلادنا بالاحتلال أيضاً. وعليه، فكما أن المطران باشا، لم يُصبح يونانياً بفعل اللغة اليونانية طقساً كنسياً، لم يُصبح عربياً بحكم إتقانه اللغة العربية، لغة الفتح والاحتلال.

ومن الأدلة الاخرى، على أن ما يجمعنا من قواسم مشتركة مع الأرمن، ليس بالصدفة التاريخية وحسب، بل جذور كنسية طقسية انطاكية، ما أشار اليه المطران باشا بقوله: ومن الطقس الانطاكي تفرع الطقس البيزنطي والأرمني والكلداني ثم الطقس الماروني والسرياني المتداول اليوم (29).

وبعد توقفنا عند بعض الآراء لبعض أساقفتنا المسيحيين الذين تكلموا بشكل او بآخر على هويتنا المشرقية الآرامية، سنتوقف عند العديد من آراء البحاثة وعلماء التاريخ (30) من المسيحيين ومسلمين، من عرب و أجانب، الذين تكلموا جميعهم بكل رهبة وإكبار على عظمة حضارة الشعوب الآرامية، وعلى مدى تأثيرها في لغة العرب وثقافتهم.

لقد أُطلقت التسمية "السريانية" على الآراميين المسيحيين لتمييزهم عن الآراميين الذين لم يتمسحنوا بعد. وقد أدت خصوبة الإبداع الآرامي، الثقافي والحضاري، إلى نشر اللغة الآرامية لتجتاح الشرقين الادنى والأقصى. وفي كتاب "تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين" يقول فيليب حتّي: "لم تعد اللغة السريانية الآرامية لغة التجارة والثقافة وحسب وإنما لغة الحكومة والشعب في الهلال الخصيب ومجاوراتها" . وفي كتاب آخر بعنوان "تاريخ العرب "، يقول حتّي: "وكانت طريقة للسريان في نقل الكتب أن ينقلوا الكتاب الى لغتهم السريانية، ثم يترجمونه الى العربية، وهكذا أصبحوا أعظم حلقة للاتصال بين الثقافة الهيلينية وبين الإسلام ، ومن هنا كان السريان أقدم شعب شرفي موَّن العالم قاطبة بالثقافة الإغريقية، فالثقافة الهيلينية لم تصل العقل العربي إلا عن طريق اللغة السريانية".

ويذكر المؤرخ المصري نجيب ميخائيل ابراهيم في كتابه "مصر والشرق الادنى القديم" ان اللغة الآرامية اجتاحت بلاد فارس لتغدو اللغة الرسمية للامبراطورية الفارسي، ويصفها بالتالي باللغة الدولية لسعة انتشاره، فيقول: "حين قام النزاع بين الفرس والرومان ، ظلت لغة الآراميين تفرض نفسها على سائر اللغات، فأبادت اللهجات الكنعانية والاكّادية، وقد عُثر على مئات ، بل آلاف، الوثائق كتبت بلهجات آرامية متعددة، فهي لم تكن لغة الإمبراطورية الفارسية فحسب، وإنما كانت لغة دولية – إذ استعملها الفرس في دواوينهم وكتبت بها برديات عُثر عليها في مصر، كما كُتب بها التلمود البابلي ، وكذلك أسفار من التوراة والانجيل، وظلت تحمل لواء الثقافة دهراً طويلاً".

ويضيف الآثاري العرقي طه باقر في كتابه "مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة"، ان اللغة الآرامية ابنة الحرف الفينيقي، قد استعملها العبرانيون ، وان الأرمن والفرس والهنود قد أخذوا خطّهم من أُصول آرامية. ومن الهند صدَّر الكهنة البوذيون الخط السنسكريتي المشتق من مصدرآرامي الى قلب الصين والى كوريا. وان كتاب القرآن كتب بالحرف النبطي المشتق من الآرامية. وللأمانة العلمية ننقل النص الحرفي لكتابات طه باقر فيقول : "الآرامية عرفت أعظم و أغرب انتشار تحرزه لغة لم تسندها سلطات سياسية، ولم يقتصر الامر على انتشار اللغة وحدها، اذ أنه بانتشارها انتشر استعمال الحروف الهجائية التي كتب بها الآراميون لغتهم فاقتبستها أقوام عديدة في جميع انحاء آسيا في كتابة لغا