In the name of the Father, the Son and the Holy Spirit, Amen.
   صليب
المقاومة
اللبنانيّة About Us
Christians
Lebanese Forces
Lebanon
Phoenicia
Federalism
Articles
Letters
Documentations

Contact Us
صليب
المقاومة
اللبنانيّة

المقاومة اللبنانية نحو لبنان جديد

Father Abou "19 April 2003"

كلمة الأب سليم عَبو رئيس جامعة القدّيس يوسف – بيروت، بمناسبة الاحتفال بعيد الجامعة السنوي في 19 آذار 2003، في حَرَم العلوم والتكنولوجيا (مار روكز)

 

مَن منّا لا يخشى فظائع الحرب على العراق ولا يخاف تداعياتها الإقليميّة والمحليّة؟

 مَن منّا لا يفرح بمظاهر الإجماع اللبنانيّ الرافض للحرب ولاستعمال القوّة وانتهاك القانون الدوليّ ؟

 مَن منّا لا يقدّر التضامنَ اللبنانيّ – السوريّ في مواجهة التهديدات الخارجيّة ؟

 مَن منّا لا يتمنّى أن يكون هذا التضامن فاتحةً لتنقية العلاقات الثنائيّة؟

  ولكنْ ...

مَن ذا الذي لا يلاحظ الالتباس الذي يشوب عبارات المديح والثناء، وهي أقرب ما تكون إلى شهادة حسن السلوك التي يمنحها للبطريرك والأساقفة الموارنة مَن كانوا في الأمس القريب يكيلون لهم الاتّهامات ؟

 

 مَن ذا الذي لا يرى أنّ التضامن اللبنانيّ – السوريّ هو، حتّى إشعارٍ آخر، أقرب إلى التبعيّة منه إلى التشاور؟

 مَن ذا الذي لا يعرف أنّ الوضع السياسيّ في لبنان لم يتغيّر، وأنّ المطالبة بالاستقلال لم تتأجّل إلاّ مؤقّتاً ؟

 مَن ذا الذي لا يؤمن بأنّ واجب التذكّر يُملي علينا التذكير بالتدابير السلبيّة القريبة العهد، على أمل ألاّ تتكرّر مرّةً أخرى؟

بيْدَ أنّ هذه التدابير السلبيّة ليست سياسيّة فحسب ؛ فهي أيضاً من طبيعةٍ أكاديميّة وثقافيّة، و أودّ أنْ أبدأ كلمتي بهذه الأخيرة.

* * * * *

حَضرات السيّدات والسادة الأساتذة،

وممثّلي الهيئة الإداريّة والطلبة،

أيّها الأصدقاء،

 

 

        لقد أبرزتُ باستمرار، بصيَغٍ مختلفة، في الكلمات كلّها التي ألقيتُها منذ العام 1996، سواءٌ في مناسبة الاحتفال بعيد جامعة القدّيس يوسف السنويّ، أم في مناسبة الاحتفال بتوزيع الشهادات على الخرّيجين، الوظائفَ الثلاث الأساسيّة لكلّ جامعةٍ جديرة بهذه التسمية، وهي : تنشئة الطلاّب تنشئةً علميّةً وإنسانيّة، وتعزيز الثقافة الوطنيّة، والدفاع عن الحريّات العامّة والفرديّة. وبيّنتُ في الوقت نفسه بشكلٍ متواصلٍ المقتضيات التي تفترضها ممارسةُ هذه الوظائف ممارسةً سليمة. وأوجزتُ، في سياق هذا التوجّه، في الخطاب الذي ألقيته في اختتام الاحتفالات لمناسبة انقضاء  مئةٍ وخمسٍ وعشرين سنةً على تأسيس جامعة القدّيس يوسف، رسالةَ هذه الجامعة، في صيغةٍ اتّخذها منذ ذلك الحين عددٌ كبيرٌ من الأساتذة والطلاّب شعاراً لهم، حين أكّدتُ أنّه يتعيّن على جامعة القدّيس يوسف أنْ تكون وتظلّ مركزاً للتفوّق والامتياز، ومقاماً رفيعاً للثقافة، وحيّزاً للحريّة.

        وشدّدتُ في هذه الكلمات كلّها من دون استثناء، على البعد النقديّ الذي يتّسم به عملنا؛ وذلك على المستوى التربويّ أوّلاً، لأنّه إنْ كانت غاية الجامعة نقل المعارف، فإنّه يتوجّب عليها أيضاً أنْ تحثَّ على التفكير في القيمة النسبيّة لهذه المعارف وفي مدى تأثيرها على مستقبل الإنسان؛ وعلى المستوى الاجتماعيّ ثانياً، لأنّ الجامعة إنْ كانت مدعوّةً إلى التكيّف مع حاجات المجتمع المتغيّرة، فإنّه يتوجّب عليها أيضاً أنْ تحتفظ بهامشٍ من حريّة التصرّف يتيح لها أنْ تبدي رأيها في تطوّره ؛ وعلى المستوى السياسيّ أخيراً، لأنّ الجامعة إنْ كانت تربّي مواطني الغد، الذين يعون واجباتهم تجاه الدولة، فإنّه يتعيّن عليها أيضاً أنْ تدافع عن حقوقهم في مواجهة الدولة. ولكن حين يتعرّض الخطاب النقدي للقمع والكبت بذريعةِ أنّه ينال من الروح الأكاديميّة، ومن النظام الاجتماعيّ، أو من أمن الدولة، فإنّه يتحوّل لا محالة إلى مقاومة.

        وإنْ اخترتُ لكلمتي هذه عنوان الجامعة ودورُها المقاوِم ، فلأنّ جامعة القدّيس يوسف مدعوّةٌ، في نظري، في الظروف البالغة الخطورة التي نمرّ بها، إلى التصدّي لثلاثة أنماطٍ من الأخطار التي تتجلّى تِباعاً على المستوى الأكاديمي، والمستوى الثقافي، والمستوى السياسيّ. فيتعيّن علينا أنْ نقاوم انهيار التعليم العالي الناجم من التكاثر السرطاني للمؤسّسات الجامعيّة أو التي تدّعي لنفسها هذه الصفة ؛ وأنْ نقاوم التردّي الثقافي في مجتمعٍ قلّما يُعنى بأنْ يعبّر عن نفسه تعبيراً أصيلاً عالميّ المدى ؛ وأنْ نقاوم نظاماً سياسيّاً يُغضي إغضاءً تامّاً عن تطلّعات الشعب ولا يألو جهداً في قمع ما يعبّر عنها.

 

المقاومة الأكاديميّة

ليس تكاثرُ مؤسّسات التعليم العالي الخاصّة وقفاً على لبنان ؛ فإنّه يبرز في عددٍ كبيرٍ من بلدان الشمال والجنوب ؛ وهو من نتائج الليبراليّة المفرِطة التي تسِمُ عولمةَ المبادلاتِ التجاريّة وتدويلَ تكنولوجيا الاتّصالات. ولكنّه بلغ في لبنان حجماً مذهلاً. ويمكنكم أنْ تقدّروا ذلك بأنفسكم. فخلال ثلاثة أرباع القرن لم يكنْ في لبنان كما تعرفون، إلاّ جامعتان، كلتاهما خاصّة، هما الجامعة الأميركيّة في بيروت وجامعة القدّيس يوسف، اللتان كانتا تُعِدّان النُخبَ الإداريّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة للأمّة. ثمّ تأسّست في العام 1951 الجامعة اللبنانيّة، وهي الجامعة الرسميّة. وأُنشئت بعد ذلك بعشر سنوات، جامعتان جديدتان. وأبصر النور بين عامَي 1984 و 1996، حوالى عشرين مؤسّسة جامعيّة، ومثل هذا العدد منها بين عامَي 1996 و 2000. فآل الأمر بلبنان، الذي يعدّ حوالى أربعة ملايين نسمة، إلى أنْ يضمّ اليوم اثنتين وأربعين مؤسّسة للتعليم العالي. ولا يقتصر الأمرُ على ذلك : ففي وزارة التربية والتعليم العالي ما لا يقلّ عن خمسةٍ وثلاثينَ طلب ترخيصٍ تنتظر إقرارها، ويرمي بعضُها إلى إنشاء مؤسّساتٍ جديدة، وبعضُها الآخر إلى استحداث كليّاتٍ أو معاهد أو اختصاصات جديدة في مؤسّساتٍ قائمة. ويُقال إنّ بعض طلبات الترخيص هذه أُرفقت بها مبالغُ طائلةٌ من الرشاوى. وذلك ممكن.

لا بدّ هنا من إبداء ملاحظتَين. أمّا الأولى فمفادُها أنّ المؤسّسات الجامعيّة كانت، حتّى العام 1996، لا تتوخّى الربح؛ ولقد نمت وتوسّعت، منذ ذلك التاريخ، " سوقٌ حقيقيّةٌ للتعليم العالي"، تهيمن عليها تجمّعاتٌ من المستثمرين اللبنانيّين والأجانب، مؤلّفةٌ من مجموعاتِ مساهمين أو من شركاتٍ تجاريّة. وعلى هذا الصعيد أيضاً، ليست هذه الظاهرة وقفاً على لبنان. فلقد لاحظ عددٌ من خبراء اليونسكو، في شهر تشرين الأوّل من العام 2002، أنّ " الاتّفاقيّة العامّة لتجارة الخدمات"، المعقودة في إطار منظّمة التجارة العالميّة، تشمل خدمات التعليم ما بعد الثانويّ؛ غير أنّهم لاحظوا أيضاً أنّ تأثير هذه الاتّفاقيّة - الحسن أو السيئ – في أنظمة التعليم في البلدان الصناعيّة والبلدان النامية يطرح قضيّةً محوريّة، هي ضمان جودة التعليم. ولكنّ لبنان – وهذه هي ملاحظتي الثانية – لا يُعنى البتّة بهذه القضيّة. فلا يخضع فيه تكاثرُ المؤسّسات الجامعيّة المفرِط لا إلى سلطةٍ وطنيّةٍ تنظّمه، ولا إلى نظامٍ دوليّ للاعتماد. فينجم عن ذلك أنّ مجموعة المؤسّسات الجامعيّة تؤلّف لوحةً متنافرة العناصر، تراوح بين الجامعات المحترمة التي تحظى شهاداتها بالاعتراف على الصعيد الدوليّ، والمؤسّسات التي يُمكننا أنْ نسمّيها، بكلّ ثقةٍ، "دكاكين توزيع الشهادات". ويتساءل البعضُ عن إمكانيّةِ وجود نيّةٍ مبيّتة، أو إرادةٍ خبيثة، ترمي تحت ستار الليبراليّة المفرِطة المرتبطة بالعولمة، إلى إضعاف التعليم العالي الخاصّ في لبنان. وذلك ممكن.

يولّد تكاثرُ المؤسّسات الجامعيّة المفرِط والعشوائي مسيرةً تنافسيّةً، تقدّم للطالب سهولةَ الدراسة والحصول على الشهادة كمعيارٍ وحيد يأخذ به في اختيار المؤسّسة التي سينتسب إليها. فلا يسعُ مؤسّسةً كجامعتنا أنْ تواجهَ هذا النهجَ الديماغوجي إلاّ بالمزيد من السعي إلى التفوّق والامتياز. وإنّ "رؤيا" جامعة القدّيس يوسف للسنوات الخمس المقبلة تدعو إلى هذا المزيد من التفوّق والامتياز بالذات. وسأعرض أمامكم اقتراحاتها في هذا الخصوص : " تُقرّر جامعةُ القدّيس يوسف أوّلاً : تنشئةَ أفضل الطلاّب في لبنان والمنطقة، وتزويدَهم بجوازِ عبورٍ إلى العمل ؛ ثانياً : أنْ تصبح مركزاً للتفوّق والامتياز في حقل البحث العلميّ والابتكار ؛ ثالثاً: أنْ تشجّعَ على الحوار من خلال الثنائيّة الثقافيّة والتعدّد اللغويّ؛ رابعاً : أنْ تظلّ حيّزاً للتفكير وللتنشئة الشاملة للشخص". ومن جهةٍ أخرى، إذ تَعتمدُ جامعتُنا النظامَ الأوروبي لاحتساب الأرصدة الجامعيّة، فإنّها تسعى جاهدةً إلى تعزيز التفاعل بين المعلّم والمتعلّم وإلى اعتماد بنيةٍ بسيطةٍ تُتيحُ مراقبةَ نوعيّة التعليم وتَقييمَ عمل الطالب، تلحظ إنشاءَ مجلسٍ تربوي، على مستوى الجامعة، يُعهد إليه بتقييم المشاريع التي يتمّ تحقيقها في مختلف مؤسّساتها، واعتماد نظام المشرفين التربويّين على الطلبة في مؤسّساتها كافّةً.

إنّ مشروع الإصلاح التربويّ الذي هو قيد الإعداد حاليّاً يستدعي تغييراً حقيقيّاً في العقليّة والمواقف عند الأساتذة والطلاّب على السواء. ويطول هذا التغييرُ أوّلاً العلاقة التربويّة التي ترمي إلى تعزيز وَعي الطالب مسؤوليّاتِه، وذلك عن طريق إشراكه في تنشئته بالذات. يخشى عددٌ من الأساتذة ألاّ يبقى لهم متّسعٌ من الوقت، إنْ خصّصوا رُبعَ النصاب التدريسي أو ثلثَه للعمل الذي يُنجزه الطالب بنفسه، ليرسّخوا فيه المفاهيم الأساسيّة الخاصّة بالمادّة التي يدرّسونها، ويتيحوا له أنْ يستوعبها. وليست هذه الخشية في محلّها إلاّ إذا اقتصرت مراقبةُ المعارف على الامتحان الخطّي التقليديّ أو على بطاقة المطالعة. فيتعيّن أنْ نبتكر أنماطاً جديدةً من التمارين تحمل الطالب على أنْ يقوم بنفسه بمقاربةٍ نقديّةٍ للمفاهيم الأساسيّة والمبادئ المرتبطة بها، وأنْ نؤمّن مواكبةً صارمةً لعمله. وغنيٌّ عن البيان أنّ أنماط التمارين تختلف باختلاف المادّة المدرَّسة.

ويتناولُ مشروعُ الإصلاح ثانياً إعادةَ النظر في البرامج. حاولتُ مراراً، عندما كنتُ عميداً لكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، أنْ أقنع رؤساءَ الفروع بأنّ سنوات الإجازة الثلاث لا تشكّل مرحلةَ تخصّصٍ بالمعنى الدقيق للكلمة، وبأنّه يُستَحسَن أنْ نُفرد مكاناً للثقافة العامّة في برنامج الإجازة. ولكنّ محاولاتي باءت بالفشل. فقد كان رؤساء الفروع يدافعون عن برامجهم بالاستناد إلى "ما كان معمولاً به في فرنسا". ولكنّ فرنسا قرّرت اليوم أنْ تفرِضَ ما كنتُ أقترحه منذ خمس عشرة سنة. فيتساءل وزير التربية الوطنيّة، لوك فرّي (Luc Ferry) ، في وثيقةٍ بعنوان "آفاق جديدة للتعليم العالي"، لماذا يستمرّ التلامذةُ الذين ينتسبون إلى الصفوف التحضيريّة لمباريات المدارس العليا " في الإفادةِ من تنشئةٍ في الثقافة العامّة، في حين أنّ الطلاّب الذين ينتسبون إلى الحلقة الجامعيّة الأولى، ينخرطون مباشرةً في تخصّصٍ مبكّر جدّاً (...). وتشوبُ النواقصُ في مادّة الثقافة العامّة العلومَ الإنسانيّة والثقافةَ العلميّة على السواء". غير أنّه يضيفُ موضحاً: " يجب ألاّ نجعل من التعليم الجامعيّ في الحلقة الأولى صورةً طبق الأصل عن التعليم في الصفوف التحضيريّة حيث تتراصف الاختصاصات، بل علينا بالعكس بناء تنشئةٍ في الثقافة العامّة تكون جزءاً لا يتجزّأ من التخصّص الذي يختار الطالبُ أنْ يتّجه نحوه". ويختم كلامه داعياً الأساتذة إلى التفكير في نسبة التنشئة في الثقافة العامّة التي يجدر إدراجها في صلب البرامج، في إطار نظام الأرصدة الأوروبيّ.

 

ويتناول مشروعُ الإصلاح أخيراً ما أرغب في تسميته الحرص على تعدّد الاختصاصات، وهو أبعد مدىً من ممارسة تعدّد الاختصاصات، سواءٌ أتمّ ذلك على مستوى الحلقة الأولى، عن طريق تنشئةٍ في الثقافة العامّة موجّهةٍ نحو التخصّص الذي يختاره الطالب، أم قام على التعاون المنظَّم بين الاختصاصات، وذلك على مستوى الأبحاث التي تجري في نطاق الحلقتَين الثانية والثالثة. إنّ الحِرصَ على تعدّد الاختصاصات ينمّ على موقفٍ عقليّ عند الأستاذ، وقَعتُ على شرحٍ موفّقٍ له في مقالٍ نشرته مجلّة M.A.U.S.S، وقد جاء فيه : " إنّ الاختصاصات مسوَّغة تسويغاً تامّاً على المستوى الفكريّ، شرطَ أنْ تحافظ على انفتاحٍ في الرؤيا يعترف بوجود ترابط وتضامن، وأنْ يتصوّرهما. بل هي لا تكتسب تسويغَها التامّ إلاّ إذا لم تحجب الحقائق الكليّة. فعلى سبيل المثال، تشترك الاختصاصاتُ البيولوجيّة المختلفة واختصاصاتُ العلوم الإنسانيّة كافّةً في أجزاء من مفهوم الإنسان (...). وهي تتناول في الواقع جوانب متعدّدة لواقعٍ مركََّب، ولكنّها لا تكتسبُ دلالتَها إلاّ إذا كانت متّصلةً بهذا الواقع، عوضاً من أنْ تُغفله. ومن المؤكّد أنّه لا يمكننا تكوين علمٍ موحَّد للإنسان من شأنه أنْ يُلغي ما في الإنسان من تعدّدٍ مركَّب. المهمّ هو ألاّ ننسى أنّ الإنسانَ موجودٌ وأنّه ليس وهماً " ساذجاً " يتصوّره مفكّرون أنَسيّون ينتمون إلى مراحل سابقة لظهور العِلم في صيغته المتطوّرة، وإلاّ أفضى بنا الأمرُ إلى حالةٍ عبثيّة "

المقاومة الثقافيّة

        لقد عرضتُ أمامكم بإيجاز، بعضَ المقتضيات المرتبطة بالسعي المطّرد إلى التفوّق والامتياز، وهو الصيغة الوحيدة الممكنة لمقاومة انهيار التعليم العالي في لبنان. ولا يقتصر الأمرُ على ذلك، لأنّ  الانهيار الأكاديميّ يرافقه تردٍّ ثقافي يضاعف من خطورته أنّ الثقافةَ في هذه البلاد كما في بلدان أخرى - لا الاقتصاد - هي البنيةُ التحتيّةُ التي يقوم عليها مباشرةً ما هو سياسيّ. وهذا يعني أنّ التردّي الثقافي يؤدّي حتماً إلى انحلالٍ سياسيّ، هو مصدرُ الارتهانات كلّها. ولكنْ هل يُمكننا أنْ نتحدّثَ عن تردٍّ ثقافيّ ؟ ألَم يتمَّ إعلانُ بيروت "عاصمةً ثقافيّةً للعالم العربيّ " ، في العام 1999 ؟ أَوَ لَم يستضف لبنان في العام الماضي القمّةَ العربيّةَ والقمّةَ الفرنكوفونيّة ؟ أَوَلا يستقبل كلّ عام عدداً كبيراً من معارض الكتب، ومنها " أقرأ بالفرنسيّة وبالموسيقى" ؟ أَوَلا يستضيف سنويّاً عدداً كبيراً من المؤتمرات الدوليّة في حقول المعرفة كلّها ؟ أَوَلا يشكّلُ المركزَ المفضّل للمعارض الفنيّة أو التكنولوجيّة؟ أَوَ لَم يُحْيِ تقاليدَ المهرجانات العالميّة للمسرح، والموسيقى، والرقص ؟ إنّ هذه الاحتفالات الثقافيّة هي بالتأكيد بالغة الأهميّة. فهي تذكّر العالم بأنّ لبنان موجودٌ ؛ ولكنْ يبدو أنّ وجودَه في ذاته أو كواجهةٍ لسوريا، سيّان في نظر العالم.

        إنّ الثقافةَ الأصيلة لا تَرِد من الخارج على شعبٍ يكتفي بتلقّي تجلّياتها، بل تتكوّن في صميم الشعب، منبثقةً من جَيَشانٍ عقليّ وعاطفيّ متواصل، وتعكس روحَه العميقة. وهي تُبدع نماذجَ مُمَيِّزة تحمل قِيَماً عالميّة ؛ وهي التعبيرُ المتعدّدُ الأشكال عن التوق الواحد المشترَك إلى المطلق ؛ وهي لسانٌ خاصٌّ ناطقٌ بالحريّة الإنسانيّة. وهي بطبيعتها تتمرّدُ على أشكال الطغيان كلّها. فإذا توقّفت عن القيام بذلك، ارتهنت وجفّت، وولّدت روحَ العبوديّة.

        وتُبيّن مرحلتان من تاريخنا الوظيفةَ التحريريّة التي تضطلع بها الثقافة. أمّا المرحلةُ الأولى فتختصُّ بنشوء لبنان المستقلّ  في عهد الأمير فخر الدين. يُبرز غسّان تويني في كتابه مئة عام من أجل لا شيئ الأهميّةَ الحاسمة لإمارة لبنان، فيقول: " إنّها في الواقع مقاطعةٌ عثمانيّة، ولكنّها كانت تقيم علاقاتها الخاصّة بالخارج (...). وكانت هذه الإمارة تقيم علاقاتٍ ثقافيّة وتجاريّة مستقلّة عن السلطنة العثمانيّة، وموجّهة بالتالي ضدّها. وإنّنا لَواجدون في هذه العلاقات، بدءاً من القرن السابع عشر، أوراقَ اعتماد لبنان الكبير والجمهوريّة اللبنانيّة ".

        وأمّا المرحلةُ الثانية، التي مهّدت مباشرةً لانتهاء السيطرة العثمانية، فهي عصرُ النهضة. كلّنا يعرف المسيرةَ التي أفضت بنهضة الفكر والآداب العربيّة، التي كان اللبنانيّون روّادها، إلى أن تَبعث، بتأثيرٍ من الثقافة الغربيّة، شعوراً قوميّاً عربيّاً، يقوم على اجتماع المسيحيّين والمسلمين على مقاومة الهيمنة العثمانيّة ومعارضتِها. وبرز في حركة التحرّر التي تلتها دورُ الجامعات بصورةٍ جليّة. وقد كتب المستشرق بروكلمان (Brockelmann) في هذا الصدد: "لقد استيقظ الشعورُ بالانتماء القوميّ الواحد بتأثيرٍ من الثقافة الفرنسيّة النافذة، المستقرّة في المناطق الساحليّة منذ قرنٍ ونيّف، ومن الأفكار الديموقراطيّة التي نشرتها الجامعةُ الأميركيّة في بيروت".

        فما هو الدورُ الذي تستطيعُ جامعتُنا أنْ تقومَ به اليوم في تكوين ثقافةِ مقاومةٍ  في وجه ثقافة الخنوع التي تتنامى ؟ ثلاثُ عباراتٍ  تحدّد هذا الدور ، وهي مدوّنةٌ في "رؤيا" جامعة القدّيس يوسف للسنوات الخمس الآتية. فلقد فلقد جاء في هذه الوثيقة أنّه يتعيّن على الجامعة أنْ تظلّ مركزاً للتفكير، والبحث، والابتكار. إنّ التفكير عدوّ الشعارات الفارغة : فالتفكيرُ يقتضي  جهداً عقليّاً، في حين أنّ الشعارَ الفارغ يدلّ على خمولٍ ذهنيّ ؛ ويهدف التفكيرُ  إلى الوضوح، في حين أنّ الشعارَ الفارغ يستطيب الغموض ؛ ويتطلّب التفكيرُ شجاعةً، في حين أنّ الشعارَ الفارغَ ينسجم مع الجبن. وحسبنا مثالٌ واحد لتبيان هذه الفروق بينهما. فمنذ ما اصطُلِح على تسميته باتّفاق الطائف، يُعلن المسلمون والمسيحيّون تأييدَهم إلغاء الطائفيّة السياسيّة، من غير أنْ يُعنَوا بالتفكير في ما يُعلنون، ومن دون أنْ يهتمّوا بتبديد الالتباسات الخطيرة التي ينطوي عليها هذا الشعار، والمقاصد الخفيّة التي يُبطنها، والعواقب المترتّبة عليه، مخافةَ أنْ يتسبّب الجهدُ التوضيحيّ في إثارة السجالات.

        تُقدّم لنا  أقوالُ المغفور له الإمام محمّد مهدي شمس الدين في هذا الخصوص مثالاً  رائعاً لما هو التفكير وللشجاعة التي يتطلّبها، فقد كتبَ : " إنَّ إلغاء الطائفيّة السياسيّة هو شعارٌ من الشعارات الثابتة في السياسات اللبنانيّة، وقد تبنّيناه؛ تبنّاه "المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى"، وتبنّيناه شخصياً على مدى سنواتٍ طويلة، وعملنا بصيغٍ متنوّعةٍ، بالتعاون مع كثيرين، على بلورةِ هذا الشعار بمشروعٍ للنظام السياسيّ في لبنان لا يقوم على مبدأ الطائفيّة السياسيّة. وقد وضعتُ مشروعيَ الخاصّ في هذا الشأن، وهو "مشروعُ الديموقراطيّة العدديّة القائمة على مبدأ الشورى". ولكنّي تبصّرتُ عميقاً في طبيعة الاجتماع اللبناني، وفي المجموعات المكوّنة للمجتمع اللبنانيّ، وفي طبيعة النظام البرلماني، النّظام الديموقراطيّ البرلماني، الذي يتميّز بخصوصيّاتٍ معيّنة نتيجةً للتنوّع الطائفي.. وتبصّرتُ عميقاً في تفاعلات الفتنة اللبنانيّة، وفي خفايا ما تحمله في ثناياها أفكارُ القيادات في هذه الطوائف، سواءٌ أكانت قياداتٍ سياسيّةً أو قياداتٍ دينيّةً أو قياداتٍ ثقافيّةً، على تفاوتٍ ما بين هنا وهناك ... . تبيّنَ لي أنَّ إلغاءَ الطائفيّة السياسيّة في لبنان، أنَّ إلغاءَ نظامِ الطائفيّة السياسيّة في لبنان، يحملُ مغامرةً كبرى قد تهدّد مصيرَ لبنان، أو على الأقل ستهدّد استقرار لبنان، وقد تخلقُ ظروفاً للاستقواءِ بالخارج من هنا ومن هناك، ولتدخّلِ القوى الأجنبيّة من هنا ومن هناك. ولذلك فإنّي أوصي الشّيعةَ اللبنانيّين بوجهٍ خاصّ، وأتمنّى وأوصي جميعَ اللبنانيّين مسلمينَ ومسيحيّينَ، أنْ يرفعوا من العملِ السياسي، من الفكر السياسي، مشروعَ إلغاء الطائفيّة السياسيّة، لا بمعنى أنّه يَحرُمُ البحثُ فيه والسعيُ إليه، ولكن هو من المهمّات المستقبليّة البعيدة، وقد يحتاجُ إلى عشرات السنين لينضجَ بحسبِ نُضجِ تطوّر الاجتماع اللبناني وتطوّرات المحيط العربيّ بلبنان. "

        ولا يستقيم التفكيرُ غالباً ما لم يقترن بالبحث، بالمعنى الدقيق للكلمة. ممّا لا شكّ فيه أنّ الوعي والشجاعة يكفيان لتجريد  شعار إلغاء الطائفيّة السياسيّة ممّا يخالطه من أوهام. ولكنّ الأمر يختلف عندما يتعلّق بإعداد مشاريع لإصلاح المجتمع والدولة ؛ فهذه المشاريع تقتضي  دراساتٍ نظريّة مقارِنة وأحياناً تحقيقاتٍ ميدانيّة. لقد سبق لي أنْ دعوتُ علناً  في 19 آذار عام 1999، المسؤولين عن الكليّات والمعاهد إلى تأليف لجانٍ مختصّة، متعدّدة الاختصاصات عند الحاجة، مؤهّلة لأنّ تُنتج وتنشر مشاريعَ تمهيديّة تتناول الحقولَ التي ينبغي إصلاحُها، ومن شأنها أنْ تنوّر الرأي العامّ، وقلتُ بالحرف : " إنّ جامعة القدّيس يوسف مدعوّة اليوم إلى التميّز بتقدمةٍ جديدة أقلّ وصفيّة، وأكثر معياريّة، تقدمة نقديّةٍ تتّصف بالعزم والثبات. فواجبها الأخلاقيّ هو تنوير المشترعين، والرأي العامّ، لاعتماد الخيارات الأكثر ملاءمة في مجال الإصلاح، أَتعلّقَ الأمرُ بقانون الانتخاب، أم باللامركزيّة الإداريّة، أم بالتنمية المناطقيّة، أم بالعلاقة بين الانتماء السياسيّ إلى إحدى الطوائف والمواطنيّة المتمايزة، أم بالتشريع المدَني لنظام الأحوال الشخصيّة، أم بالسياسة الصحيّة، أم بحماية البيئة". ثمّ أوردتُ مبادئ ثلاثة منظِّمة ينبغي في نظري أنْ توجّه هذه الدراسات. فلنْ أعودَ إليها هنا.

        لقد تطوّر البحثُ العلميّ في جامعتنا كثيراً، ولا يسعني إلاّ أنْ أغتبطَ بذلك. فإنّه من الأهميّة بمكان أنْ تكونَ جامعتُنا قد أنشأت قطباً تكنولوجيّاً (بيرتيك) يفتح أمامَ خرّيجيها أبوابَ تأسيس الشركات ويسهّل بصورةٍ أعمّ سبلَ تعزيز البحث. وإنّه من الأهميّة بمكان أنْ تنشر الجامعةُ دراساتٍ تتناول القوانين العربيّة المقارَنة، وأنْ تكشف للدول العربيّة عن مصدر قوانينها، لأنّها تؤدّي من خلال ذلك رسالة لبنان الدائمة تجاه العالم الذي ينتمي إليه. ومن الأهميّة بمكان أنْ تنشر الجامعةُ نتائج أبحاثها المتقدّمة أو أبحاثها السريريّة في  حقل العلوم الصحيّة. فمن شأن ذلك أنْ يُكسبها مكانةً، ومزيداً من الكفاءة، ونفوذاً متنامياً في مجال الصحّة العامّة. ومن الأهميّة بمكان أنْ تشارك الجامعةُ في أبحاثٍ تتناول قطاع المياه أو البيئة، وذلك في إطار شبكةٍ من مختبرات الشمال والجنوب تحظى بدعم الاتّحاد الأوروبيّ، لأنّه يدخل في صلب رسالتها أنْ تكون عضواً فاعلاً في المنظومة الجامعيّة الدوليّة؛ وقِسْ على ذلك. ولكنّ ثمّة أنواعاً أخرى من الأبحاث الضروريّة والملحّة. فإنّ التحقيق الميداني الشامل في موضوع
" الشباب والعمل والهجرة "، الذي قامت به كليّةُ الآداب والعلوم الإنسانيّة يبيّن الجُهد الباهظ التكاليف على الصعُد كافّة، الذي ينبغي أحياناًً أنْ نبذله، لتأمين المعطيات الضروريّة لصياغة مشاريع تمهيديّة موثّقة توثيقاً صلباً، يتمّ التداولُ بشأنها ومناقشتها على أوسع نطاق. لا بدّ من القيام بهذا النوع من الأبحاث إنْ أردنا ألاّ يؤخذَ لبنان على حين غرّة، يوم يتحرّر ويُدعى إلى إعادة تنظيم المجتمع الذي شرذمه المحتلُّ وأعوانُه.

        لا تتغذّى ثقافةُ المقاومة من التفكير والبحث فحسب، بل أيضاً وخاصّةً من الابتكار. ويفترض الابتكارُ أنْ نتخلّص من آليّات التفكير القديمة أو المعهودة، لنفسح في المجال لتعابير غير مألوفة عن مُثُلنا العليا، وفي هذه الظروف المحدّدة، عن مُثُلنا الوطنيّة العليا، أنْ تنبثق من أعماق ذواتنا، أي من هذه الأعماق التي تتلاقى فيها طاقاتُ الذكاء، والخيال، والشعور، وأنْ تكونَ قادرةً على لَفْت انتباه العالم الحرّ، بفضل جودتها وأصالتها، وعلى إثارة اهتمامِه بهذا البلد الذي تحتلّه قوّةٌ أجنبيّةٌ تعسّفاً، و إثارةِ اهتمامِه بشعبه المولَع بالحريّة. وثمّة طُُرُق مختلفة لمقاومة الاحتلال، على ما بيّنتُ منذ عهدٍ قريب لأعضاء مكتب اتّحاد روابط الطلاّب، ومنها : نشاطاتٌ محدّدة، مُعَدَّة إعداداً دقيقاً، وغير متوقَّعة، ومثيرة، أو نشاطاتٌ رمزيّة، لا يمكن أنْ تتعرّض لها أعقابُ البنادق ولا خراطيمُ المياه، أو أيضاً نشاطاتٌ فكريّة مِن شأنها أنْ تضيء الخيارات وتوطّد الاقتناعات.

        ولم أجد أيّة صعوبة في إقناع الطلاّب، خاصّةً أنّهم كانوا، إذا صحّ التعبير، قد سبقوني إلى ذلك. وجُلُّ ما كان يتعيّن عليهم هو أنْ يكثّفوا الجهود التي يبذلونها في ابتكار هذه الأساليب. واسمحوا لي أنْ أقتبسَ، في هذا الصدد، ممّا كتبه واحدٌ منهم، هو ميشال حاجي جورجيو، في جريدة  الاوريان- لوجور، بتاريخ 31 كانون الأوّل 2002: " لا شكّ في أنّ المظاهرات هي  سلاحٌ رهيب وضروريّ، وستجد الحركةُ الطلاّبيّة صعوبةً في التخلّي عنه. وهي تؤدّي وظيفةً مزدوجة، في نظر الطلاّب : الاستمرار في وضع اليد على الحيّز العامّ الذي يمثّله الشارع، من أجل التذكير الدائم بالمطالب، وتعريف الأكثريّة الصامتة بها وتوعيتها. ولكنّ هذه المظاهرات تصطدم بقمع قوى الأمن لها، وغالباً ما يتخلّف عن المشاركة فيها الطلاّبُ غيرُ الملتزمين أو الذين يرفضون أنْ يعرّضوا سلامتهم الجسديّة للخطر". ولكنّه يستدرك قائلاً: " ثمّة وسائل أخرى متاحَة للمقاومة". ومن بين النشاطات الرمزيّة التي نظّمها طلاّبُ جامعة القدّيس يوسف، يذكّر " بيوم التضامن مع المزارعين للتنديد بالمزاحمة السوريّة غير المشروعة " ، وببيع "الفاكهة والخضار اللبنانيّة في الشوارع احتجاجاً على هذه المزاحمة ". أمّا في شأن المقاومة الثقافيّة بالمعنى الحصريّ للكلمة، فيقول: " لقد بلغ عددُ المحاضرات والندوات ذات الطابع السياسيّ، أو الاقتصاديّ، أو الاجتماعيّ، أو الثقافيّ، الني نظّمها الطلاّب ذروتَه في العام 2002. وتجلّى ابتكارُ الطلاّب بصورةٍ خاصّة من خلال تنظيمهم 'يوم شارل مالك'، في العاشر من كانون الأوّل،احتفالاً بثقافة حقوق الإنسان".

        وقد أبرزتُ أمام الطلاّب أهميّةَ الكتابة، ودعَوْتُهم إلى أنْ ينشروا، في الصحافة المحليّة والأجنبيّة، مقالات رفيعة المستوى، تندّد بالظلم، ودعَوْتُهم أيضاً إلى إبداع أعمال أدبيّة، أو فنيّة، أو سينمائيّة، يلهج الناسُ بذكرها، وتنقل رسالةً مشابهة. يسهو عن بالنا أنّ مقاومة الاستبداد العثماني في عصر النهضة، إنّما كانت تتجسّد في الروايات، والقصائد، والمسرحيّات، التي كانت تستحوذ تأييدَ الفرنسيّين وتضامنَهم. وكان الفنّ الأدبيّ الرائج يوم ذاك هو الملحمة والأسلوب الفخم في الكلام. أمّا اليوم، فقد يكون النقدُ الساخر والمهازل هي الفنّ الأدبيّ الأشدّ إفحاماً. فلتتمرّس به المواهبُ الفتيّة. ولعلّه من المفيد التذكير بأنّ ألفرد جرّي (Alfred Jarry) لمْ يكنْ قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره إلاّ بقليل عندما كتب مسرحيّته أوبو الملك (Ubu Roi)، هذا الكتاب الشهير، الذي ندّد فيه، تحت ستار مسرحيّةٍ هزليّةٍ، لاذعة وكاريكاتوريّة، بغباء الناس، وتخاذلهم، وقسوتهم.

        وأظنّ أنّي ذكّرت الطلاّب أيضاً بأنّ أبطالَ المقاومة في أوروبا الشرقيّة الواقعة تحت السيطرة السوفياتيّة، كانوا من الكتّاب. ويطيب لي أنْ أقتبسَ هنا كلمات واحدٍ منهم، هو فاكلاف هافل (Vaclav Havel)، عند تسلّمه جائزة ايراسم (Erasme) عام  1986. فلقد قال، وهو يشير إلى مؤلَّف ايراسم الشهير، في امتداح الجنون (Ιloge de la folie) : " إنّ ما أوصي به هنا، هو امتلاك الشجاعة لنكون مجانين، مجانين في أجمل ما في هذه الكلمة من معنى ". ثمّ أضاف قائلاً وهو يلمّح إلى تجربته الشخصيّة وتجربة رفاقه في المقاومة : " أَوَ ليس مَن تكرّمون اليوم مجنونا ً؟ أَوَ لسنا نكرّم من خلاله عشرات المجانين الآخرين بل المئات منهم، ممّن لا يتردّدون في تعريض أنفسهم لسنواتٍ من السجن، حين ينادون، كلٌّ بمفرده، بتغيير ما هو ثابت، وهم على استعداد، بصورةٍ جنونيّة تماماً، لمواجهة السلطة الهائلة التي تتمتّع بها بيروقراطيّة الدولة، والشرطة، بقوّة  آلتهم الكاتبة الضعيفة ".وتمّ  في العام 1989، انتخاب فاكلاف هافل رئيساً لجمهوريّة تشيكوسلوفاكيا المحرَّرَة. ولمّا دُعي، بعد سنة، إلى التحدّث أمام مجلس الشيوخ في جمهوريّة بولونيا المجاورة، خاطبَ برهةً قصيرةً رفاقه البولونيّين في المقاومة، قائلاً لهم : " آدم ميشنيك (Adam Michnik)، وجاسيت كرسون (Jacite Kerson)، ويان ليكنسكي (Jan Lykinski)، أَمَا زلتم تذكرون لقاءَنا السرّي الأوّل عند الحدود التشيكوسلوفاكيّة – البولونيّة ؟ كنّا – نحن وأنتم – منشقّين مزعومين، ورجالاً تطاردهم الشرطة، ومسجونين، وكنّا موضوع سخريّة. وكنّا نحن أيضاً بالتأكيد نسخر بدورنا من حرّاسنا، ونفرح بإفلاتنا من قبضتهم، ولكنْ لو أخبرنا أحدُهم يومذاك، أنّنا سنصبح بعد عشر سنوات، نوّاباً، ووزراء، ورؤساء جمهوريّات، لَكُنّا سخرنا منه سخريّةً أكبر. ومع ذلك، فهذا ما قد حدث."

  

المقاومة السياسيّة

إنّ المقاومة الثقافيّة وجهٌ أساسيٌّ من وجوه المقاومة السياسيّة، سواءٌ أتعلّق الأمر بالتفكير الرامي إلى تجريد الشعارات التي يتغذّى منها الخطابُ السياسيّ من أوهامها، أم بالبحث الضروريّ لتحديد رؤيا للبنان المحرَّر ولمشاريع الإصلاح التي تقتضيها، أم بالتجديد الذي يوظَّف في أشكال النضال من أجل التحرير كلّها. ولكنّ المقاومةَ السياسيّة أبعدُ شأواً منها. وليس المطلوبُ منّا بالتأكيد أنْ نقاوم بالسلاح، بل المطلوب أنْ نقاوم باللجوء إلى وسيلةٍ سلميّة هي أحياناً أكثر فعاليّة : ألا وهي الكلمة ؛ لأنّه ينبغي ألاّ نقلّل من الشأن الذي يُضفيه على الكلمات ما في النقد، والسخريّة، أو الفكاهة من طاقةٍ تدميريّة. وتستعمل اللغةُ الإسبانيّة كلمةً معبّرة للدلالة على كلّ الذين يخونون وطنهم، قصداً أم عن غير قصد، سواءٌ أأقدموا على ذلك عن سذاجةٍ، أم عن غباء، أم عن طمعٍ. فتُطلَقُ عليهم تسمية " بائعي الوطن "
« 
Vendepatria ». وإنّي أريد أنْ أصف، برسم بائعي وطننا، آليّات الارتهان، وآليّات التبعيّة، وآليّات الرعب، التي يشاركون فيها، شاؤوا ذلك أم أبوا، لعلّي أهزّ ضمائرهم. ولا أنوي، وقد شارفتْ ولايتي على الانتهاء بعد بضعة أشهر، أنْ أُلزمَ الجامعة بمواقفي، فكلامي يُلزمني وَحدي ؛ غير أنّي أستند في مواقفي إلى الثقة التي حملتني إلى هذا المنصب.

        يقدّم لنا التاريخُ أمثلةً كثيرةً لبلدانٍ محتلّة، رأى  حكّامُها من المستَحسَن، لخير شعوبهم، أنْ يتحالفوا مع المحتلّ، من غير أنْ يُدركوا أنّهم يقعون في دوّامة  الارتهان المُهلِكة. وأكثرُ هذه الحالات شهرةً هو بلا منازع تجربةُ فرنسا في العام 1940. فقد نذر فيليب بيتان (Philippe Pιtain) نفسَه لفرنسا، وتقلّد زمامَ السلطة فيها. ونعرف كيف اضطرّ إلى أنْ يلبّي تدريجيّاً المطالب كلّها التي أملاها عليه المحتلُّ: تأليف شبكة من العملاء، وسنّ قوانين معادية للساميّة، وتشكيل ميليشيا مؤيّدة للنازيّة، وشرطة سريّة من النمط نفسه، ثم كيف آل الأمرُ بالمحتلّ في آخر المطاف إلى انتهاك اتفاقيّة الهدنة واحتلال الأراضي الفرنسيّة بكاملها. وقد حُكم على بطل الحرب العالميّة الأولى هذا، والمارشال الفرنسيّ الكبير، بعد انهيار بلد الوصاية، بالإعدام، واستُبدِلت هذه العقوبة بالسجن المؤبّد، ثمّ آل به الأمر إلى أنْ هوى في غياهب النسيان.

        من الواضح أنّ الوجود السوري في لبنان قد تحوّل إلى احتلالٍ يستوفي جميع مواصفات الاحتلال، منذ اللحظة التي تمّ فيها انتهاك البندِ الذي ينصّ في اتّفاقيّة الطائف على انسحاب الجيش السوريّ وأجهزة استخباراته بعد مرور سنتَين على تأليف الحكومة اللبنانيّة، أي منذ عقدٍ ونيّف. وقد اشتدّت هيمنةُ المحتلّ تدريجيّاً على الدولة اللبنانيّة، إلى درجة أنّه عطّلَ أو أفسدَ لمصلحته الخاصّة مؤسّسات البلاد كلّها. فحملت التدخّلات الوقحة في الانتخابات التشريعيّة إلى المجلس النيابيّ أغلبيّةً نيابيّة تدين بالولاء لسوريا، ومن بينهم حجّابٌ صاروا نوّاباً بناءً على مجرّد إيعازٍ من الوالي الشاميّ في عنجر، على ما ذكره جهاد الزين في جريدة  النهار. وانطلاقاً من ذلك، أصبح كلّ شيء ممكناً. فتمّ تهميشُ الجيش لصالح المقاومة التي تتلقّى أوامرَها مباشرةً من دمشق تبعاً لمقتضيات خياراتها الاستراتيجيّة، كما بيّن ذلك الصحافيُّ نفسُه. وتمّ تقويض مصداقيّة القضاء من جرّاء تدخّلات سوريا وأتباعها المتواصلة في شؤونه، كما يُقرّ بذلك الرئيسُ السابق لمجلس القضاء الأعلى، نصري لحّود، وهو شقيق رئيس البلاد. وفقد المجلسُ الدستوريّ من أهليّته عندما أبطل انتخاب نائبٍ نبذه أخوه، المقرّب من رئيس البلاد، وهو من أنصار سوريا الخُلّص، وعَيّن مكانه مرشّحاً رديفاً لم يَنَلْ إلاّ 2% من أصوات الناخبين. وقد علّق محرّر افتتاحيّة جريدة السفير، طلال سلمان، على ذلك، متسائلاً: " فماذا يعني موقع نائب (بالزائد أو بالناقص) إذا كنّا قد خسرنا أهمّ ضمانات الممارسة الديموقراطيّة؟!"

 

        ويقابلُ ارتهانَ الدولة استتباعُ المجتمع المدنيّ. وقد كتب دانيال روندو (Daniel Rondeau) في مجلّة الاكسبرس بهذا الصدد : "نعرفُ ما آل إليه اللبنانيّون، وقد أُخضعوا للاحتلال السوريّ، بمباركةٍ أميركيّة، وفي جوٍّ من اللامبالاة الشاملة ومن اللاشرعيّة الدوليّة التامّة". ولقد أمكن تحقيق ذلك لأنّ سوريا نجحت إلى حدٍّ بعيد في إقناع الدول الكبرى بأنّ اللبنانيّين عاجزون عن تولّي شؤونهم بأنفسهم، وبأنّهم، من دون وصايتها، سيتقاتلون من جديد. وهي لا تجد في الواقع صعوبةً لإثبات ذلك ميدانيّاً : فلقد أمعنت في شرذمة المجتمع اللبنانيّ أيّما إمعان إلى حدٍّ بات بوسعها أنْ تتسبّب في اضطرابات داخليّة في كلّ حين، مِن شأنها أنْ تؤيّدَ حجّتها، وهي لا تتوانى في اعتماد ذلك حينما تراه مفيداً لها. فلا بدّ من الاعتقاد، حتّى يَثبت العكس، بأنّ سوريا لا تعتزم تخفيفَ هيمنتها على لبنان. كانَ يُقال لنا في السابق إنّها ستسحب جيشها وأجهزتها ما إنْ ينسحب الإسرائيليّون من جنوب لبنان؛ ثمّ أُكِّد لنا في مرحلةٍ لاحقة أنّه لا يسعها أنْ تنسحب قبل أنْ يجري توقيعُ معاهدة سلامٍ إقليميّة؛ ويتمُّ اليوم إفهامُنا أنَّ " الوجودَ السوريّ قد يبقى ضروريّاً، حتّى بعد حلول السلام، وذلك لحماية الترتيبات المنصوص عنها في المعاهدة، والتي قد تحاول أطرافٌ مخرّبة نسفها".

        لا يسعنا أنْ نلوم المحتلّ على سعيه إلى تعزيز سيطرته واللجوء في سبيل ذلك إلى تواطؤ عملائه الذين يحتقرُ من دون شك خنوعَهم. ولكنّنا نستطيع أنْ نأخذ على النظام السوريّ وحليفه المحلّي اعتبارَهما اللبنانيّين شعباً من الأغبياء. فمهما بلغت مناوراتهما من الدهاء، فهي تتّسم بسذاجةٍ لا تنطلي على أحد. ومن ذلك : تدبيرُ استقبالٍ، زُعِمَ أنّه حارّ، لوفدٍ شاميّ رفيع المستوى في قلب الجبل، لطمس اللقاء الدرزيّ – المارونيّ المظفّر الذي عُقِدَ فيه لسنتَين خَلَتا؛ وتحويلُ حزبٍ تقليديّ، كان باستمرار حزب الاستقلال، إلى حزب الخضوع، وتسليمُ مقاليده إلى رئيسٍ يسمح لنفسه أنْ يُملي دروساً على المسيحيّين على رؤوس الملأ ؛ وإنشاءُ حزبٍ ليكون بديلاً من حزبٍ حُلَّ بقرارٍ رسميّ، وهو يحمل اسمه، ويتزعّمه هو أيضاً مقاومٌ سابق ممّن تمّ تحويله إلى عميل؛ وأخيراً، جمعُ نوّابٍ مسيحيّين طيّعين بهدف مواجهة لقاء قرنة شهوان.     فإنَّ هذه التدابير تنمّ على توتّر أصحابها المتنامي إزاء عناد المعارضة، وخلفها، عناد شعبٍ بأكمله، خطيئته الكبرى هي مطالبته باستعادة لبنان استقلاله وسيادته. كلاّ أيّها السادة، ليس الشعب اللبنانيّ شعباً من الأغبياء، وهو لم يتنازل عن روحه.

        ويُرافق استتباعَ المجتمع المدنيّ بصورةٍ طبيعيّة حملةُ ترهيب. كلّنا يعرف مظاهرَها التقليديّة : القمعُ الوحشيّ، والسجنُ التعسّفيّ، والملاحقاتُ القضائيّة، والتهديداتُ المبطّنة ؛ غير أنّ أجهزة الدولة لا تعدمُ وسائلَ مبتَكَرة في هذا المجال، ومنها : إغلاقُ محطّةٍ تلفزيونيّة مؤيّدة للمعارضة إغلاقاً نهائيّاً، بذريعة أنّها تعكّر صفو السلم الأهليّ، وإن اقتضى الأمر تشريد عائلات موظّفيها الثلاثمئة والخمسين ؛ وإلغاءُ مظاهرةٍ قرّر لقاء قرنة شهوان تنظيمها، وذلك بالإعلان عن مظاهرةٍ مضادّة، ممّا أمّن ذريعةً لرفض طَلَبَي الترخيص ؛ وتجييشُ زمرةٍ  من الادعياء، لمنع نائبةٍ شماليّة من نوّاب المعارضة من دخول مدينة طرابلس، لأنّها تجرّأت على فضحِ  حملة الافتراءات التي استهدفتها وهدّدَت بتسمية أصحابها. تلك هي، على سبيل المثال، ثلاثة نماذج لما تتفتّق عنه مخيّلةُ أجهزة مخابرات الدولة المُبدعة. فالمطلوبُ في نظرهم هو أنْ يَعي جميعُ المعنيّين فحوى الرسالة الآتية: تواجه سوريا ظروفاً حَرجة ؛ فالمطالبة بانسحابها من لبنان عملٌ مُنكَر، لا يمكن أن يُفيد منه إلاّ العدو.

        إنّ حملة الترهيب مؤاتية لقيام الدكتاتوريّة. ويشكّل فسادُ الخطاب السياسيّ مؤشِّره وعامله في آنٍ واحد. فتتمُّ في أعلى مراكز السلطة المناداةُ بالوفاق الوطنيّ، في الوقت الذي تُبذَل أقصى الجهود للحؤول بالوسائل كلّها دون قيام الحوار الوطنيّ الذي يسعى إليه الفرقاء كافّة ؛ وتتمّ المناداةُ بتخطّي الطائفيّة، في الوقت الذي يدأب المسؤولون على إثارة خلافاتٍ طائفيّة في المناطق بصورةٍ مفتَعَلة ؛ وتتمُّ المناداةُ بوحدة البلاد المقدّسة، في الوقت الذي لا ينفكّ المسؤولون يُمعنون فيها تقسيماً وشرذمةً إلى أقصى حدّ. وتُرمى مسؤوليّة ذلك على المواطنين طبعاً، لأنّه يكفي، لتتحقّق هذه المناداة، أنْ يضبطوا خطابهم على إيقاع الخطاب الرسميّ، وأنْ يتبنّوا لغةَ السلطة والفكرَ الواحد الذي ترغب في فرضِه على الجميع. فالعدوّ الداخليّ هو المعارضةُ. ولكنّ صوتاً مسؤولاً يأبى أنْ يردّد هذه اللازمة، فلا يتردّد رئيسُ الوزراء، ولو أفضى به ذلك إلى إغضاب سوريا وحلفائها المحلّيين، في التصريح بما يلي: " إنّ المعارضة ضروريّةٌ جدّاً، ووسائل التعبير مكفولةٌ في الدستور والقوانين. وأتمنّى أنْ نعطي بلدنا فرصةً للتنفّس، حتّى يتخطّى المرحلة الصعبة التي نمرّ بها ".

 

        ستبقى المعارضةُ ما بقي الالتباس الذي يتحكّم في العلاقات بين لبنان وسوريا. فنأمل ألاّ تقتصر التغيّراتُ التي بوشر مؤخّراً في تنفيذها ميدانيّاً على مجرّد التكتيك فحسب، بل أنْ تشكّل فاتحةً لتحوّلٍ استراتيجيّ يرمي إلى إقامة علاقاتٍ متوازنة بين دولتَين مستقلّتَين وسيّدتَين. وفي انتظار أنْ يتحقّق ذلك، أكرّر القول إنّ واجب التذكّر أملى علينا التنديدَ بالتدابير السلبيّة التي أفسدت العلاقات المميّزة بين البلدَين.

 

خاتمة

أيّها الأصدقاء الأعزّاء،

        لن تُتاحَ لي الفرصةُ بعدَ اليوم لأخاطبكم من على هذا المنبر، أقلّه بصفتي رئيساً للجامعة. يتعاقب المسؤولون على هذا المنصب، ولا يتشابهون، وأمّا المؤسّسة فتبقى، وتستمرّ أيضاً رسالتُها الفكريّة، والثقافيّة، والوطنيّة. إنّ رسالة جامعة القدّيس يوسف الوطنيّة بالذات هي التي تواجه اليوم امتحاناً قاسياً، أكثر ممّا تواجهه أوجهُ رسالتها الأخرى. وعلينا، كما يلفت انتباهنا إلى ذلك نقيبُ المحامين الأسبق شكيب قرطباوي، " أنْ نواجه هذه الأوضاع الجديدة التي يتقرّر فيها وجودُ لبنان. ولا أقصدُ – على حدّ قوله - الناحيةَ الجغرافيّة، بل أعني الحريّات، والسيادة، والديموقراطيّة، والوحدة، وأفضل العلاقات الممكنة مع سوريا، من الندّ للندّ. (...) ويقع على عاتق اللبنانيّين واجب الصمود، وعدم الاستسلام إلى اليأس، وأنْ يدركوا أنّ لهم دوراً يقومون به ليستعيد لبنان استقلاله. فما هو هذا الدور؟ إنَّ قوامه هو عدمُ الاقتصار على مطالبة السياسيّين بتقديم كشف حساب فحسب ؛ وهو الإقلاعُ عن الوقوف أرتالاً على أبواب السفارات؛ والتمرّس بقول : لا ! "  لا للاحتلال، ولا للتعاون معه. فلقد كان زولا Zola)) مصيباً في قولـه : " إنْ كان ثمّة فضيلة ينبغي التمسّك بها، فهي فضيلة الاستنكار ".

        فلا ندَعَنَّ روحَ الحريّة تضعف فينا !

        أمّا المقابل الإيجابيّ للرفض فهو " القدرةُ على أنْ نردّد بلا هوادة ما نرغب فيه "، على ما يذكّرنا به رئيسُ الجمهوريّة التشيكيّة السابق، فاكلاف هافل، فيقول: " نستطيع جميعاً أنْ نُعلن جهاراً مُثُلَنا العليا، وأنْ نسعى جادّين إلى تغليبها ؛ ويُمكننا جميعاً أيضاً أنْ نضحّي في سبيل هذه المثُل العليا  بقسطٍ كبير من سعادتنا الشخصيّة إنْ كنّا حقّاً مؤمنين (...) بأنّ ثمّة أموراً تستحقّ أنْ نقاسي من أجلها (...). وباختصار، نستطيع أنْ نفهم أنّ كلّ واحدٍ منّا قادرٌ على تغيير العالم، ولو لم يكنْ ذا شأنٍ يُذكَر ولا صاحب أدنى سلطة. إنّ هذا المبدأ خفيٌّ عجيبٌ لأنّه يحمل فكرةً مدهشةً مفادها أنّ أيّ واحدٍ منّا يُمكنه، بمعنىً من المعاني، أنْ يهزّ العالم. وهو مبدأٌ منطقيّ، لأنّه إذا لم نقرّر، أنا، ولا أنت، ولا هو، ولا نحن جميعا، سلوكَ هذا السبيل، فإنّه لن يكون أيضاً بوسع العالم الذي نعيش فيه، ونشارك في صنعه، ونضطلع بمسؤوليّته، أنْ يتبدّل أبداً ". ويختم كلامه بهذه العبارة : " فلنسعَ إلى أنْ نكون مجانين وأنْ نطالب بأقصى ما يُمكن من الجديّة بأنْ يتغيّر ما هو في الظاهر ثابتٌ ". وفي الحقيقة، إنّ ألدّ أعدائنا كامنٌ فينا، وهو متجسّد في إغراء الرضوخ للأمر الواقع. وفي حالتنا الراهنة، إنْ كان ثمّة موقف ينبغي أنْ نقاومه، فهو الرضوخ للأمر الواقع.

        فلا ندَعَنَّ طعم الحريّة يفسد فينا !

        ينبغي أنْ تتوطّد المعارضة، وتتوسّع ولا تحيد عن هدفها المركزيّ : أي المطالبة باستقلال لبنان وسيادته. وينبغي أنْ تتجرّأ الأكثريّةُ الصامتة التي تشاركها المثال الأعلى نفسه، على تحدّي المحظورات، والتعبير عن رأيها. فلنتبنَّ فعلَ الإيمان الذي جاهرَ به عالِمُ الاجتماع الكبير ريمون آرون(Raymond Aron)، عندما قال: " نرتضي مخاطر الحريّات والديموقراطيّة، ونراهن على أنّ النقاش المتواصل لن يحول، رغم كل شيء، دون استتباب السلم الأهليّ، وعلى أنّ تضارب المصالح الفرديّة سيسمح باستخلاص قراراتٍ تلائم مصلحة الأمّة. ونحن نفضّل اضطراب المجتمعات الحرّة وصخبها على السكينة الظاهريّة المخيّمة على الأنظمة التي يدّعي الممسكون بزمام الأمور فيها امتلاكَ الحقيقة ويُلزمون مواطنيهم – أو بالأحرى رعاياهم – بمنهجٍ  في التفكير والكلام، وفي الوقت نفسه في العمل. ونحن نختار المجتمعات التي تُعتَبَر المعارضةُ فيها خدمةً عامّة لا جريمة ".

        فلا نَدَعَنَّ شعلة الحريّة ترتجف فينا!

     

حضرات الأساتذة، وأفراد الهيئة الإداريّة، والطلبة،

أيّها الأصدقاء الأعزّاء

        فلْنَتعهَّد في داخلنا ومن حولنا روحَ الحريّة، وطعمَ الحريّة، وشعلةَ الحريّة !

 

عاشت جامعةُ القدّيس يوسف،

وعاش َلبنان !  

Lebnaan Lebnaane - Lebanon is Lebanese - Le Liban est Libanais - لبنان لبناني
Back to the top
Thank you for visiting:
www.lebaneseforces.org, www.lebanese-forces.ca