In the name of the Father, the Son and the Holy Spirit, Amen.
   صليب
المقاومة
اللبنانيّة About Us
Christians
Lebanese Forces
Lebanon
Phoenicia
Federalism
Articles
Letters
Documentations

Contact Us
صليب
المقاومة
اللبنانيّة

المقاومة اللبنانية نحو لبنان جديد

By Mr. Georges Skaff "29 July, 2003"

"النهار"

الثلثاء 29 تموز 2003

 

 

حول "من تراث لبنان" ليوسف الحوراني

استنطاق التاريخ لثقافة إنسانية شاملة

بقلم جورج سكاف

هنا تحت كل ترابه مفاتن مجد...

بهذا استهل سعيد عقل "لبنان إن حكى"، فحكى لبنان، ببيان سعيد عقل الساحر، أشهى حكايا الجبل: لآ الأساطير أشهى

ولا الشمس أبهى

الدكتور يوسف الحوراني توقف عند كل ترابة يستنطقها، ويستنطق كل اسم متداول على السنة أجيال متعاقبة، وكل معلومة شائعة ومحفورة في ذاكرة الاجيال، يهتدي بها الى ينابيعها ويستقري في جزئيتها كامل البناء الحضاري.

كل شيء هنا أكبر من بحر، أكبر من دهر

هنا، تحت كل حصاة، قصة مجد تحكى، فصل من تاريخ حب وعطاء.

هنا ولد وقال وعمل من اغنى المعرفة، وأعلى الحصارة.

هذا التراث العريق ليس لماض درس وانقضى، بل لوجود مستمر، له في هذه المؤسسات الراعية له والداعية الى الاحتفاء به، ذرية زاهرة وبنون صالحون. والدكتور يوسف الحوراني ليس فيهم المؤرخ فحسب، بل هو مغامر جريء، امتطى مركبة صعود الازمنة في رحلة نحو ينابيع الحضارة، وبفضوله الصحافي، قام بتدوين مشاهداته وانطباعاته، بل ذهب أبعد من ذلك في التدقيق بما يلاحظ، والتحقيق في ما يقال، يستنطق الحجر والبشر، يمحو الافتراضات السهلة ليبني من غبار الوقائع ما عمرت به تيالك الحواضر والممالك، ويستجمع من انفاس شعوب عبرت ما نفحت به تيارات الحضارة من روح متجددة.

سلك يوسف الحوراني في ابحاثه طريق الضوء، وكما يقود بريق نقطة صغيرة في الفضاء الى مجرّة كبرى او شمس ساطعة قد تكون انطفأت وتفتتت منذ ملايين السنين الضوئية، هكذا يأخذ الاثر الحضاري الصغير بفكر يوسف الحوراني الى استكشاف حواضر وممالك وشعوب قامت وازدهرت منذ الاف السنين وبقيت اشعاعاتها تكوكب فلك حضارتنا الانسانية الكونية.

تكشَّف هذا الحس التراثي لدى يوسف حوراني عندما بلغنا في الجريدة ما شاهده رعيان في الجنوب لصخور ذات ملامح بشرية، فذهب مع الزميل جميل الوف الذي يهوى التصوير والتقطا لها الكثير من الصور المعبرة، ومن مختلف الزوايا، واخذ يوسف حوراني يدقق فيها ويحقق، يستنطقها ويستنطق كل من عرف عنها او سمع بها، وينقب في كل ما يعود تاريخيا الى هذه المنطقة، حتى تراءت له قانا الجليل، الموقع الاثري الاهم في تاريخ المسيحية، حيث حصلت أثناء عرس، اول اعجوبة للمسيح بأن حوّل المياه الى خمر وتحول هو من ابن انسان الى إله.

ومع اكتشافه أهمية قانا تحول يوسف الحوراني في صحافي مغامر الى باحث ومؤرخ ورجل علم، وفاجأنا باعداد اطروحة تاريخية كبيرة نال لها اول شهادة دكتوراه دولة من جامعة الروح القدس في الكسليك، حول "البنية الذهنية الحضارية في الشرق المتوسطي الاسيوي القديم". بحث عن أولى الحضارات، عند افتراق الانسان عن الطبيعة، بالانتقال من الكهف والمغارة الى بناء سكني، وبداية بناء الذهن انطلاقاً من الصورة الى الفكرة، ومن الحس الى التجريد، ومن التصوير اللفظي او المقطعي الى الابجدية، حتى فعل خلق الكلمة.

غاص الدكتور الحوراني طويلاً في مجاهل تاريخ الفينيقيين فلقي صورة لبنان في قيم تاريخه، ولأن هاجسه الانسان والحضارة التقط جماليات الحكمة من التراث الثقافي البابلي، واخذ من العهد الروماني ملحمة بيروت الميمونة للشاعر ننّوس. وتراكم لديه الكثير من كنوز تراث لبنان، هذا البلد الصغير، نقطة التقاطع الجغرافي بين ثلاث قارات، وقَدَره منذ فجر التاريخ ان يكون أرض اللجوء للمظلومين والباحثين عن الامن والسلام، حتى ان المدن الفينيقية، في زمن الامبراطورية الرومانية شرّعت حق استقبال اللاجئين السياسيين. وهو بخاصة ملتقى حضارات الشرق الادنى. واورد عن المؤرخ فيلوستراتس وصفا جميلاً لمدينة قادش التي اسسها ابناء صور في نهاية الالف الثاني قبل الميلاد - نتباهى بمثله اليوم بعد اربعة آلاف سنة - قال: إن فيها معبداً للعصور القديمة الى جانب معابد للفكر والفن، ومعبد مكرس للحكمة في جميع انحاء الارض، من دون عصبية او تمييز عرقي او ديني او لغوي.

ومن هذا التراث الجميل الذي يلقى اطيب الصدى في أيامنا ان فيلسوفا من صور تحدى الامبراطور الروماني فسباسيان بان يغير النظام الامبراطوري بنظام جمهوري، لانه ليس من يضمن بألا يصل الى العرش، بالنظام الوراثي، فتى أرعن. ودعوة طاليس اول حكماء الاغريق، وهو من سلالة فينيقية، الى انشاء حكومة فدرالية ومركزية تشارك فيها جميع البلاد كولايات تابعة لها وتحافظ كل منها على خصوصيتها.

ولعل اولى المناقشات الاكاديمية في التاريخ حصلت في بيروت، ونقل عن المؤرخ أوزابيوس ان كاهن بيروت جيروم بعل قدم قبيل الزمن الذي عاش فيه موسى، كتابا في التاريخ الى الملك ابيبعل، فقام هذا بمناقشته مع جماعة من النقاد احتراماً منه للرأي الآخر.

ومن جميل تراثنا أيضاً المساواة بين المرأة والرجل، فلا نفاخر اليوم بأن لبنان كان السباق الى إعطاء المرأة حقوقها السياسية والاجتماعية، وبان المرأة عندنا سفرت عن وجهها وتألقت في الادب والفن والسياسة وفي مختلف مجالات العلم والعمل، وهي منذ الزمن الاسطوري لدى الكنعانيين مجدت في التوازن بين الآلهة، والقرى الموقوفة على اسماء الالهات الاناث اكثر من تلك الموقوفة على اسماء الآلهة الذكور كمثل بعلة، وعناة، والعزّى، وتانيت، واللّات. الى الدور الاسطوري للمرأة الفينيقية اذ منحت اوروبا اسمها لقارة، وبنت أليسار امبراطورية قرطاجة. وتسمية بيروت على اسم جوليا فيليكس. اما الإلهة الكنعانية "قَدَش" فرسمت عارية واقفة فوق ظهر أسد وتحمل بيدها زهرة، تعبيراً عن سلطة الانوثة على سلطان القوة المتوحشة.

وتراثنا التجاري؟ إن شهرة البحارة الفينيقيين بلغت حدود العالم المعروف بكونهم افضل التجار، ينقلون بسفنهم البضائع والمنتجات التي تميزت بها المدن الساحلية، صيدا وصور وجبيل، من أرجوان وزجاج شفاف، من خمر وزيت، ومن خشب أرز لبناء هيكل سليمان. كما نقلوا الحرف والعلم والمعرفة. وأجمل ما يُروى عنهم أنهم كانوا عندما يصلون بالبضائع الى الشاطئ يفرشونها على الارض، ويبعثون الدخان من السفينة ايذاناً بالوصول، فيأتي الاهالي المحليون ويضعون الثمن ذهباً قرب ما يرغبون فيه ويتراجعون، فيعود التجار، ولو وجدوا الثمن مناسباً أخذوه وتركوا البضاعة للذين اشتروها، ولو وجدوا الثمن زهيداً استرجعوا البضاعة وتركوا الذهب على الارض. هكذا نشر ابناء صور وصيدا مراكز تجارية لهم في جميع الاقطار، وتعاملوا معها في أمانة وشرف.

يلفت في كتاب الدكتور حوراني ان أبحاثه كُتبت بطلب من مجلة لم تعد تصدر. فلو كانت هذه المجلة، وقبلها مجلة "فينيقيا" أو مجلة "لبنان"، مستمرة في الصدور إنما بتمويل لائق كمجلة "العربي" في الكويت، لكان الدكتور حوراني أرفدها بأبحاث متتابعة تغني التراث اللبناني بكل ما لا يزال مغموراً في ذاكرة التاريخ.

الا أن ما في هذا الكتاب "من التراث اللبناني"، المكتشف حتى الآن، ما يؤسس لأعمال ثقافية وإنسانية عملاقة بحجم عالمي. كأن تتولى هوليوود وضع سيناريو عما كتبه الدكتور حوراني، باختراق حجب الزمان للدخول في عوالم الحضارات الغابرة واحياء مغامرات الاوائل المذهلة، مما لا يصل الى مثله الخيال المبدع في هوليوود، في كل خوارقه.

"من تراث لبنان" لا نكتفي بالتمني له أن يكون في صميم برامج التعليم لكي تنهل من اجيالنا الطالعة، ما يثبت بنوتها لذاك التراث العريق فتنال حقها من ارثها التاريخي الحضاري، بل ارى فيه ما يؤسس لبرامج عمل كبرى لاكثر من وزارة إن توافرت لها الارادة والطموح. على ان تصادر، أولاً، الدكتور حوراني لضمان النجاح.

في التعليم والسياحة الثقافية مثلاً؟

إن العالم المنشغل اليوم بحوار الثقافات وتلاقي الحضارات يجد في هذا البلد الصغير مجمعاً كاملاً لمختلف الحضارات في مختلف مراحلها. فمنه انطلقت وانتشرت الى جميع انحاء الكون حضارة الحرف والابداع والاعمال والاعمار، فقامت "لبنانات" عديدة في مختلف ارجاء العالم، وتولى لبنانيون كثر مواقع الريادة والسلطان، في اكثر من بلد، فمن حق هذه الامبراطورية السلمية الانسانية التي لا تغيب عنها الشمس ان تشد العالم الى هذا البلد الصغير، حجاً الى الاصول وعودة الى الينابيع، الى مناهل الثقافة والحضارة التي بها ينعمون.

وبينما يقوم التحدي العالمي اليوم بين الدول القادرة على بناء مدينة كاملة تحت المياه كما في اليابان، وجزيرة على شكل نخلة في مياه دبي تستهوي سراة القوم، نجد ان الدكتور يوسف حوراني توصل، بالتعاون من نقيب الغطاسين محمد السارجي، الى تحديد مدن تاريخية على الساحل اللبناني، منها ما دمّر وتناثرت آثاره في البحر ومنها ما لا يزال قائماً ونزل من تلقائه تحت المياه. اينها صيدون البحرية، وأوزو ذات الصخرتين المتحركتين "الامبروزيا" قرب صور، واين يرموتا التي لا يزال يذكر باسمها سمك العرموط. اينها تبعث في مشاريع سياحية فتستعيد ازدهارها وألقها اكثر مما كانت عليه في غابر عزها.

وهذه مملكة حيطوريا في سهل البقاع، مملكة رومانية في ارض لبنان، عاصمتها عنجر (خالقيس) وفي اراضيها تقوم هياكل بعلبك، اكبر اثر عمراني في العالم، واكثر من عشرة معابد منثورة حول جبل حرمون. وقد اعترف القائد الروماني بومبي باستقـلالها، وسك ملكها بطليموس مسناوس (ويقول نسبه المعني بانتمائه الى فخر الدين) نقوداً باسمه. وارادتها كليوباترا هدية من حبيبها مارك انطونيو.

مملكة شبه قائمة اليوم ولا ينقصها إلا أن تُعلن مملكة سياحية تجذب اليها كل عاشق مارك انطونيو، في العالم، ليلاقي فيها حبيبته كليوبترا.

حسب الدكتور يوسف حوراني بما أفاض علينا "من تراث لبنان" انه اعاد الينا لبناننا في سيرة ذاتية عمرها عمر الخلود ترقى الى الاف السنين: أرض آلهة، وبلاد قداسة، جبلاً ذكي الرائحة، ملاذاً للمتعبدين، وملجأ لطالبي الحرية... بلد حضارة قامت على تدرج القيم وسيادة العقل، مع تتابع العصور وتطور الاجيال، بلد الحوار الدائم والتفاهم، البلد الرسالة بين مختلف الشعوب والثقافات من أجل سلام الانسانية وازدهارها.

 

Lebnaan Lebnaane - Lebanon is Lebanese - Le Liban est Libanais - لبنان لبناني
Back to the top
Thank you for visiting:
www.lebaneseforces.org, www.lebanese-forces.ca