In the name of the Father, the Son and the Holy Spirit, Amen.
   صليب
المقاومة
اللبنانيّة About Us
Christians
Lebanese Forces
Lebanon
Phoenicia
Federalism
Articles
Letters
Documentations

Contact Us
صليب
المقاومة
اللبنانيّة

المقاومة اللبنانية نحو لبنان جديد

Lebnaan, By Michael Naaime

لبنان

بقلم الاديب ميخائيل نعيمه

للبنان - ذلك الجبل الأبيض - ما أعجز لساني وقلمي، بل ما أعجز أي لسان وقلم ، عن وصف مفاتنه ! كلما تحسست سحره أو حدثت عن جماله ألفيتني أستعين بأفعل التفضيل وصيغة المبالغة. حتى بتّ أخشى أن يتهمني البعض بذلك النوع من " الهستريا " الذي يلازم في الغالب كلّ موبوء بوباء الوطنية الجامحة وعهدي بنفسي أنني طهّرتها من زمان من جراثيم ذلك الوباء الخبيث. فهي لا تكتفي بلبنان ولا بالأرض موطناً. ولا تقنع بأقل من الكون مسرحاً لعواطفها وتأملاتها وأحلامها.

لا... ما أحببت لبنان لأنه مسقط رأسي ورؤوس أجدادي وأجداد أجدادي. بل لأني , وقد طوّفت بعيداً في بلاد الله، ما عرفت بقعة توافرت في تكوينها وفي مركزها من الأرض مظاهر الحسن والروعة والجلال مثلها في لبنان. ناهيك بالفصول تتعاقب فيه بأقصى الدقة ومنتهى النظام والاعتدال. فلا الشتاء يجور على الربيع، ولا الربيع يطمع في الصيف، ولا الصيف يأخذ من حصة الخريف، ولا الخريف يعتدي على ما قسم للشتاء.

وإنها لمتعة لا تملّها العين، ولا ترتوي منها الأذن، ولا يشبع منها الخيال أن ترقب قوافل الفصول تدرج من شاطىء البحر في لبنان الى القمم، ومن القمم الى شاطىء البحر، وقد قطرت أوائل هذه بأواخر تلك، فراحت كلّ قافلة تنثر في طريقها ممّا احتوته أعدالها : فهذه تنثر أزهاراً وأنواراً، وأغاريد أطيار، وهدير شلالات، ووشوشات نسمات. وتلك بقولاً وحبوباً وثماراً، ونهارات محمومة بالعمل، مغسولة بالعرق، وليالي تتغامز كواكبها في غمرة من الأنس والسلام. وهاتيك تنثر بروقاً ورعوداً وعواصف وفلذات تصعد من البحر مع الريح فتنثرها الريح على الجبال واذا بها وشاح فائق البياض والسناء.

ولبنان، الى ذلك، وديع ولطيف وكريم. لا يتكبر ولا يتجبّر ولا يحبس محاسنه عن طالب. فما اشمخّر بقممه الى حدّ أن تعصى على الجناح والقدم. ولا انحدر بأغواره الى حدّ أن تحتجب عن العين والأذن. بل أباح أعاليه لكلّ من آنس من نفسه النشاط لتسلقّها والرغبة في الانتشاء بسحر الأعالي. مثلما أباح أغواره لكلّ من شاء أن يستحمّ في سكونها وسلامها. أماّ ظلاله الخلاّبة، وأنواره الدفّاقة، وأصواته الموّاجة، وألوانه المتبدلّة في كلّ طرفة عين فمبذولة في كلّ ساعة من النهار والليل لكلّ من يسمع ويبصر. ولكن ... ما أقلّ السامعين والمبصرين !

لو لم يكن لبنان فتنة من مفاتن الأرض لما تغنّى به الأنبياء والشعراء منذ أقدم الأزمان. فموسى الكليم اذ يضرع الى ربّه أن يريه أرض الميعاد لا ينسى لبنان : " دعني أجوز فأرى الأرض الصالحة التي في عبر الأردن وهذا الجبل الحسن - لبنان " واللّه المتكلّم بلسان النبيّ هوشع لا يجد ما يمثل به وعوده الطيبة لاسرائيل أفضل من لبنان اذ يقول :
"
وأكون لاسرائيل كالندى فيزهر كالسوسن ويمدّ عروقه كلبنان. وتنتشر فروعه ويكون بهاؤه كالزيتون رائحته كلبنان فيرجع الساكنون في ظلّه ويحيون بالحنطة ويزهرون كالكرم ويكون ذكره كخمر لبنان".

وداود الملك يشبه الصديق بأرز لبنان، وعندما يتنبّأ لشعبه عن الخير الذي سيغدقه عليه اللّه يقول ان " غلته في رؤوس الجبال تتموّج كلبنان".

وأما سليمان الحكيم فيدعو اليه حبيبته شولميت من لبنان : " هلمي معي من لبنان أيتها العروس " وشولميت تقول في حبيبها : " ساقاه عمودا رخام موضوعان على قاعدتين من ابريز. وطلعته كلبنان. هو مختار كالأرز.

لا يكاد يذكر لبنان الاّ ذكر معه الأرز، ولا عجب فلبنان قد تفرّد في القدم بهذا النوع من الشجر البديع في تكوينه، العجيب في صلابته التي تهزأ بالعناصر والسنين ولا تقوى عليها الا ّ الصواعق والفأس والمنشار. لذلك أصبحت الأرزة على ألسنة الشعراء رمز الخلود، ولذلك اتخذها لبنان شارة مجد وكرامة. ولا شك في أن أعالي لبنان كانت تكتسي من زمان بغابات كثيفة من الأرز فتزيد في روعته وجلاله. أما اليوم فلم تبق يد الأسلاف منها الاّ على بقية ضئيلة في جبل الأرز وجبل الباروك. ومن الأكيد أن عمر بعض الأشجار من تلك البقية يرقى الى ما قبل المسيح.

تمنيّت لو يعود الأرز الى سالف مجده في لبنان. ولكن في هذه الأمنية ما يذكرني بأن لبنان ليس جبالاً شامخة، وأودية سحيقة، ونسمات منعشات، وينابيع دفّاقة، وبحراً موّاجاً، وسماء زرقاء، وعطورا زكية لا أكثر. بل هو، الى ذلك، مليون وبعض المليون من نساء ورجال بين كهول وشباب، وشيوخ وأطفال، ورعية وحكام، وهو مزيج غريب من الأجناس والأديان. وقديما قيل : " السر في السكان لا في المكان. " فماذا عساني أقول في سكان لبنان ؟ 

من شاء أن يعرف اللبناني الصميم عليه أن يتغلغل في قراه الجميلة المنثورة على سفوح الجبال وفي منحنيات الأودية من علو الألفين من الأمتار حتى شاطىء البحر. أمّا مدن لبنان الساحلية فلا تمثّل لبنان الاّ كما يمثّل بحره الينابيع البلورية المنبجسة من صدور جباله. ففي تلك القرى تتجلّى لك الفطرة اللبنانية في أصدق معانيها ومجاليها.

لعّل أوّل ما يسترعي انتباهك وأنت تتجوّل في القرى اللبنانية أن عينك لا تقع، الاّ في النادر، على رجال ونساء وأطفال ركبتهم العاهات الجسدية والعقلية. فالقامة معتدلة، لا هي بالسمينة المتهدّلة ولا هي بالعجفاء المتيبسة. والوجه ان لم يكن بارع الجمال كان بعيداً عن البشاعة والدمامة. أمّا رقعته ففي الغالب حنطية سمراء. وأمّا عينه فعسلية أو سوداء يلتمع فيها النشاط والذكاء مع الطموح والاعتزاز بالنفس حتى الكبرياء. ويمشي اللبناني مشية الواثق من نفسه ومن حقّه في الأرض وفي الحياة. فلا وجل ولا ذلّ ولا انسحاق.

وتدخل البيت اللبناني القروي، سواء أقصراً كان أم كوخاً، فتعجب بما فيه من نظافة وترتيب، وتدرك في الحال أن المرأة اللبنانية سيدة في بيتها، وأن بيتها انما يبوح بما فطرت عليه صاحبته من حب التنظيم والتدبير واللباقة واكرام الغريب، والتعلّق بأسرتها، والقيام بواجباتها البيتية على أتم ما تسمح به ظروفها المادية والاجتماعية. وان أنت نزلت ضيفاً على أحد القرويين اللبنانيين لمست جمال الروابط العائلية ومتانتها. فالأسرة اللبنانية وحدة متماسكة، متضامنة، متكافلة، ما فصمت عراها حتى الهجرة الى العوالم الجديدة القصيّة، وقلّ أن تدخل بيتاً في قرية لبنانية الاّ تجد الأفراد الذين نزحوا عنه أكثر من المقيمين فيه.

ثمّ يذهلك وأنت تتجوّل في القرى الجبلية، أن لا تعثر فيها على متسوّلين لبنانيين، وأن لا تدخل قرية ليس فيها مدرسة أو شبه مدرسة، فاللبناني ميّال الى الدرس والتوسّع. وما أكثر الوالدين الذين يرهنون أملاكهم أو - كما يقولون - يبيعون ما فوقهم وما تحتهم، ليمكنوا بنيهم وبناتهم من تحصيل قسط، وان ضئيل، من العلم.

واذا اتفّق لك أن تمرّ بقروييّن يعملون في حقولهم وكرومهم وجنائنهم أدهشك ما في عضلاتهم من قوة وجلد، وما في قلوبهم من حبّ للأرض وكلّ ما تنبته الأرض. فقد تقع على جماعة منهم يلغمون الصخور بالبارود والديناميت لينقوا منها فسحة ضيقّة من التراب يصونونها بالحجارة ثمّ يغرسون فيها جفنات من الكرم أو الزيتون أو فسيلات من التفاح أو غيره من الأشجار المثمرة. انهم يغلبون الطبيعة وينتزعون لقمتهم من ضلوع الجلمود فيأكلونها مغموسة بالدم والعرق. ويستطيبونها لأنها شريفة طاهرة. وقد تقع على والد يحصد القمح ومن خلفه ابنه الشاب يجمع الحصيد وينقله على ظهره الى البيدر. وقد يكون الوالد خريج مدرسة ثانوية ويكون ابنه طالباً في جامعة وقد عاد الى القرية لتمضية العطلة الصيفية.

وما أكثر ما تمرّ بقرية من القرى المعلّقة في الجبال فيدلك أهلها على بيت حقير من بيوتها قائلين: من هذا البيت خرج فلان - وفلان قد يكون من مشاهير الشعراء أو الكتّاب أو الصحفييّن أو السياسييّن أو المهاجرين الذين صار لهم صيت عريض في دنيا المال والصناعة والتجارة.

ذكي هو اللبناني، ونشيط، ومقدام، وكريم. ولا حدّ لطموحه ما دام طليقاً يتصرّف بمواهبه حسب اراداته. ولكنه اذا غلت اراداته بارادة الجماعة مال الى الأنانية والى اللامبالاة والاتكالية، فهو اذ ينجح كفرد يخفق كمجموع. ولو أنّه كان له لمجموعه مثل النشاط والذكاء والطموح والعناد والتفاني التي له بفرديته لكانت حكومة لبنان مثالاً يحتذى، وشعب لبنان قدوة للشعوب، ولكان لبنان فردوساً في الأرض.

وبعد فالحرب العالمية الأولى وما أنزلته بلبنان من النكبات - ثمّ الانتداب - ثمّ الحرب العالمية الثانية وما حملته الى لبنان من بحبوحة وبطر - كلّ ذلك قد بدّل الكثير في طبائع اللبنانيين وعاداتهم وتقاليدهم. ولكنه ما بدّل شيئاً في طبيعة لبنان، ولا قضى على شيء من ذكاء اللبناني ونشاطه وطموحه.

 

Copied From www.chahadatouna.com
Lebnaan Lebnaane - Lebanon is Lebanese - Le Liban est Libanais - لبنان لبناني
Back to the top
Thank you for visiting:
www.lebaneseforces.org, www.lebanese-forces.ca