"كلمات مار شربل"

(من كتاب "شربليّات-7")

في 10 تشرين الثاني من العام 1994، بدأت الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، مع شقيقتها الرهبانيّة المريميّة، بالإحتفالات بيوبيل 300 سنة لتأسيس الرهبانيّة، وذلك بالإحتفالات الدينيّة والدنيويّة، بإقامة القداديس والصلوات، بإلقاء المحاضرات، وطباعة عشرات الكتب، بالدعوات الرسميّة والشعبيّة للإحتفالات والولائم... وفي الليلة  نفسها بدأ إختبار شاب متزوِّج، وهو يصلّي في العراء، قرب محبسة مار شربل، بجوّ مصقع، لحبّ الله وأبوّته وعنايته... الغاية التي من أجلها تتكوّن الرهبانيّات... إنّه السيّد ريمون ناضر، وهذه روايته: ..."كنتُ أُصلّي، حسب عادتي من سنين طويلة، وهذه المرّة أمام محبسة مار شربل في عنّايا... أصبحت في عالم آخر... توقّف كلّ شيء: لم أعد أرَ الشمعات (التي كنتُ أضأتُها) ولا الأشجار ولا الأرض... لم أعد أسمع أيّ صوت على الإطلاق... لم أعد أشعر بجسدي... أصبحت أرى بغير عينيّ ما لم أرَه أبدا في حياتي.  ولم أعد أسمع بأذنيّ، ولكنّي أصبحت أسمع بغير أذنيّ ما لم أسمعه أبدا. وأصبحت أشعر بقلبي، ما لم أشعر به أبدا، وكأنّ قلبي لم يعد من لحم ودم... رأيت نورا غريبا عجيبا، لا يشبه أي نور أعرفه على الإطلاق، بحر من النور، يمتدّ من أقصى الكون إلى أقصاه... تبدو الشمس أمامه كأنّها شمعة صغيرة... ولكنّه ليس نورا طبيعيّا: فرغم كلّ قوّته، فهو لا يبهر ولا يحرق، نور ناعم سلس، رقيق وقويّ وجبّار في نفس الوقت... إنّه نور بلون الكريستال، نور صافٍ، نقيّ جدّا... شعرت أنّني نقطة صغيرة جدّا، أسبح في بحر عظيم جدّا من النور الكريستالي الرائع... شعرت بأمان كبير مثل الجنين الذي يسبح مطمئنّا في مياه أحشاء أمّه... شعرت بفرح لا يوصف واندهاش عظيم...

"شعرت أنّي أقف أو أجلس أو أسبح أو أيّ شيء آخر لا أدري ما هو. أمام كائن عظيم أو في قلب أحد ما جبّار جدّا، رائع جدّا، هو الكمال في القوّة، وهو الكمال في المعرفة، وهو الكمال في الحنان والمحبّة...

"أحسست أنّي على اتصال بأحد ما بطريقة غريبة، وكأنّي على اتصال مع كلّ كائنات الكون دفعة واحدة، وفي نفس الوقت، وكأنّ كلّ الكون أصبح قطعة واحدة وأنا نقطة منه، ومن هذه القطعة، كأنّ الكون انصهر في هذا النور وقد انصهرت أنا أيضا معه... دخلت بمخاطبة غريبة مع ذلك النور، بطريقة عجيبة، فكان يكلّمني دون كلام، دون أيّ صوت، بدون أيّ لغة، ولكن بطريقة أوضح من أي كلام، وبطريقة أفصح من أيّ لغة. وكان هذا النور يخاطب روحي مباشرة، ويتوجَّه إلى عقلي وقلبي مباشرة دون المرور بأذنيّ، أو عينيّ أو أيّ من حواسي، التي لم أعد أصلا أشعر بها...

"قلت في نفسي: إنّي أحلم... فأجابني بطريقته وبلغته الخالية من الكلام والأصوات واللغات، وأفهمني بشكل واضح جدّا لا يقبل التأويل أو سوء الفهم وسوء التفسير، أفهمني بأنّي لا أحلم... وكأنّه يقول لي: لا أنت لا تحلم... فعدت وقلت: أكيد أنا لست واعيا... وبنفس الطريقة الواضحة والرائعة، أفهمني أنّي الآن في قمّة الوعي، وأنّي لم أدرك أبدا في حياتي مستوى من الوعي لوجودي وكياني، كما أدرك الآن. وكأنّه يقول لي: أنت الآن واعٍ أكثر من أيّ وقت مضى من حياتك. أنت في أوعى لحظة في حياتك...

"فرحت أتساءل في نفسي: أين أنا؟ ما هذا النور؟ من هذا الذي يخاطبني؟ فشعرت حينئذ بأروع شعور يمكن أن يشعر به إنسان: سلام عظيم جدّا، فرح لا يوصف، سعادة كبيرة جدّا، لا تحدّ... صفاء تام ورائع... محبّة صافية جبّارة، تفوق بملايين المرّات كلّ المحبّة الموجودة في قلوب كلّ البشر أجمعين... محبّة هائلة عظيمة ولكن لا تشبه محبّة البشر، فهي شيء مختلف... محبّة إلهيّة عظيمة، وحده هذا النور يستطيع أن يهبها... عندما امتلكني هذا الشعور الرائع، وذبت فيه تماما "سمعته" يقول لي: هذا أنا. وكأنّي أعرفه منذ زمن بعيد، منذ ولادتي أو ربّما قبل ولادتي حتّى...

"وأحسست أنّه يعرفني تماما، منذ أن تكوّنت في أحشاء أمّي، وحتّى قبل أن أتكوّن... وكأنّه يعرف ذرّات جسمي، ذرّة ذرّة. ويعرف ما يوجد في خلايا عقلي، خليّة خليّة. ويعرف أفكار روحي ومشاعري أكثر منّي... أحسست أنّي عارٍ تماما أمامه، أحسَسْتُ أنّ النور يخترقني من ميل إلى آخر... فهذا النور لا يترك ظلالا، فهو يخترق كلّ شيء... أحسَسْتُ أنّه دخل إلى كلّ زوايا قلبي...

"قلت في نفسي وفكّرت أنّي أريد أن يبقى هذا النور دائما هنا وأن أبقى دائما فيه، وإذا أراد أن يذهب فليأخذني معه. ولكنّه أجابني بطريقته، وكأنّه يقول لي: أنا دائما هنا، وفي كلّ مكان، ولا أذهب إلى أيّ مكان... أنا دائما في الزمان وخارجه، وفي المكان وخارجه..."[1] وقد تكرّر هذا الإختبار 22مرّة، إلى الآن، وفي كلّ مرّة يتلقّى السيّد ريمون ناضر رسالة، وها نحن الآن ننشر القسم الأكبر منها، ويبقى إلى  الآن، حسب ريمون، 6 رسائل غير منشورة. وهذا نصّ الرسائل:

1- المسيح هو حقيقة المحبّة المتجسّدة

"قبل البدء كانت المحبّة، بالمحبّة كان كلّ شيء، ولولا المحبّة لما كان شيء ممّا كان  منذ الأزل أو ممّا هو الآن أو ممّا سيكون إلى الأبد. في أساس البدء كانت المحبّة، قاعدة الكون وقانونه ونظامه هي المحبّة، وفي نهاية كلّ شيء لن يبقى إلاّ المحبّة، وكلّ ما هو خارج المحبّة زائل.

"الله محبّة. الله حقيقة. الله هو المحبّة الحقيقيّة. عالم الله هو عالم المحبّة، هو عالم الحقيقة ولا حقيقة خارج المحبّة. لا يحقّق الإنسان ذاته إلاّ بالمحبّة، ولا يدرك الإنسان الحقيقة إلاّ في عالم الله. الإنسان ينتمي إلى الله، هو إبن المحبّة، ابن الله وموطنه الحقيقيّ: عالم الله.

"إلى عالم الله طريق، والطريق هو المسيح. المسيح هو حقيقة المحبّة المتجسّدة، هو الإعلان عن حقيقة الحياة، هو الطريق إلى عالم الله. كلّ إنسان خلال رحلته عابرا هذا العالم إلى العالم الآخر، مدعوّا لسلوك هذا الطريق. ومثل كلّ رحلة في هذا العالم، على الإنسان، في رحلته إلى العالم الآخر، أن يتزوّد بزوّادة، ويتسلّح بسلاح: الزاد الوحيد لهذه الرحلة هو المحبّة. والسلاح الوحيد هو المحبّة. هذه المحبّة لا تكون إلاّ شاملة لكلّ البشر، بدون مقابل، بلا حدود وبلا شروط. هكذا يحبّكم الله، فأحبّوا بعضكم بذات المحبّة، بمحبّة الله.

"لا يستطيع الإنسان أن يعطي هذه المحبّة من ذاته، بل أن يستمدّها من الله، بيسوع المسيح، ليمتلئ منها روحا. وذلك يكون بالصلاة. بالصلاة وحدها تستمدّ المحبّة من ألله الآب، نبع المحبّة، بواسطة ألله الإبن يسوع المسيح المحبّة المتجسّدة، وهذه المحبّة هي روح الله في الإنسان. صلّوا لتستمدّوا هذه المحبّة، لتحبّوا كلّ البشر دون مقابل، بلا حدود، بلا شروط، كما يحبّ الله، فتكونوا أبناء لله. من قلب الله خرج الإنسان وإلى قلب الله يعود" (كلمات مار شربل)

 

2- وتحقّقوا الهدف الذي خلقكم الله من أجله

"ليش البشر نازلين نزول ودرب الربّ طلوع؟!

"الناس حاملين أحمال وأعباء كثيرة عم تحنيلهم ظهورهم، صار جبينهم عم يلامس الأرض، وما عادوا قادرين يجلّسوا ويوقفوا ويرفعوا راسهم تا يشوفوا وجه ربّهم. عم يجرّبوا يتحرّروا ويحرّروا بعضهم منها، بيرموها على بعضهم وبيحملّوها لبعضهم بتصير أحمالهم أثقل.

"وحدو يسوع المسيح قادر يحرّر كلّ البشر من كلّ أحمالهم وأعبائهم وأثقالهم، لأن العبد ما بيقدر يحرّر عبد. الإنسان بيخلق مربّط بحبال وجنازير ومكبّل بقيود بيربى عليها، بينمى عليها، بيكبر فيها، وكتار كتير يلّي عم يموتوا فيها.

"الناس عم يتعوّدوا على قيودهم، عم بتخاويهم، عم بتصير جزء منهم، وعم بيصير تخليصهم منها صعب. لمعان قيودهم عم يبهر عيونهم وما عادوا قادرين يشوفوا وجه الربّ، وضجيج حرتقة جنازيرهم عم بيصمّ آذانهم وما عادوا قادرين يسمعوا صوت الربّ. بيتباهو بلمعان قيودهم اللي عم تكبّلهم، وبينطربوا لرنين الجنازير اللي عم تربطهم، القيود قد ما تلمع بتبقى قيود، والجنْزير يللي بيربطك بيضلّ جنْزير عبوديّة ولو كان ذهب. بدل ما تلمّع قيودك حطّمها، وبدل ما تلحّن رنين جنازيرك فكّها وتحرّر منها كلّها.

"الربّ بيتألم لرؤية الناس يلّي تجسّد من أجلهم حتّى يحرّرهم ومات وقام حتّى يعطيهم الحياة والسعادة الأبديّة، عبيد مكبّلين وعم يفتشوا على سعادتهم بمطارح ما رح يلاقوها فيها:

-سعادتكم بهالعالم مش من هالعالم، لو كنتو من هالعالم كنتو بتبقوا فيه.

-وسعادتكم مش بالحجر، الحجر ما بيعطي السعادة: ليش الإنسان بيسعى ورا الذهب؟ تا يعطي قيمة لحالو؟ الإنسان أغلى بكتير من الذهب، الإنسان إبن الله وقيمتو منّو وفيه، والذهب ما بيحرّر الإنسان من قيودو، بس بيخلّيها تلمع أكثر.

-سعادتكم كمان مش من البشر، البشر ما بيقدروا يعطوا السعادة لأنّهم ما يملكوها، وما حدا بيقدر يعطي شي ما بيملكو.

"يسوع المسيح وحدو قادر يعطيكم السعادة الحقيقيّة. لكن الناس صايرين متكبّرين، الناس صاروا عايشين بين الزفت والباطون، صارت عقولهم زفت وقلوبهم باطون: عقولهم ما بتعطي غير أفكار معتّمي وسودا وقلوبهم محجّرة وقاسية وخالية من المحبّة. الناس صايرين مادّة عم تتحرّك بدون روح، والبعض صخور متحرّكة عم تفوح منها ريحة الخطيّة. الناس صايرين متكبّرين، ومصرّين يلاقوا السعادة بالخطيّة. والخطيّة ما بتعطيهم إلاّ القلق والحزن والتعاسة والفراغ. الناس صايرين متكبّرين، بيتكبّروا على حالهم، بيتكبّروا على بعضهم، وبيتكبّروا على الربّ. مش عارفين إنّو الربّ قادر يردّهم للغبرة بسرعة البرق؟

لكن محبّة ربّنا عظيمة. ربّنا بيحبّ البشر محبّة عظيمة لأنّهم أبناؤه وهو جعل منهم نور للعالم.

"كلّ إنسان شعلة نور، ربّنا خلقو تا ينوّر العالم. كلّ إنسان قنديل ربّنا صنعو حتّى يضوي ويعطي نور. ويلّي بيقني قنديل، بيقنيه تا يضوي فيه الظلام. القنديل انعمل حتّى ينوّر العتمات. لكن هالقناديل عم يهتمّوا بهيكلهم الخارجي: عم يلوّنوا قزازاتهم ويطلوها ويزيّنوها ويزخرفوها. هالقزازات يلّي ربّنا صنعها رقيقة وشفافة لوقاية النور، صارت سميكة وقاسية وعم تحجب النور، وصار العالم غرقان بالظلام. هالقناديل اللي ربّنا صنعها تا تحمل النور، وتنوّر العالم، صارت تحف مزيّنة وملوّنة ومزخرفة، لكن ما بتعطي نور. شو نفع القنديل يللي ما بيضوي بالعتم؟ القنديل بالعتم ما بينشاف إلاّ إذا ضوّى. وقد ما يكون حلو القنديل نوره أحلى منّو. العالم عم يغرق بالظلام وإنتو نور العالم. لازم ترجع قزازاتكم شفّافة ورقيقة وترجعو تا تنوّروا العالم وتحقّقوا الهدف يللي الله خلقكم من أجله.

"كلّ مخلوق ربّنا صنعه حتّى يحقّق هدف من وجوده: تأمّلو مخلوقات هالأرض، كلّ مخلوق عم يعمل شغلتو بكلّ دقّة وبكلّ أمانة وما في مخلوق تعيس. أتعس مخلوق على وجه الأرض أسعد من الإنسان الخاطي. الإنسان الخاطي بساعة الحساب، ما رح يعود يعتل هم الحساب العسير بقدر ما رح يخجل قدّام عظمة محبّة الله، هالمحبّة يللي خلقت الكون وأعطت الحياة.

"المحبّة هيّ الكنْز الوحيد يللي بتكنْزوه بهالعالم وبيبقى وبينتقل معكم للعالم الآخر.

"كلّ كنوزكم وأموالكم وأمجادكم وإنجازاتكم يللي بتفكروا حالكم ملكتوها بهالعالم وبتعتقدوا إنها إلكم بتبقى بهالعالم، حتّى عظامكم مش  لإلكم. وحدها المحبّة بتنتقل معكم للعالم الآخر، ويللي بيوصل قدّام الربّ خالي من المحبّة بيموت خجل، وساعتها بتكون لحظة موتو الحقيقي مش الساعة اللي ترك فيها هالعالم.

"الإنسان إذا ما تحوّل لمحبّة بيموت، لأنّوا الله محبّة والمحبّة وحدها أبديّة. خلّوا المحبّة تملك على قلوبكم، والتواضع يؤمر على عقولكم. صلّوا وتوبوا. صلّوا ليسوع المسيح بيسمعكم، وفتحولوا قلوبكم بيدخل عليها وبيحلّ فيها السلام. لكن صلّوا من قلوبكم. ما تتمتموا كلمات تطلع من شفافكم، وقلوبكم عند ربّ آخر. ربّنا بيعرف شو في بقلوبكم وهو بدّو قلوبكم.

"ما تتعبوا تفتشوا على الحقيقة خارج المسيح. ما في حقيقة خارج المسيح. المسيح هوّي الحقيقة وبس تعرفوا المسيح بتعرفوا الحقيقة وبتصيروا أحرار، والمسيح بدّو ياكم أحرار. ما تخافوا تقوّوا  وتأكّدوا ووثقوا منيح إنّو المسيح غلب العالم" (كلمات مار شربل)

3- شغلك بهالدني

"المسيح هو الطريق، إثبتوا بالمسيح واثبتوا عا الطريق، ما تخلّوا شي يزيحكن عنّو.

"وقاف مع كلّ خيّ إلك شربة ميّ، دلّو عا الطريق، دلّو عا النور: إذا راد يمشي حدك مشّيه قدّامك، وإذا طلب تمسكو بإيدو امسكو بالتنين، إذا حاول يزيحك عن الطريق، أو يردّك للخلف، افلتو لأنّو الطريق طويل والشغل كتير: بدكن تزرعوا الأرض صلا وبخّور. ازرعوا الأرض محبّة. ازرعوا بالصخر لأنّو بكلّ صخرة فيها حبّة تراب بيطلع فيها الزرع. والصخر يللي لازم تطحنوه، اطحنوه. اضربوا الصخر وما تملّوا، إذا ما انكسر من أوّل ضربي والثانية بينكسر بعد ميّة ضربي. ما تملّوا وما تقصّروا لأن إذا قصّرتوا، غيركن رح يطحن الصخر ويفلح ويزرع. الزرع بيتمّ بالموسم، والحصاد بيتمّ بالموسم.

"ضروب الصخر وما تخاف لأن الزند زندك بس لا الأرض أرضك ولا المهدي مهدتك. ما تنقّوا، ولا تتذمّروا، ولا تتململوا، ولا تتأفّفوا: سنابل القمح يللي عن تندرس تا يتنقى منها التبن ما بتتذمر من تقل المورج، ومن قساوة البيدر لأنّها عم تتحضَّر تا تصير خبز وغذا. وحبّات العنب ما بتتململ هي وعم تنكبس وتنعصر وتنسحق على صخور المعصرة لأنّها رح تصير خمر وفرح. بدون الصليب ما في لا خبز ولا خمر. يللي بدو يصير خبز وخمر بدو يحمل الصليب. احملوا الصليب وروحوا صوب النور.

"الإنسان بهالعالم عم ينتقل من شطّ الظلمة والعدم، لشطّ النور الأبدي، وبيعبر بحار هالعالم بسفينة، وسفن هالعالم كثيرة:

1- في سفن حلوة كثير، وفخمة كثير، وكمان مريحة كثير، لأنّو أشرعتها بتميل مع الريح، ودفّتها بتلوي مع الموج. ما بتواجه الرياح ولا الأمواج. ما عندها إتجاه ولا هدف توصلو. هالسفن بيتهافتو عليها أكثريّة الناس، لأن الناس مش شايفين بهالعالم إلاّ الرحلة، وبدهم رحلتهم تكون حلوة وسفرهم مريح. بس ما في رحلة بهالبحر بتدوم للأبد، بتنتهي الرحلة، وبينتهوا ركاب هالسفن بكعب البحر حدّ الشطّ يلّي انطلقوا منّو.

2- في سفن ثانية أشرعتها رقيقة وخشبها ركيك، بتتحطّم بس تصير بعرض البحر، ويعلا الموج، وتقوى العواصف، وبينتهوا ركّاب هالسفن، شي مطرح بكعب البحر العميق.

3- في سفن ثالثة خشبها قوي، وأشرعتها متينة، وشكلها حلو وبيغري، لكن قبطانها مخادع، بياخد الركاب من شطّ موت لشطّ موت آخر. وبينتهوا ركاب هالسفن على شي شطّ من شطوط الموت والرجعة مستحيلة.

4- وفي سفينة الربّ، خشبها قوي وأشرعتها متينة وقبطانها مليء حكمة وشجاعة ومحبّة، هالسفينة بتعبر البحار العميقة وبتواجه العواصف والرياح القوية. وبتشق الأمواج العالية بعرض البحر: السفر فيها مش مريح ولكن وصولها أكيد.

"اثبتوا على سفينة الرب، لا تخافوا من العواصف ومن الموج العالي. ولا تخلّوا السفن الفخمة والمريحة تغريكم تا تطلعوا فيها لأنّها ما بتوصل. اهتمّوا بالوصول أكثر من إهتمامكم بالرحلة. ولا تخلّوا أعماق البحر تسحركن وتجذبكن إلها تا تغطسوا فيها. بحر هالعالم تا تعبرو عليه مش تا تغطسو فيه. وما فيكن تكونو بقلب السفينة وبالمي بعمق البحر بنفس الوقت، ولا فيكن تكونو بسفينتين بنفس الوقت.

"اثبتوا على سفينة الرب وثبتوا إخوتكن معكن: عند كل مينا بتوصلو عليها ادعو الناس يشاركوكن السفر تا تشاركو معهن بالوصول، احكولن عن سفينتكن وقبطانكن واحكولهن عن شطّ النور، لكن تأكّدوا إنّو مش كلامكم يلّي رح يخلّي الناس يطلعو على سفينة الربّ، لكن محبّتكن لبعضكم البعض، ومحبّتكن للقبطان، وثقتكن وإيمانكن فيه، والفرح يلّي بوجوهكن.

"وتأكّدوا إنّو الرحلة بهالسفينة ما بتنتهي إلاّ عند شطّ النور تا تكفّي مع النور، لأن الإنسان مخلوق كوني حدودو النور مش مخلوق أرضي حدودو التراب والمي. الإنسان تراب ونور: يللي بيعيش بالتراب بيرجع للتراب، وبيموت بالتراب، ويلّي بيعيش بالنور بيرجع للنور وبيحيا بالنور. ما تخلّوا التراب يحدكن، حدود وطنكن بهالعالم آخر البحر وأوّل السما. ما تخلّوا التراب يستعبدكن، كونوا أحرار، والحرية ما بتكون إلا بالحرية من الخطية: إذا كنت حرّ من الخطيّة إنت حرّ وما حدا بيقدر يستعبدك، وإذا كنت عبد الخطيّة، إنت عبد ولو حامل بإيدك صولجان الملك.

"حافظوا على نعمة المحبة وميزة التواضع. كونوا شهود حقيقيّين ليسوع المسيح. واجهوا الشرّ بالمحبّة، بس ما تتحجّجوا بالمحبّة تا تهربوا من مواجهة الشرّ، الفلاح ما بيتحجّج بالدبش تا يوقّف الفلاحة. وما تخافوا الشرّ رح يدمّر ذاتو.

"التزموا إلتزام كامل بالكنيسة وبكلّ تعاليمها، وثابروا على الصلا بدون ملل. كرّموا أمّنا مريم العدرا، وتسلّحوا بالمسبحة، لأنّو إسم مريم العدرا بيبدّد الظلمة وبيسحق الشرّ. كونوا رهبان بقلب هالعالم، ولو بدون ثوب. إزرعوا الأرض صلا وبخور. كونوا قدّيسين وقدّسوا الأرض. درب القداسة طويل، لكن تأكّدوا إنّو لمّا بتكون أفكار الله بعقولكن، ومحبّة الله بقلوبكن، بتكون قوّة الله بزنودكن وبتوصلوا. وتأكّدوا إنّو كلّ ما تكونوا عم تصلّوا، بكون عن صلّي معكن، تا تتقدّسوا ويتمجّد إسم الربّ" (كلمات مار شربل)

 

4- ضعفك حتّى تتغلّب عليه

"كلّ قفل لو مفتاح. وكلّ باب لو غال ما بيفتحوا غير مفتاحو. الموت سكّر باب السما والخطيّة قفلتّو. الصليب هو المفتاح اللي بيحلّ قفل الخطيّة، بيحلّ غال الموت وبيفتح باب السما. الصليب هو مفتاح باب السما، ما في مفتاح غيرو.

"باب السما مطرح ما بيلتقو السما والأرض على راس الجلجلة. الباب واضح وملموس ومقشوع وكلّ إنسان بيقشع قادر يشوفو. البعض بيفكر إنّو ما لو قفل، وبيفتح مين ما دفشو. بس تقرّب من الباب بتعرف إنّو لو قفل وما بيفتح إلاّ بمفتاحو.

"المفتاح الحقيقي ما بينعرف إلاّ ما تحطّو بقلب الغال. المفتاح الحقيقي واحد: صليب المسيح. ما تتعبوا تفتّشوا على مفاتيح تفتح باب السما غير هالصليب، ولا تتعذّبوا تصنعوا مفتاح غيرو. كتار البشر يلّي عم يفنوا عمرن يصمّموا مفاتيحن الخاصة، ويصبّوا ويدقّوا مفاتيح بتجسّد تصاميمهم، بيعتقدوا إنّها رح تفتحلهم الباب. وكتار البشر يلّي بيسخروا من صليب المسيح. قدّام الباب بتبيّن الحقيقة وكلّ المفاتيح بتسقط.

"كلّ مسيرة حياتكن مشوار صوب هالباب، بنهاية المشوار أو معكن المفتاح وبتفتحوا، أو بتوقفوا حاملين مفاتيح فنيتوا عمركن عليها وخزلتكم وخيّبتلكم كلّ آمالكم. احملوا صليب المسيح بتحملوا مفتاح باب السما.

"احملوا صليب المسيح بفرح وعزم وشجاعة، ما تبالوا بالساخرين، وما تتوقّفوا وتبكوا قدّام النايحين، ولا تنوحوا كلّ ما توقعوا مع النايحين. البكي والنواح ما بيصنعوا تاريخ الخلاص، ولا قرع الصدور والندب بيفتحوا باب السما. تاريخ الخلاص بتصنعوا دموع التوبة الصادقة. دمعة توبة واحدة بتفتح باب السما. دمعة التوبة ما بتنْزِل إلاّ على خدّ المؤمن الشجاع.

"احمول صليب المسيح وامشي على دعساتو بتكون العذرا حدّك متل ما كانت حدّو. وكلّ ما انجرحت قول: مع جروحات المسيح. وكلّ ما تألّمت قول: مع آلامك يا يسوع. وكلّ ما اضطهدت وتبهدلت وانهنت قول: كرمال مجدك يا رب.

"ضعفك حتّى تتغلّب عليه مش حتّى تتحجّج فيه. بس تحمل صليب المسيح، لا الألم بيلويك ولا التعب بيهدّك، وبتمشي بثبات وصبر وبصمت. عند وصولك للباب فرح عبورك رح يفوق بكتير ألمك وتعب سيرك، وسعادة وصولك رح تفوق بكثير عذاب مسيرتك.

"درب جلجلتكن طويل بهالنقطة من العالم، وصليب المسيح بهالشرق على اكتافكن، أعداؤكن كتار لأنّهم أعداء الصليب. ما تجعلوا منهم أعداء لإلكم. احكوهم دايما بلغّة الصليب ولو كانوا أعداؤكم بسببو. الشهور والسنين اللي جايي رح تكون صعبة كتير، وقاسية ومرّة وثقيلة ثقل الصليب. احملوها بصلاة عميقة من الإيمان، وبصبر من الرجا، وبمحبّة من الصليب. العنف رح يملّي الأرض، الكوكب رح يتجرّح بسكاكين الجهل والحقد، الشعوب المحيطة فيكن كلّها رح تترنّح تحت الألم، الخوف رح يكون على كلّ الأرض متل الرياح، والحزن بقلوب كلّ البشر. ناس جاهلين وحاقدين رح يتحكّموا بمصير شعوبهم وياخدوهم على البؤس والموت عن طريق الحقد الأعمى اللي رح يسمّوه عدالة، وعن طريق الجهل المظلم اللي رح يسموه إيمان. الحقد والجهل رح يعمّوا أرجاء المعمورة. إثبتوا إنتوا بالإيمان والمحبّة.

"رح يتغيّر وجّ الأرض، حافظوا إنتو على وجّ المسيح. حدود وجماعات وأنظمة بشريّة رح تنمحى وتنكتب عن جديد، وشعوب رح تترنّح تحت النار والحديد. خلّو محبّتكم بلا حدود وجماعتكم الكنيسة ونظامكم الإنجيل، وكونوا إنتو المرساة اللي بتهدي السفن الشاردة بالبحار الهايجة، وقلوبكم موانئ سلام لكل تايه ومشرّد ومستجير. بصلواتكم بتسمطروا الرحمة وبترشّوا محبّة عالأرض. صلّوا تا تلين القلوب المحجرة وتتفتح العقول المعتمة وتخفّ الويلات والأهوال. ما تخافوا بالنهاية رح يشرق نور المسيح، وتشع علامة الصليب وتتألّق الكنيسة. اثبوا بإيمانكم بالمسيح وما تخافوا، وثقوا بإله القيامة والحياة، مجدو دايما آتي" (كلمات مار شربل)

5- محور الكون

"الكون كلّو عم يدور حول سر الصليب. كلّ إنسان بيفكّر إنّو الكون عم يدور حولو هو، وهو محور الكون. الصليب هو محور الكون، واللي بدّو يكون عا محور الكون، بدّو يكون مع المصلوب على الصليب. اللي ما بيعيش سرّ الصليب ما بيقدر يدرك سرّ الكون:

"كلّ إنسان إلو شكل وكيان بالزمان والمكان، مثل قطعة الجليد، والبشر تا يحافظو على كيانن بيخافوا يقربوا من النار حتّى ما يدوبوا: شو بينفع الجليد إذا حافظ على شكلو وكيانو؟ إذا ما داب وصار مي؟ ما بيتغلغل بالأرض ولا بيروي شجر ولا بشر. ما تخافوا تقرّبوا من النار اللي بتدوّبكم لأنّو بتحوّلكم لماء حي ترووا الأرض. خلّوا محبّتكم تكون مثل السايل تغلغل وين ما كان، ما تخلّوها جامدة وتعطوها شكل وتهندسوها، ما بتمرق لمطرح.

"الملح اللي ما بيدوب ما بيملح. الملح الفاسد بيعوكر المي اللي لازم يملّحها وبيفسد الأكل. والملح الجيّد اللي بيدوب بيختفي بالمي وما بيظهر بالطعام لا شكل ولا لون ولا كيان لكن بيعطي الطعم. وإنتو ملح الأرض. إذا بتجعل حياتك ملكك وحدك بتكون رخيصة كثير، كلّ ما تعطي حياتك بتكبر قيمتها وبتبلغ كمال قيمتها لمّا بتصير ملك الكلّ. رغيف الخبز هو هو على طاولة الغني أو على طاولة الفقير. الرغيف الطيّب لمّا بيطلع من الفرن ما بيسأل مين رح ياكلو، الرغيف تا يتّاكل، الإنسان الصالح رغيف صالح. تاريخ البشر فارغ لولا الصليب، لأنّو تاريخ عابر والصليب ثابت. وتاريخك إنت بيكون فارغ بدون الصليب لأنّك عابر والمصلوب وحدو بيحييك وبيثبتك بحياة الأبد. الصليب هو اللي بيقدّسك بالزمن.

"بداية الخلق وهلق ونهاية الكون عم يصيروا كلّن، بالنسبة لألله، باللحظة الحاضرة. قدّس لحظة عمرك الحاضرة هلّق بالمحبّة بتكون عم تدرك سرّ الخلود بحضرة الله. الإنسان خالد بالمحبّة مع الله. قدّس الزمن، قدّس عمرك، قدّس كلّ لحظة من حياتك، ما تلتهي بدقّات الساعة: ما فيك توقّف دقّات الساعة، لكن فيك تكون جاهز لمّا الساعة تدقّ. يللي بيشيل الله من عمرو، من فكرو وقلبو بيسحقو الزمن وبيغرق بالموت، ومش يعني الله ما عاد موجود، يعني هو ما عاد موجود. مثل ما النور بيظهر الموجود للعيون، المسيح بيظهر الوجود للعقل وللقلب.

"بدون النور عين الإنسان عمياء عن الموجود، وبدون المسيح الإنسان أعمى عن الوجود. الله خلق المادّة وحطّ النظام، خلق العقل وحطّ الروح وأعطى الحياة، مثل ما بالمنطق والتحليل، العقل بيدرك النظام وبيعقل المادّة، بالإيمان والصلا والعبادة الحقّ، الروح بتدرك محبّة الله وسرّ الكون وبتعطي الحياة.

"في زهور بتنقطف بالربيع تا تزيّن، وفي زهور بتشيخ وبتبقى للخريف تا تبدّر، وفي زهور بتنثر أوراقها الريح تا توصّل أريجها لبعيد وتعبّق بريحتها الأرض. بكلّ حركة ألله إلو حكمة، صلّوا تا تفهموا حكمة الله وتعيشوا إرادتو، مش تا تغيّروا مشيئته. مشيئة بيّكم دايما خيركم.

"خلّيك حامل ريحة السنديان والزعتر، ما تتلوّن بألوان هالعالم وتعبق بروايحو. لمسات أصابع الله عليك أهمّ من كلّ اللي رح يلبّسك ياه العالم ويزيّنك فيه. امشي بثبات على درب القداسة، خلّي المسيح يعيش فيك، بتعيش بقلب سرّ الكون، بنبع النور" (كلمات مار شربل)

 

6- رحلتك بهالعالم هي مشوار قداستك

"كلّ البشر انعطوا دينين تا يسمعوا، ويللي عم يسمعوا قلال. ومن هالبشر يللي عم يسمعوا يللي عم يفهموا قلال، وقلال كثير من يللي عم يسمعوا ويفهموا عم يعيشوا يللي سمعوه ويحيوا يللي فهموه. السالكين صوب الملكوت قلال والباب ضيّق.

"إصغوا، افهموا واشهدوا. إصغوا لصوت الربّ، افهموا الحقيقة، واشهدوا للحقيقة يللي أدركتوها وعيشوا فيها. اصمت تا تسمع وإصغِ لصوت الربّ. لكن انتبه ما تسمع تردّد صدى أفكارك وتصغي لحالك: تخطّى أفكارك، خلّي كلمة الله تنقّيها، تمحي يللي تمحيه وتكتب اللي لازم تكتبو من جديد.

"الإنسان هو جزء من الكلّ، الجزء لازم يصغي للكلّ. مثل نقطة المي للنهر: نقطة المي ما فيها تكون نهر، ولو كانت بتحوي من كلّ شي من النهر، لكن النهر كلّو نقط مي بمسيرة واحدة. نقطة المي بالنهر هي نهر، لكن نقطة المي اللي خارج النهر هي نقطة مي. إصغِ لمسيرة الكون إنت جزء منها. الكون كلّو بمسيرة حج صوب قلب الآب، متل مسيرة الأنهار صوب البحر. ما تقبل تكون خارج هالمسيرة. نقطة المي اللي خارج النهر ما فيها أبدا تصب بالبحر.

"إصغِ، وإفهم الحقيقة وخلّيها تنفذ لروحك، كسّر كلّ طبقات القشور وفتّت التراكمات يللي لفّك فيها العالم، وكسيتك وحجبت وج الله عنّك. تنازل وتخلّى عن الأفكار يللي حجبت صوت الله عنّك حتّى ولو البعض منها كوّنك وصنعك. إصغِ بتواضع وخلّي قلبك ليّن وعقلك حرّ. الإصغاء بدون تواضع وإنسحاق مثل الصدى الضايع بالوديان: مهما يكون الصدى قوي بيضلّ الجبل جبل والوادي وادي والحجر حجر. إصغِ بتواضع، افهم الحقيقة بعمق، واشهد بشجاعة.

"إصغِ تا تفهم وتعرف، وعيش بحسب الحقيقة اللي عرفتا: ما بيكفي تعرف الطريق تا توصل لازم تمشي عليها. الله بيضوّيلك على الصفحات بس لازم إنت تقرأ، الله بينوّرلك دربك بس لازم إنت تمشي. ويللي بيطلع، بيطلع عاجريه، ويللي بينْزل، بينْزل عاجريه. ومطرح ما بتوصل، إجريك بيكونوا أخدوك.

"كون دايما بحالة إصغاء وفحص ضمير دايم، عيد حساباتك كلّ يوم، وغيّر حياتك وجدّدها. إصغِ بتواضع بتسمع وبتفهم الحقيقة والحقيقة بتحرّرك. تحرّر من الحبال اللي مربطّتك: أفكاركن الخاصة ومعتقداتكم الذاتيّة وأهوائكم بتربطكم مثل الحبال اللي بتربط المركب على الشطّ. المركب على الشطّ بالمينا حبالو بتهدّيه وبتعطيه الأمان لكن ما بتسمحلو يبحر. خلّوا كلمة الله تفكفكلكن حبالكن وتقطّش يللي لازم تقطشو حبل ورا حبل حتّى ولو تألّمتوا. ما تسكنوا بقلب أهواؤكم وأفكاركم حتّى ولو عطتكم الراحة والأمان. الأمان وهم بدون سلام المسيح، والراحة خدعة إذا ما كانت بقلب الله. ما تخافوا تتحرّروا من الشطّ وتطلعوا من المينا. خلّوا الله يحرّركم، وكلمتوا توجّهكم والروح ينفخ أشرعتكم بتوصلوا لشطّ النور. المركب تا يعبر البحر مش تا يبقى بالمينا. تا يبحر المركب ويروح للعمق البعيد، لازم يفك كلّ حبالو، إذا حبل واحد بقي رابطو بيبقى بالمينا. حافظ بس عالحبال يللي بتربط أشرعتك وبتوجهك وحبال المحبّة والشراكة يللي بتربطك بخيّك الإنسان. رحلتك بهالعالم هي مشوار قداستك. القداسة حالة تحوّل دائم من المادّة للنور.

"صلّي تا تصغي، صلّي تا تفهم، وصلّي تا تعيش إيمانك وتطبّق وتشهد. صلّي تا تتحوّل لنور. إصغِ بصلا، افهم الحقيقة بصلا، عيش واشهد بصلا. خلّي حياتك كلّها تكون صلا وخدمة: إذا بتصلي بدون خدمة بتعمل من صليب المسيح بحياتك خشبة، وإذا بتخدم بدون ما تصلّي بتكون عم تخدم حالك. صلّي بمخدعك. صلّي بعيلتك. وصلّي بجماعتك الكنيسة. صلّي بمخدعك بحميمة مع الربّ بتحفظ روحك وبتفتح عقلك على سر الله. صلي بعيلتك بتحفظ عيلتك وبتوضعها بقلب الثالوث. صلّي بجماعتك الكنيسة بتحفظ كنيستك وبتقرب الملكوت. صلاتك الشخصيّة بإنفراد مع الربّ بتحطّك بقلب الله، صلاتك العائليّة بحضن العيلة بتوضعك بحضن الثالوث، صلاتك الجماعيّة بقلب الكنيسة بتثبتك بجسد المسيح. صلّي. الإنسان اللي بيصلّي بيعيش سرّ الوجود، والإنسان اللي ما بيصلّي بالكاد موجود.

"تمرّس بالصمت، الصمت المصغي الحي البعيد عن سكون العدم. تمرّس بالصمت اندعك بالمحبّة، تخمر بالقداسة. إصغِ تا تسمع، تواضع تا تفهم، آمن وتشجّع تا تشهد، وحبّ تا تتقدّس" (كلمات مار شربل)

 

7- بناء الربّ أساسو المسيح

"لمّا السراج ينوص بعز العتم بيعبّوه زيت، والسراج عم ينوص ونورو عم يخفت والظلام حالك. ملّو سراجكم زيت قبل ما ينطفي وتغرقوا بالعتمة. السراج اللي بتسهروا على نورو اسهروا على زيتاتو. السراج اللي بيسهر عليكم اسهروا عليه. سراجكم عم ينوص وصار نور بيتكم أقرب للظلام. غرقانين بالنظر قدّام عينيكم غافلين عن النور اللي بيضوّي عتماتكم.

"نوّروا ظلامكم بسراجكم طالما في ليل، ما تناموا على العتم وتنطروا ضوّ النهار تا يطلع. لمّا بيطلع نور النهار بيبلّش شغل تاني وبتنسئلوا عن شغل الليل. إذا خفت نور سراجك من نقص الزيت، ملّيه زيت، ما تروح تسهر على نور سراج خيّك وتترك سراجك يطفي، رح تنسأل عن سراجك اللي كنت عم تسهر على نورو وانطفا. خلّوا النور ضاوي بكلّ سراج حتّى يطلع النهار. السراج بيعبّوه زيت ما بيعبّوه نوايا وأماني ولا بيعبّوه مي بهواني (من هيّن أم باستهتار) اهتم بنور سراجك قبل شغلك وإنتاجك.

"عيدوا النظر بأولويّاتكم. صار سلّمكم بالقلب. الدرجة الصغيرة تحت والدرجة الكبيرة فوق.

شوفوا البنّاء الحكيم كيف بيعلا بنيانو: الحجر الأكبر تحت والحجر الأصغر فوق. كتار من البشر هالإيّام عم يبنوا حيطانن بالقلب: ما عادوا عم يعرفوا الكبير من الصغير، ولا الأوّل من الآخر، ولا المهم من الأهم. والحيط اللي حجروا الأصغر تحت، وحجرو الأكبر فوق بيهوي وبيوقع البنا. كتيرة الحيطان اللي عم تنهار، والمداميك اللي عم تتفكّك من جهل العاملين وكبرياء البنّائين.

"علّي إنت بنيانك بحكمة: إبني على أساس المسيح، الصخرة الأساسية لكلّ بنيانك اللي بتحمل كلّ مداميكك. حطّ حجارك الكبيرة عند الأساس، وحجارتك الأصغر فوق. إذا بواحد من حيطان بناءك، شفت حجر كبير بالمدماك العالي وحجر صغير عند الأساس، فكّ حيطك كلّو وابنيه من جديد: أفضل تعيد بناءك من الأوّل قد ما كان كبير وعالي، من إنّو ينهار ويتهدّم ويسقط على راسك أو على راس إخوتك أو أولادك.

"تأكّدوا منيح، إذا ما كان المسيح هو الأساس بكلّ بنيان رح يتهدّم وينهار، وما تنبهروا بالبنيان العالي القايم عالإنسان، رح ينهار قد ما يعلا، ورح يمحيه الزمان. إذا كنت بنيت بناءك كلّو واكتشفت مأخّر إنّو مش مبني عالمسيح رجاع فكّو كلّو وعمّرو من جديد. مدماك مبني عالمسيح أفضل من برج عالي بيهوي من الريح. بناء الربّ أساسو المسيح، إنتو حجارتو الحيّة والروح القدس هو مفتاح العقد. المسيح بيحمل كلّ البنيان، والروح بيجمع حجار العقد وبيهدّي كلّ الحيطان. الروح روح المحبّة. المحبّة مفتاح العقد. إذا شلتوا الروح، بتشيلوا مفتاح العقد: بيفرط العقد، بيتفكّكوا الأحجار  وبينهار البنيان كلّو. الروح القدس، روح المحبّة، مفتاح العقد اللي بيحفظ العهد. كلّ حجر بالبناء لو مطرحو: كلّ حجر بمدماك في تحتو حجار حاملتو، وحدّو حجار ساندتو وهو ساندها، وفوقو حجار هو حاملها. وكلّ حجر مقصب تا يعبّي مطرحو. الحجر اللي بينقص من البناء بيبقى مطرحو فراغ، لكن بيترك مطرح للشتي والهوا والغبرة والريح. الحجر اللي بينقص مطرحو بيدخل عوامل الخارج للداخل. ما تخلّوا فراغ بين الحجر والحجر، بيطلع البناء ركيك. وما تخلّوا كمان تراب بين الحجر والحجر، بيقوى الشتي وبيعلا الثلج وبينساب التراب وبيتخلخل البناء. قوّة الروح يللي بتجمع حجار البناء مش التراب يللي بيلصقها ببعضها.

"إثبتوا ببناء الربّ. ثابروا على بناء الملكوت، كونوا حجارة حية بهيكل الرب: الحجر يللي ما بيكون بهيكل الربّ بيبقى حجر بالرجمة، إلو حجم بس ما إلو شكل ولا مكان ولا دور، حجر مرمي بكومة حجار.

"أترك حالك بين إيدين الربّ البنّاء الحكيم، خلّيه ينجّفك ويقصّبك، يشيل الزايد منّك ويكمّل الناقص فيك، خلّي الربّ يعطيك الشكل والحجم والمكان، إن كنت حجر كبير أو حجر صغير، إلك مكانك اللي إنت مقصّب على قدّو.

"خلّي الربّ يبنيك بتاخد مطرحك بالمدماك. ما تحطّ حالك بالمطرح يللي بيستهويك: إذا أخذت المطرح أكبر من مطرحك بتبقى نافر وبتخلخل الحيط كلّو، وإذا أخذت مطرح أصغر من المكان المعدّ إلك، بيبقى في حولك فراغ. عبّي مطرحك، حمول اللي فوقك، سنود اللي حواليك، والقي على يللي حاملك. المسيح بيحمل الكلّ والروح بيجمعكم وبيهديكم" (كلمات مار شربل)

 

8- القداسة هي هدفكم

"القداسة هي هدفكم، والكمال بالمحبّة غايتكم النهائية. ما تتوقّفوا عند وسائل القداسة وتعبدوها. لا تعملوا من الوسيلة غاية ولا من الغاية وسيلة. ما تجعلوا من وسائل القداسة هدفكم وغايتكم، ولا تخلّوا القداسة تكون وسيلتكم لغايات ثانية: الصلا تا تقدّسكم، ما تقدّسوا الصلا. الصوم تا يقوّيكم ما تألّهوا الصوم. الإماتة تا تطهّركم ما تعبدوا الإماتات. أناشيدكم تا تمجّد الله ما تمجّدوا أناشيدكم. ما تستبدلوا المسيح بالكلام عنّو بتصيروا تعبدوا كلامكم، ولا تستبدلوا الحقيقة بالتعابير اللي بتعبر عنها بتصير هالتعابير عنكم هي الحقيقة. ولا مرّة بتكون الكلمة أهمّ من الفكرة اللي عم تعبّر عنها، ولا الفكرة أهمّ من الحقيقة اللي عم تفكّرها. ولا مرّة بتكون الخزنة أهمّ من الكنْز اللي حاملتو، ولا مرّة بيكون الكاس أهمّ من الخمر ولا بيت الخبز أهم من الخبز، ولا مرّة الجوهرة أهم من القربان.

"المسيحيّة مش ديانة ولا هيكل ولنها كتاب ولا معبد، المسيحيّة هي شخص يسوع المسيح بذاتو. المراية يللي بتعكس النور مش هي النور. ميّزوا بين النور والمرايات يللي بتعكسو. ما تركّزوا إهتمامكم على المراية، خلّوا قلبكم بالنور. ما تهربوا من ذاتكم تا تروحو عند الله، ولا تروحوا عند الله تا تهربوا من ذاتكم، الله بدّو ياكم تقدّمولو ذاتكم مثل ما هي تا يرفعها ويقدّسها. ما تخلّوا العالم يدفشكم صوب الله، خلّوا الله يجذبكن إلو. ما تسوّدوا بكتاباتكم الصفحات البيضا يللي كتبوها آباؤكم القدّيسين. الحقيقة دايما هي ذاتها. تا تحكي عن الله لازم تكون بقلب الله، ما فيك تحكي عن الله وإنت خارجو. والكلمة جسد مش صوت طاير بالجو. كلّ كلمة بدّك تقولها قصّبها بعقلك، انحتها بروحك، نعّمها بقلبك، نزّلها من تمّك مثل ما بتنَزِّل الحجر مطرحو بالمدماك. والكلمة اللي ما بتبني بلاها. ما تحكي إلاّ وقت اللي بيكون كلامك أعمق وأبلغ من صمتك.

"ما تخلّي كلامك عن وراء البحار يلهيك عن الإبحار. روحوا صوب الجوهر، ميّزوا بين الجوهري والسطحي بحياتكم، وبين الأساسي والثانوي، بين اللبّ والقشرة. بهالعالم، ما بتعبّوا مي بالسلّة، ولا عنب بالإبريق، ولا تين بالجرّة: مثل ما بتستعملوا أمور هالأرض بذكا لخدمتكم، اعرفوا اعملوا بأمور السما بحكمة من الربّ لخلاصكم ومجد الله.

"كلّ أرض ولها تربتها ومناخها، لها أوايلها تا تنقبها وتزرعها، ولها نباتها يللي بيزهّر وبيثمر فيها: ما فيك تطحن الصخر بالشوكة، ولا تنقب التراب بالمهدّة، ولا تحطّب بالمعدور. ولا الأرز والسنديان بيطلعوا برمل الساحل ولا الموز والليمون بيطلعوا بصخور الجرد. بالأوايل يللي بإيدك عمول شغلك، ومطرح ما الربّ زرعك زهّر وثمّر. إذا ما تجذّرت ما فيك تتشامخ.

"كيّفوا عقلكم مع الوجود، ما تسعوا تكيّفوا الوجود مع عقلكم، الوجود كان قبلكم وباقي بعدكم، الروح وحدو بيكفيكم وبيناغمكم مع الله، بتدركو عمق سرّ الوجود بنور الروح الأبدي يللي فيكم. ما تسعوا لإدراك الحقيقة بحواسكم بتبقوا محدودين بمحدوديّة هالحواس. اعرفوا إنّو حواسكم تا تحبّوا فيها مش تا تحبّوها: لمّا بتحبّ نظرك، بتصير تعبد المخلوقات اللي بتشوفا، وبتنسى الخالق اللي أبعد من حدود عينيك. ولمّا بتحبّ سمعك، بتصير تعشق ألحان الدني وأصواتها، بتنسى تسمع صوت الله بالصمت اللي ما بيلامس دينيك. ولمّا بتحبّ أنفك بتصير تنقاد ورا عطور الدني بتنسى زهور المرج (مصدر العطر) اللي جبلها الربّ للإنسان بحنانو. ولمّا بتحبّ ذوقك بتصير أسير الأكل والشرب وبتنسى الغذا. ولمّا بتحبّ لمسك بتصير أسير الخارج وبتلتهي عن الداخل. تخطّى حواسك ما تغرق فيها، وانفذ من خلالها للحقيقة مثل ما بينفذ شعاع النور من خلال البلّور.

"إذا قسّيت حواسك بتسمك، وبيصير يرتدّ عنها شعاع النور مثل المراية وتعكسلك صور العالم. ما تغرق بحواسك بيصير فرحها يغشّك، الفرح الحقيقي مش هو فرح الحواس. الفرح الحقيقي هو يللي بيتخطّى حواسك وبيتجاوزها لقلب النور مطرح ما بتغرق بقلب الله وبتعاين نورو وبتدوب بمحبّتو. تخطّى حواسك وتجاوزها، تخطّى ذاتك بتلمس طرف النور. كلّ ما بدك تنظر للخارج غمّض عينيك وانظر للداخل بتصير تقشع الخارج أوضح. وكلّ ما بدّك تسمع سكّر دينيك واصغِ لصوت الداخل بتصير تسمع أفضل. قود إنت حواسك تا تمجد الله، ما تخلّي حواسك تقودك تا تمجّد مخلوقاتو.

"حبّ حتّى بذل ذاتك: الدمّ هو الحبر الوحيد يللي بتنكتب فيه المحبّة، والباقي كلّو حبر على ورق. بالمسيح، كلّ إنسان بيكون كلمة بتم الله تا تصير البشريّة كلّها نشيد محبّة. والمجد دايما لألله"(كلمات مار شربل)

 

9- مستقبلكم هو أوّل يوم بالعالم الآخر

"تأمّلوا طيور السما كيف بتبني أعشاشها بتأنّي، وبتوضع بيضها برفق، وبتسهر على فراخها بحنان حتّى يريشوا ويطيروا وبتحفظ اشجار الربّ. عم تبنوا أعشاشكم وتوضعوا بيضكم، وتفقسوا فراخكم على أشجار عم يضرب بشروشها الهريان، والسوس عم ينخر بجزعها، والصندل عم يرعى بأغصانها. إذا هويت الشجرة، بيتفرفطوا أعشاشكم، وبيتشتتوا فراخكم وما بيبقالكم إلاّ أغصان عريانة تلقوا عليها جناحاتكم. عم تتعبوا وتكّدوا تا تبنوا أعشاش متينة ودافية يربوا فيها فراخكم ويريّشوا ويطيروا ويعشعشوا هنّي كمان.

"اهتمّوا بالشجرة متل ما بتهتمّوا بالأعشاش. متل ما توكّلتو على أعشاشكم موكّلين كمان على أشجاركم. اهتمّوا بالجذور، اهتمّوا بالجذع، اهتمّوا بالأغصان واهتمّوا بالورق وبيكفيكم كم قشّي وكم حبّة تراب تا ترسموا أعشاشكم، أغصان الشجرة بتحميكم وأوراقها بتفيّيكم. ما تغرقوا بأعشاشكم وتعلّوا أطرافها تا تعطيكم الأمان، اشتغلوا بأمانة الربّ، والربّ بيعطيكم الأمان.

"عم تركضوا تا تأمّنوا مستقبلكم ومستقبل أولادكم، تذكّروا دايما إنّو مستقبلكم مش هو آخر إيامكم بهالعالم، لكن هو أوّل يوم بالعالم الآخر. بتأمّنو مستقبل أولادكم لمّا بتأمّنولن السما. أبناؤكم تا تعطوهم الحياة، وما في حياة إلاّ بالمسيح. اعطوا ابناؤكم المسيح، وإذا المسيح ما كان فيك صعب تعطيه لأولادك.

"إذا إنتو ما تقدّستو كيف بتقدّسوا أولادكم؟! إذا المسيح مش فيكم كيف بتعطوه لأولادكم؟! إذا ما أعطيتوهم المسيح، كلّ شي آخر بتقدمولن إيّاه عقيم وزايل، بيزولوا هنّي وبيزول معهم. مش بالمسكن العالي وضمانات هالعالم بتعطوا أولادكم الأمان والمستقبل. أعطوهم قداستكم وصلواتكم بتكفلوا أمانهم بهالعالم ومستقبلهم بالعالم الثاني. عم تسعوا لنجاحكم ولنجاح أولادكم بالحياة: النجاح بالحياة هو الوقوف قدّام الله بدون خجل.

"انزلوا على الجذور، اعتنوا فيها وكونوا زاهدين. العمل بالجذور مخفي ما بيبيّن وبيتطلّب جهد وزهد. الناس بتشوف الشجرة ما بيشوفوا الجذور ولا بيشوفوا عملكم، لكن الله اللي بالسما بيشوف وبيبارك. اعتنيوا بالجذور، صونوا الجذع، احفظوا الأغصان، اهتمّوا بالأوراق، حافظوا على الشجرة بيحفظ الله أعمالكم. اعتنوا بالشجرة اللي عم تحضنكم وتفيّيكم وتأويكم من جذورها حتّى أطراف أغصانها، حتّى ولو كان على حساب علو أعشاشكم.

"الوقت عم يمرق هو ذاتو على الأخيار وعلى الأشرار، إذا الأخيار ما عبّوا الزمن خير، الأشرار بيعبّوه شرّ وبيصير الزمن فارغ. كلّ برهة من عمرك سلّة انحطّت قدّامك تا تعبّيها من حصادك من قطافك وأغلالك، بتبقى قدّامك هنيهة وبتروح وبتصير خلفك وما فيك تردها للأبد. إذا توقّفت والتفتت خلفك وتأمّلت سلالك الفاضية، وحدها دموع توبتك برحمة الله من نعمة الله بتملّيها، ونعمة الله بتكفيك. وكلّ ثانية هي نقطة من الأبديّة إذا عبّيتها من الله. ما تخلّي العالم يخطف سلال عمرك بتبقى سلالك فاضية، وبتكدّس خلفك كوم قش بيحرقها الزمن وما بيبقى منها شي.

"ما تدخل بحوار مع الشيطان، إنهي حديثك معو قبل أوّل كلمة، خلّي حوارك دايما مع الله. حدول سطحك بعد كلّ شتوي وقبل الدلف، لأنّو إذا تكاسلت بتجي العيانات الكبيرة والطوف والثلج وبتتسرّب الميّ للوصالي، وبينهار السقف على راسك وراس أهل بيتك.

"وقد ما تكون التجربة مغرية ما بتبرّر الخطيّة.

"عبّوا عمركم من محبّة الله وقدّسوا الزمن اللي إنتو فيه، غلّتكم بتكون حرزانة ومونتكم دايمة. وحدو سيّد الزمن بيقدر يعبّي الزمن. وحدو ربّ الحصاد والغلال بيقدر يملّي سللكم. قدمولوا سلاّتكم بتكتر غلاّتكم" (كلمات مار شربل)

 

10- اعملوا الخير بدون كلل

"مسيرة الكون هي ورشة بناء ملكوت الله. بتشبه ورشة بناء هيكل عظيم حجارو من صخور مقالع هالعالم، والبشر هنّي الفعلة بقوّة الله وهنّي البنّائين بحسب مشيئته. بيستخرجوا الحجارة من صخور المقالع بهالدني وبيبنوها حجر ورا حجر، مدماك ورا مدماك، بيعطيها الله الحياة وبيصيروا هنّي حجارة حيّة ببناء الهيكل.

"قسم كبير من البشر بيبنوا هياكلهم الخاصة من حجارة بيستخرجوها من صخور وبيدّعوا إمتلاكها، بيبنوا فيها حجر ورا حجر، مدماك ورا مدماك، لكن ما بيقدروا يعطوها الحياة بتبقى ميّتة، لأنّوا الله وحدو بيعطي الحياة. هالناس الزايلين بيتركوا الحجار والصخور والمقالع وبيغادروا هالدني وبتآكل هياكلهم الصغيرة المبنيّة من حجار ميّتة وبتزول مع الزمن. فانيين، لا بيبقوا هنّي ولا بتبقى هياكلهم. وحدو هيكل الربّ أبدي ودايم لأنّو حيّ. ابنو هيكل الربّ الأبدي وكونوا حجارة حيّة فيه، لا تبنوا هياكلكم الصغيرة الموقتة من حجارة ميّتة بيفنيها الزمن. اعملوا بمثابرة وفرح وتضامن ومحبّة، اعملوا بصبر وتواضع وبطاعة لربّ الهيكل. لأنكم عم تشتغلو بقوّتو، إبنوا بحسب مشيئته.

"اعملوا الخير بدون كلل. ما تسعوا ورا الراحة، الراحة خطر كبير عليكم. إذا شفت فاعل مش عم يعمل شغلو، لا تنتقدو ولا تدينو ولا تلعنو، مسوك معدورك أو منجلك وكفّي شغلك، شغلك رح يخلّيه يشتغل، البناء إلك وإلو، والحصاد إلك وإلو، وكلّهم لربّ الهيكل وإله الحصاد. انظر لخيّك الإنسان نظرتك لذاتك. كلّ شي بتشوفوا بخيّك الإنسان فيه منّو فيك، لأنّو كلّ إنسان هو إنت مع شويّة فروقات. وبدل ما تحكي على خيّك روح إحكي معو أو التزم الصمت المحبّ. لا تدين أبدا ولا تحكم على يللي بتشوفوا عينيك، ما تحكم على المي اللي بتشوفها بالإناء، ما فيك تعرف بعينيك إذا كانت حلوة أو مالحة، عذبة أو مدقة، وخوابي الخمر من برّا كلّها متل بعضها ولو الخمرة بقلبها بتختلف. انظر بعينيك للخارج وانظر بقلبك للداخل. القلب ما بيدين.

"ما تدّعوا المعرفة المطلقة وتبنوا هياكل على حجم معرفتكن بتنهار على رؤوسكم وبتقتلكم. المعرفة بدها محبّة تا تصير فهم. قد ما بتعرف إذا ما بتحبّ ما رح تفهم حتّى لو بتعرف كتير. المحبّة أعظم من الذكاء. منطق المحبّة أسمى من منطق الذكاء. المعرفة الخالية من المحبّة فارغة من الروح مدمّرة للإنسان. الأرض كوكب مقدّس وطأته أقدام إله الكون ونوّرته أنوار الروح وقلب الله عليه.

"البشر بمعرفتهم الخالية من المحبّة جعلوا الأرض مريضة: صار أكلهم سمّهم وشرابهم عطشهم، دواؤهم مرضهم، هواهم عم يخنقهم، راحتهم تعب، وسلامهم قلق، فرحهم حزن وسعادتهم عذاب، حقيقتهم وهم ووهمهم حقيقة، وصار نورهم ظلام.

"صار عند البشر معرفة أكثر وحكمة أقلّ. صارت النظريّات بعقولهم مثل الضبابة على الجبال وبالوديان ما بتخلّيهم يقشعوا شي متل ما هو: نظريّاتهم عم تحجبلهم نظرهم. عماراتهم عم ترتفع، أخلاقهم عم تنخفض. مقتناياتهم عم تزيد، قيمهم عم تنقص. حكيهم عم يزيد، صلاتهم عم تقلّ. مصالحهم عميقة، علاقتهم سطحيّة. واجهاتهم مليانة، داخلهم فارغ. طرقاتهم عم توسع، رؤيتهم عم تضيق. طرقاتهم كثيرة بس مش عم تودّيهم لعند بعضهم. وسائل إتصالاتهم عديدة بس مش عم توصلهم ببعضهم. أسرتّهم كبيرة ومتينة ومريحة، وأسرهم صغيرة ومفكّكة وتعبانة. بيعرفو يسرعو ما بيعرفوا ينطروا. بيركضوا تا يدبّروا معيشتهم، بينسوا تيدبروا عيشتهم وحياتهم. بينطلقوا بسرعة للخارج بيهملوا الداخل.

"سجناء عم يتباهوا برفاهيّة سجونهم، تايهين بيتباهو بالمسافات اللي اجتازوها، أموات عم بيفاخروا بفخامة قبورهم، عم يموتوا من الجوع وقاعدين على معاجن الخبز، فقراء وقاعدين على كنوز طمروها بأنفسهم، ليش عم تنْزلوا تحت الطاولة تا تاكلوا الفتات المتساقط والمايدة ممدودة كلّها إلكم. البشر عم يزرعوا الأرض شوك، هلق ناعم عم يدغدلهم إجريهم، لكن بس ينما ويعسى رح يمزق أقدام الأجيال اللي جايي.

"بتحطّبوا وبتكدّسوا وبتشعلّوا وبتوقدوا وبترموا أنفسكم بالنار اللي بتضرموها، وبستغربوا كيف عم تحترقوا!؟ البشريّة ضايعة، الإنسان مريض، والعالم عم يحترق.

"الله محبّة هو الهدف والدليل للبشريّة الضايعة، المسيح هو الدواء للإنسان المريض، ماء المعموديّة بالروح هو يللي بيطفي حريق العالم. أبنوا كلّ معرفة على المسيح، كلّ معرفة مبنيّة خارج أساس المسيح بتهلككم. المعرفة بدون روح جهل. البنا المبني على الإنسان كلّ ما يعلا كلّ ما يسحق الإنسان تحتو.

"بيضلّ الإنسان عايش بالكآبة والقلق ما بيكتفي ولا بيرتوي حتّى يتوحّد مع ذاتو بقلب الله. اوصلو لعند بعضكم، انظروا لبعضكم، اصغو لبعضكم، سلّموا على بعضكم، عزّوا بعضكم بكلام المحبّة والتشجيع، اطلعوا من ذاتكم لعند بعضكم، احضنوا بعضكم بمحبّة المسيح. اشتغلوا بحقل الربّ بدون كلل ولا ملل، خلّوا أصوات معاديركم تتلي الوديان وتعلا على صوت ضجيج العالم، وخلّوا أصوات مناجلكم تذكّر الناس بموسم الحصاد. خلّوا صلواتكم للربّ تشقّق الصخور الطرشا، وتفجّر الينابيع الخرسا، الصخور بتسمع الصلا والينابيع بتحكي، وكلّهم بيصلّوا وبيمجدوا الله" (كلمات مار شربل)

 

11- اسلكوا درب القداسة بفرح القيامة

"ماشيين على دروب حياتكم حاملين أثقال وأعباء وهموم كثيرة، حاملين جرار وجرار شي بعازة وشي بلا عازة، وموزعين كنوزكم بكل جراركم، خالطين كنوزكم بقشوركم، ما عدتو تعرفوا كنْزكم وين ولا بأيّ جرّة، وجرار بتوقع وبتنكسر وكنوز بتنهدر، لا بتشوفوا ولا بتدروا على عجقة جراركم، وناس بيهدروا كنوزن على دروب حياتن وبيوصلوا محمّلين فخّار.

"كلّ جرّة حاملينها وما فيها من كنْزكن بتكون ملياني لهو وحمل زايد بعيق مسيرتكم وبيتعبّكم.

"تخلّوا عن جرار السخرة اللي بيسخركم إلها العالم، ولو كنتو حملتوها مشوار طويل وتعبتوا عليها وتعذبتوا فيها ويمكن تعوّدتوا عليها. اعرفوا وين كنْزكم وحطّوا فيه كلّ قلبكم. حطّ كنْزك كلّو بجرّة واحدة واحملها منيح. بتحفظ كنْزك وبتوصل مليان.

"جرّة واحدة حمول: جرّة المسيح وهو بيكنِزلك ياها محبّة وبيحملها معك. قد ما تنتلي بتضلّ تساع. وقد ما تتقل بتضلّ خفيفة. وكلّ الجرار الباقية كلّها فخّار ولو كانت فاضية بتبقى تقيلة وبتحنيلك ضهرك. اختار إنت دربك بهالدني، ما تخلّي دروب الدني هي تختارك، وما تحمّل جرار هالعالم اللي بيحمّلك ياها تا يلهيك ويتعبّك.

"كلّ ما تكتر جرارك كلّ ما تبعد عن جارك. كلّ جرّة بدها مسافة، وكلّ ما يكتروا جرارك بتزيد حولك المسافات وبتصير تبعد عن خيّك تا ما يصطدموا الجرار ببعض ويتكسّروا. بتصير الجرّة أهم من خيّك. تا تحافظ على جرارك بتخسر خيّك وجارك. اعرف إنّو كنْزك ثمين كتير لكنّك حاملو بفخّارة. وكلّ خيّ إلك كنْزو ثمين وحاملو كمان بفخّارة.

"بتصنع جرّتك بإيدك وبتتكعوك بقلبها، بتقعد بقلب الجرّة وبتقول الدني فخّار، اللي بيقعد بقلب الجرّة بيشوف الدني كلّها فخّار. اطلع من جرّتك وشوف الدني متل ما هي مش متل ما إنت ابتدعتها بقلب جرّتك.

"كلّ واحد يملّي جرّتو من كنْز المسيح لأنّو هو وحدو الكنْز الحقيقي. تا تفهم خيّك الإنسان، ما تروح صوبو بنظام فكري شغل عقلك، روح صوبو بمحبّة من روح الخالق حطّها بقلبك.

"كونوا حبّات قمح ملياني على بيدر الربّ، لمّا المدراية بتعمل فيكم وبترميكم بالجو تا تنقيكم بتكونوا تقال وبتهبطوا على البيدر تا تتجمعوا بأهراءات الحياة، ما تكونوا حبّات فارغة خفيفة متل قش التبن بياخدها الهوا وبيدريها خارج البيدر وبيشتتها. وتأكّدوا إنّو ما في شي بيمليكم وبيعطيكم وزن إلاّ المسيح.

"انتلوا من المسيح بتبقوا على البيدر وبتتجمعوا. وطالما إنتو على البيدر رح تضلّ المدراية تدريكم والتبن والقش يطير لبعيد. على البيدر كلّ حبّة قمح بتبقى لوحدها حتّى ولو انجمعت مع بقية الحبّات إخوتها بالمكيال والشوال.

"حجر الطاحون والمي والنار بيعملوا من حبّات القمح كلّها طحنة واحدة ورغيف واحد. من الحقل للرغيف المشوار طويل: صلّوا للمنجل يللي بيحصدكم، وللمورج يللي بيدرسكم، والبيدر يللي بيجمعكم، والمدراية يللي بتنقّيكم، وحجر الطاحون يللي بيطحنكم، والمي اللي بتعجنكم، والنار يللي بتخبزكم.

"درب القداسة من الحقل للرغيف، من التراب للنور، من المزود للصليب والقيامة: اسلكوه بفرح القيامة" (كلمات مار شربل)

 

12- القداسة مش حظ القداسة خيار

"بيفتشوا البشر على آيات تا يآمنوا ويشوفوا، وعلى رسائل تا يسمعوا ويعرفوا وعلى طريق تا يمشوا، ويوصلوا للخلاص والسعادة.

الآية هي القربان، العلامة هي الصليب، الرسالة هي الإنجيل، والخلاص بالكنيسة.

1- أهم وأعظم وأقدس علامة هي علامة الصليب، الصليب هي علامة محبّة الله لإلكم، خلّوه كمان يكون علامة محبّتكم لألله. علامة الصليب علامة محبّة مش علامة تحدّي. ونور هالعلامة رح يشع بكلّ العالم.

2- خلاص البشريّة بالكنيسة، الكنيسة هي يللي حاملي مشروع الخلاص يللي بدؤه المسيح من ألفين سنة وما بينتهي قبل نهاية العالم، كلّ أمواج الشرّ رح تتحطّم على صخرة الكنيسة. إلتزموا إلتزام كامل بالكنيسة وبكلّ تعاليمها ولا تنقوهم تنقاية.

3- أهم وأعظم رسالة هي رسالة الإنجيل يللي بتحمل تعليم المسيح، ولا حرف من كلامو بيزول قبل زوال العالم. يللي ما بيعرف الإنجيل بيبقى جاهل وعايش بالظلام ولو عندو كلّ معرفة الدني. ويللي ما بيعيش الإنجيل بيكون مشم عايش، ولا تحرّفوا تا تبرّروا. حقيقة الإنجيل بتبقى دايما هي هي.

4- أهم وأعظم آية هي القربان المقدّس، جسد المسيح، حمل الفصح الحامل خطايا العالم، الإله الحي القائم من الأموات.

"عبث تفتشوا عن علامات أهمّ من علامة الصليب، ما تطلبوا رسايل بتعتقدوا إنّها أهمّ من رسالة الإنجيل، ما تفتشوا على خلاصكم خارج كنيسة المسيح، ما تلتهوا تركضوا ورا آيات تبهر عيونكم أعظم من آية القربان المقدس. ابتعدوا عن السحر الخداع لأنّو بيودّيكم إلى الفراغ.

"العلامة يللي ما بتدلكم على علامة الصليب تجنّبوها. الرسالة يللي ما بتنبع من رسالة الإنجيل اهملوها. العجيبة يللي ما بتودّيكم للقربان ارذلوها. وبالكنيسة كلّها بتميزوها.

"بالصليب والكنيسة والإنجيل والقربان بتتقدّسوا. الله خلقكم تا تتقدّسوا مش تا تموتوا.

"القداسة مش حظ القداسة خيار، ما تنطروها تهبط وتجي لعندكم من الخارج، لازم تعيشوها وتحقّقوها من الداخل. ملكوت الله بقلبكم.

"القداسة نعمة وإرادة: النعمة من عند الله والإرادة من عندكم. إنت قدّيس بالقوّة، اجتهد تا تكون قدّيس بالفعل" (كلمات مار شربل)

 

13- المحبّة نور بيشع

"المحبّة مش تعلّق، لأنّو المحبّة حريّة والتعلّق عبوديّة. ألله حريّة.

"المحبّة مش عاطفة بشريّة، المحبّة قوّة خلق إلهيّة وقوّة قيامة سماويّة.

"المحبّة مش غريزة نابعة من الحواس الماديّة، هيّ قوّة حياة نابعة من الروح.

"المحبّة مش عادة ميتة بتربطنا وبتعلّقنا هيّ قوّة تجدّد دايم بتحيينا وبتحرّرنا.

"المحبّة مش شعور موجّه باتجاه معيّن، المحبّة نور بيشع بكلّ الإتجاهات.

"ألله مش شعور، ألله مش عاطفة، ألله مش عادة، ألله مش تعلّق، ألله مش فكرة. ألله حقيقة، ألله حياة، ألله خالق ومعطي الحياة.

"المحبّة ما بتطلب ثمن، أو مقابل لعطائها ذاتها. المحبّة دايما بتروح للآخر.

"المحبّة اللي بتنبع من الإنسان هدفها ترجع لعند الإنسان ذاتو اللي بتنبع منّو. الإنسان بس "يحبّ من ذاتو بيحبّ لذاتو مهما كان نوع محبّتو وقوّتها. المحبّة اللي بتنبع من ألله وبيستمدّها الإنسان منّو هدفها الإنسان الآخر.

"إذا محبّتك من ألله يعني لخيّك الإنسان، وإذا محبّتك منّك يعني إلك.

"الإنسان اللي محبّتو منّو، بيحبّ ذاتو بالآخرين، وبيفكّر إنّو بيحبّهم.

ما تخلطوا أبدا بين المحبّة والرغبة، وبين المحبّة والعاطفة، وبين المحبّة والعادة، وبين المحبّة والتعلّق" (كلمات مار شربل)

 

14- اعترف بخطاياك بتقتل الشرّ اللي فيك

"لمّا ارتفع يسوع سقط الشيطان. المعمشق فيه من البشر رايح معو، واللي واقف بدربو معرّض يوقع. لا تتعمشق فيه ولا توقف بدربو.

"كلّ همّو يزوّر صورة الله بذهنك وبقلبك ويزوّر صورتك بنظرك. بدّو ياك تعرف الله غلط وتشوف حالك غلط. بيزوّر وبيشوّه وبيخدع: بيجرّب يكبّرك وقت اللي لازم تصغر، ويصغرك وقت اللي لازم تكبر. بيجرّب يوقّفك وقت اللي لازم تمشي، ويمشّيك وقت اللي لازم توقف. تحكي وقت اللي لازم تسكت، وتسكت وقت اللي لازم تحكي. بيحاول يقنعك تسرع وقت اللي لازم تبطئ وتمشي ببطء وقت اللي لازم تسرع... بكلّ الحالات بدّو يخدعك. الشيطان هو المخادع الأكبر، المزوّر الأعظم، غشّاش خبيث، بالكذّاب وأبو الكذب نعتو الربّ المعلّم.

"ولا مرّة الشيطان بيجي بصورتو الحقيقيّة، أبدا ما بيجي بصورة بشعة، هو بيعرف الإنسان شو بيحبّ ولشو بينجذب، وبيجي بيلّي بيحبّو كلّ إنسان وبينجذب إلو: بيحكيك إشيا بتحبّ تسمعا، وبيفرجيك إشيا بتحبّ تشوفها، بيعطيك إشيا بتحبّ تلمسها، وبيطعميك إشيا بتحبّ تدوقها.

"لمّا يزوّروا المخادعين الذهب بيزوّروا بشي بيشبهو أصفر وبيلمع، وكذلك تا يزوّر الشيطان صورة الله المحبّة بحياتك بدّو يستعمل الإشيا اللي بيسمّوها البشر محبّة وبيخلطها مع الله المحبّة. أحاسيس الغريزة ومشاعر العاطفة وروابط التعلّق والعادات المستعبدة بيستعملها الشيطان تا يخلط على الإنسان حقيقة الله المحبّة المُحْيِيَة.

"كلّ همّ الشيطان يعرقل اللي ماشيين طلوع صوب الربّ. وعلى طريقك صوب الربّ الشيطان بدّو:

1- أو يزيحك عن الطريق: بيخلقلك هدف تنجذب إلو وتتوجّه صوبو تا تشرد وتضيع

2- أو يوقّعك تا توقف: بينصبلك فخّ تا توقع فيه

3- أو يرجعك لورا: بيتعبّك وبيأّسك تا تتراجع وترجع. المهمّ عندو إنّك ما توصل.                                                                                                    

"كلّ شي بيجمع وبيوحّد عالخير بيكون من عند الله، وكلّ شي بيقسّم وبيفرّق بيكون من عند الشيطان. الشيطان بيتسلّط عالإنسان بواسطة أمور هالدني، كلّ ما الإنسان بيتخلّص منها كلّ ما يتحصّن ضدّ الشرّير، وكلّ ما يتعلّق فيها بيكون تحت سلطان الشرّ. الشيطان سيّد هالعالم. كلّ ما تغرق بالعالم كلّ ما تكون تحت سلطانو، وكلّ ما تتحرّر من العالم كلّ ما تتحرّر منّو. ما تنسو إنكن إنتو مش من هالعالم، ما تغرقو فيه، اعبرو فيه، إرتفعوا عنه، وارفعوه للربّ بقوّة المسيح المرتفع عا الصليب.

"الشيطان بيضحّك الإنسان بالأوّل، تا يبكّيه بالآخر. ودايما بياخد الإنسان على جهنّم هو والإنسان عم يضحك، ولكن هونيك البكاء وصريف الأسنان. الإنسان اللي عم يضحك هلّق مع الشيطان، حتما رح يبكي بالآخر.

"الله يمكن يبكّيك بالأوّل، لكن مع الله دايما بتضحك بالآخر. دايما الله بيبكّيك تا يأدّبك، بيجي الشيطان تا يضحّكك ويبعّدك عنّو، ولمّا الله بيضحّكك، بيجي الشيطان تا يبكّيك، ما تخلّيه يخدعك.

"الشيطان بيكره صورة الله وبيكره الإنسان اللي عم ياخد صورة الله وبدّو يشوّه هالصورة اللي فيه. الطريقة الوحيدة تا يشوّه إبليس صورة الله بالإنسان هي إنّو يوقّف عمل روح الله اللي فيه. ساعتها الصورة الوحيدة اللي بتبقى بهالإنسان هي صورة الحيوان. رغبة الشيطان إنّو يعطي للإنسان صورة الحيوان.

"السلاح الأساسي الأوّل ضدّ الشيطان هو الصدق. كلّ كلمة صدق بتقولها هي سهم بترميه بقلب الشرّير. وكلّ إعتراف صادق بالخطيّة هو رمح بتخرق فيه قلبو.

"والسلاح الأساسي الثاني هو التواضع. الصدق والتواضع يعني الإعتراف. اعترف بخطاياك بتقتل الشرّ اللي فيك.

"كلّ همّ الشيطان إنّو يلهيك عن الله. انتبه! بيحاول يلهيك عن الله حتّى بأمور الله: بيلهيك عن معنى الكلمة اللي عم تصلّيها بالكلمة ذاتها، بيلهيك عن تسبيح الربّ بلحن النشيد اللي بتسبحو فيه. بيلهيك عن الله بالصلا يللي عم بتصلّيلوأمور اللهأ

 ياها.

"تذكّر منيح إنّو ما فيك توقف بوجه الشيطان إذا ما فيك تركع قدّام الله. الشيطان ما بيجي من الشبابيك والطوق اللي سهران عليها ومسكّرها منيح. الشيطان بيجي من الباب اللي فاتحو تا تستقبل منّو" (كلمات مار شربل)

15- الحركة والحياة

"في فرق كبير بين الحركة والحياة. فيه الإنسان يكون بحركة بدون ما يكون فيه حياة. وفيه كمان يكون فيه حياة بس ما فيه حركة. الإنسان حركة وحياة. الكون بمجرّاتو ونجومو ومخلوقاتو الكثيرة كلّو حركة بس مش كلّها فيها حياة. الحياة بس بالله الخالق. الله هوّي الحياة.

"كلّ حركة بالكون محكومة بالموت لكن الحياة أبديّة. كلّ حركة إلها نهاية مهما كانت عظيمة، لكن الحياة ما إلها نهاية. الحياة أبديّة لأنّو الحياة ألله، وألله أبدي. والحركة بتزول لكن الحياة ما بتزول. الإنسان فيه حركة وحياة، الحركة محدودة بالمكان والزمان، لكن الحياة ما بيحدها لا زمان ولا مكان. حركة الإنسان محكومة بالموت وإلها نهاية مهما طالت، لكن الحياة اللي فيه أبديّة.

"المسيح إجا تا يعطينا الحياة، وتا يقدّس الحركة اللي فينا. المسيح بيعطينا الحياة الأبديّة لأنّو إبن الله والحياة من الله. بدون المسيح حركتنا محكومة بالموت الحتمي. ومع المسيح إلنا الحياة الأبديّة. وما في بين الإثنين: أو موت أو حياة.

"قدّسوا الحركة اللي فيكن بالحياة من يسوع المسيح. ما تسعوا للخلود بهالعالم بزمن هالكون بتمديد حركتكن بالزمان للأبد، لأن حتّى الزمن محكوم بالموت وإلو نهاية. الخلود بس بالحياة الأبديّة بيسوع المسيح، وما في حركة خالدة أبديّة بالزمان لأن الزمان كلّو مش أبدي" (كلمات مار شربل)

 

16- كلّ عيلة هي عيلة مقدّسة

"العائلة البشريّة على الأرض هيّ صورة العائلة الإلهيّة في السماء. العائلة هيّ التي تنقل مشروع الله من جيل إلى جيل. هيّ التي تنقل محبّة الله وكلمته عبر الأجيال. إنهيار العائلة يعني إنهيار مشروع الربّ في البشريّة. يعني انقطاع رسالة الخلاص والقداسة عن البشر. كلّ عائلة هي عائلة مقدّسة لأنّها صورة الله الثالوث. تشويه العائلة يعني تشويه صورة الله. العائلة التي تحمل مشعل النور وتنقله من جيل إلى جيل كي يبقى العالم منوّر بنور الربّ.

" العائلة هيّ الحبل الذي يربط البشريّة ببعضها البعض عبر الزمن، ويربط الأجيال عبر التاريخ، كي تنمو البشريّة وتكبر. وإذا انقطع هذا الحبل الذي يربط البشريّة ببعضها، وتنفصل عن تاريخها، تصير أجيالا ضائعة ما لها تاريخ ولا هويّة. العائلة هي التي تعطي البشر هويّتهم البشريّة. وتطبع فيهم صورة الله. العائلة هيّ التي تحفظ ذاكرة البشريّة. البشر بلا عائلة، بشريّة بلا ذاكرة. الإنسان الذي بلا ذاكرة يضلّ يبرم في مكانه، وبشريّة بلا ذاكرة تتوقّف في التاريخ وتموت.

" العائلة هيّ الأساس بمشروع الربّ. وكلّ قوى الشرّ موجّهة كلّ شرّها لتدمير العائلة، لأنّها تعرف أنّه بتدمير العائلة تتزعزع أساسات مشروع الله. حرب الشرير على الربّ، هيّ حربه على العائلة، وحرب الشرّير على العائلة هيّ لبّ حربه على الربّ. لأنّ العائلة صورة الله. من بدء تكوين هذا الكون، والشرّير يركّز على تدمير العائلة، أساس مشروع الله.

" العائلة هي المكان الذي يتّصل فيها الإنسان مع الله، ومع إخوته البشر. بدون العائلة، ينقطع هذا الإتصال ولا شيء أبدا يعوّضه، وإذا حاول الإنسان إعادة ربط الإتصال المقطوع، بوسائله البشريّة، يصبح هش وركيك ومعوجّ، وتصير البشريّة مريضة ومشوّهة ذاهبة صوب الموت البطيء.

"صونوا عائلاكم واحفظوها من كيد الشرّير بحضور الله فيها. صونوها واحفظوها بالصلاة والحوار، بالتفاهم والغفران، بالصدق والأمانة، والأهم بالإصغاء. إصغوا لبعضكم البعض بآذانكم وعيونكم وقلوبكم وأفواهكم وراحات أكفّ إيديكم، وأبعدوا هدير ضجيج العالم عن بيوتكم لأنّه مثل العاصفة الهوجاء والموج العاتي، عندما يدخل إلى البيت يجرف كلّ شيء ويفرّق الكلّ. حافظوا على دفء العائلة، لأنّ دفء العالم كلّه لا يقدر أن يعوّضه" (كلمات مار شربل)

 



[1] مذكّرات ريمون ناضر، لا تزال مخطوطة، ص69-73)