In the name of the Father, the Son and the Holy Spirit, Amen.
   صليب
المقاومة
اللبنانيّة About Us
Christians
Lebanese Forces
Lebanon
Phoenicia
Federalism
Articles
Letters
Documentations

Contact Us
صليب
المقاومة
اللبنانيّة

المقاومة اللبنانية نحو لبنان جديد

Back To "Documentations"

صمودنا بطولة وشهادة للتاريخ

" ما من حُبّ أعظم من هذا: أن يُضحّي الإنسان بنفسه في سبيل أحبائِهِ " (يوحنا 15، 13 )

 

          فلأنهم أحبونا، أحبوا أبناء مجتمعهم حباً عظيماً، لم يتوانوا عن بذل أنفسهم عنّـا، فماتوا لنبقى ، ماتوا لنحيا.
        لقد تخطَّى شهداؤنا في حروب السنتين الماضيتين ما تخطاه شهداؤنا في غير حرب منذ
الإعتداء على الوطن في نيسان 1975. فوضعوا حبّ الذات جانبا.ً وأبعدوا الخوف. وتعالوا على أسباب التردّد. فلم يهابوا من يقتل الجسد ولم يرهبهم الإعصار. فقدّموا المحبة على ما عداها والتحقوا بصانعي التاريخ.

 *      *      *      * 

         إن ما ضُرب به مجتمعنا في الحقبة الأخيرة لم يشهد تاريخنا مثالاً له. فلو لم نحسن التعامل مع الظروف لكانت قضيتنا انتهت.
       
إن التاريخ روى لنا الإعتداءات على مجتمعنا بسبب إصرار أجدادنا على حريّاتهم وعلى حماية هويّتهم. ولا تزال ذاكرتنا الجماعية تخبر عن الفظائع التي ألمَّتْ بنا لأننا لم نتنازل عن إيمان، ولم نقبل الهوان. ولم نترك أنفسنا تجرجرها غطرسة المدّعين أن الحق يحتكره منطقهم، أو أن لا حياة إلا بحمايتهم وفي ذمّتهم.
        لكن تاريخنا لم يحك بعد، قبل هذه المرة، عن أن من صلبنا قام من أجازَ لنفسه أن يمحق مجتمعنا ليشبع طموحهِ، وينحر قضية ليقيم على أنقاضها عرشاً، ويدفع شعباً بكامله إلى الإنتحار ليروي نفسه الظمآنة إلى لون الدم ورائحتِهِ وطعمهِ؟
        لقد سبق هذه الحرب الضروس ورافقها حرب نفسيّة هي أقسى ما طلعت به ديماغوجية في هذا الزمان. فلم توفر تهمة. ولم تتراجع عن افتراء. ولم تتوان عن تشويه حتى المقدسات. ولم تستحِ من تزوير الحقائق. حتى خيّل لمن صدقوا هذه الأضاليل ان السواد يلف كل شيء، وأن الخير ارتحلَ. والإخلاص تلاشى. والوطنية غابت عن الأفئدة والضمائر.

        فكان أمامنا اختيـارات ثلاثة.

        فإما أن نسير مع المُعتدي وننساق معه. وهذا يعني وضع المسيحيين اللبنانييـن في مواجهة الشرعية الدولية برمّتها، وتخلي العالم كله عن مؤازرتنـا ومساعدتنا، والسماح للأعداء بالتفرّد بنا، فضلاً عن مساهمتنا مع المعتدي في إقامة نظـام دكتاتوري يطيح بكل القيـم.

        وإما أن نبادر إلى مواجهة المعتدي بحرب وقائية، فنزيد في الطين بلـّة، ونضيف إلى ما سادَ في مجتمعنا من إضطراب وبلبلة وسوء ظـن نقمـة وغضباً وحقداً. فقد كان يصعب على أهلنـا في تلك الأجواء المشحونة التي أثـارها المُعتدي أن يقدّروا خطوتنا الوقائيـة حق قدرها ويقيّموهـا التقييم الصحيح. فنخسـر الحرب، ويستمر المعتدي في سياسته الخاسرة والفاشلة والمؤدية إلى خسارة القضيـة وما بقي من حريـة.

        وإما أن نتفادى الصدام معه، علّ يظهـر في الأفق ما يزيل الغُمّة ، واذا كان الصدام أمراً حتمياً بسبب التعبئـة العدوانية التي أجّجها المعتدي في داخل المؤسسة العسكرية الرسمية منذ إعتلائِـهِ السلطة، فلنكن، نحـن، في موقع وموقف الدفاع فحسب. فننقذ ما يمكننا إنقاذه ونحافظ على القضية وأهلـها.

        ففضلنا الخيار الثالث.

        ومارسنا سياسة حكيمة وحازمَة ولينة في آن واحد، فأبقينا على المقاومة حية لتظل المدافعة الأمينـة عن شعب وقضيـة ومصير.

         وما لفتني واستوقفني طويلاً هو هذا الإيمان الذي ألهبَ قلوب المقاتلين في القوات اللبنانية، وهذا الإلتزام الصريح العنيد الذي لفـَّهم لفـّا.ً في كل جيوش العالم ، تقريباً، تحصل حوادث فرار عندما يجن جنون الحديد والنار. أما ما حصل في القوات اللبنانية، والمعارك على أشدها قساوة وخطراً، فكان العكس تماماً، اذ رأينا الكثيرين ممن تسرّحـوا سابقاً، أو ممن هاجروا إلى بلاد الإغتراب. يسرعون للإنخراط مجدداً في القوات المقاتلة، عدا طلبات التطوع الملحة لمن لم يسبق لهم القتال، فكان قرار هؤلاء تحدّياً للباطل ومجابهة لشائعـات طاحنـة وساحِقة.

        كنت أعرف قيمة القوات القتالية ، وكنتُ متأكّـداً من أن مؤسسة المقاومة العسكرية تنمـو وتتطور بسرعة وقوة. ولكنني لم أتصوّر انها بلغت ما بلغته في هذه الفترة القصيرة من الزمن.

        فمنذ 15 كانون الثاني 1986، تحوّلت القوات اللبنانية إلى جيش نظامي تحرّكه عقيدة الحرية، وتقوّي صلابته عزيمة البقاء. فخاضت بإسم شعبها ولأجله أشرس المعارك على جبهة طويلة امتدت من عيون السيمان إلى نهر الكلب، إلى نهر الموت، وحتى المتحف والسوديكو. هذه الكيلومترات العشرون برهنت وتبرهن على أن معمودية الدم التي خضعنا لها جميعاً، من رأس الهرم في المؤسسة حتى آخر عنصر فيها، ليست حـَدَثاً عابراً في تاريخ القوات اللبنانية والشعب المسيحي في لبنان. فقد غرسنـا سندياناً منذ خمس سنوات، فنَمَتْ سندياناتنا وعلتْ. وأرسينا أسس الصمود والمقاومة، فترسَّخت وصلُبتْ، فلم ينهزم أحد من أفراد القوات اللبنانية ولم يؤثر فيه أي إغراء، وشهد لهم الصديق والعدو. المؤيد والمعارض. واعترف الجميع بحقيقتنا. وذهبت تلك الصور والإتهامات التي ألصقوهـا بنا واضمحلت، وانقشـعَ الضلال. فإذا نحن اليوم مطمئنون إلى مستقبلنا ومرتاحون إلى مصيرنا.

 *      *      *      *

         ومن جليل ما حققته القوات اللبنانية قضاؤها إلى غير رجعة على كل نزعة إقليمية. فسواء في حرب الجبل أو في شرق صيدا أو في خلال حرب الإلغاء، فقد أعطى أفراد القوات اللبنانية الدليل تلو الدليل على تماسك مجتمعهم وتلاحمه وتضامنه وتكامله. فأبناء الشمال والجنوب والبقاع والجبل والساحل تداعـوا والتقوا جميعهم على قلب واحد ودافعوا عن كل شبر من أراضيهم. فلم يميّزوا بين قرية وقرية أو منطقة ومنطقة. فجبهـة السوديكو هي بالنسبة لإبن الشمال جبهة الشمال، وخط نهر الكلب بالنسبة لإبن الجنوب جبهة الجنوب، وجبهة القليعات بالنسبة لإبن البقاع جبهة البقاع، فتساوت المناطق في قدسيتها، واختلط دم الشهداء. فإذا أرض المسيحيين في لبنان واحدة يحميها جسم واحد، ويرعاها هـمّ واحد.

 *      *      *      *

         إنما الموت، ولو شهادة، يبقى موتاً. لوعته تحرق. وطعمه أمـرّ من المرارة.

        ماذا نقول؟  وماذا يُقال؟ عن موت إبن ٍ، أو شقيق ٍ، أو زوج ٍ، أو حبيب، أو صديق، أو قريب... كل فلسفات العالم وتبريراتها تنكفىء أمام دموع الثاكل والثكلـى والأرملة واليتيم... ومن أهلنـا منْ لم يبقَ لهم عيون لتبكي.

        الشهيـد غالٍ على ذويـه...

        وأنا " ذوو "  كل الشهداء. مصاب بكل منهم.

        فعندما كانت المعارك لا تزال دائرة انتابني شعور بأنني سألتقي الشهداء في مكان ما فور انتهائها. كان ذلك مجرد شعور. وكنت مدركاً، طبعاً، أن هذا اللقاء لن يتحقق. ولكن شعور طغـى علي ّ ولم يفارقني. وكنتُ أحسّ أنني معهم وأنهم معي. وكنت أصلي لتقف هذه الحرب في أسرع وقت فيتوقف الموت. وفي كل مرة أخبَرُ عن شهيد، كنتًُ أشعر بثقل المسؤولية وأهمية القرار. وأعجب ممن يعطـون الأوامر للإعتداء والقتل بسهولة ولا مبالاة وكأنهم يقومون بعمل عادي أو تافه.

         فرغم معرفتي بضرورة مواجهة القدر،

        ويقيني بأن حريتنا وكرامتنا تحتاجان إلى من يدافع عنهما و يُعزّزهما، وإدراكي أن التاريخ يرويه دم الشهداء كما تعمّره لحظات الزمان، فأنا ممن يؤمنون بأن المسؤول المسؤول، المسؤول الذي يعي  دوره التاريخي وعياً صحيحاً، هو من يجتهد في الإقتصاد في الشهداء. هذا إذا اضطر إلى تقديم شهداء ولم تساعده الظروف على تفادي الحرب. المسؤول المسؤول هو الذي لا يخوض حرباً إلا اذا كان مُضطراً كلياً إليها. فمن كان بقدرته إبعاد شبـح حرب ولم يفعل كان قاتلاً مُجرماً بحق رفاقهِ وأهله وبنـي وطنه والناس أجمعين.

         إن قيَـم التآخي والحوار والسلام عناوين نور ينبغي أن نهتدي بها في كل آن.

 *      *      *      *

         الشهادة تعبير عن التواصلية بين الأجيال وتجسيد لها. وفيها إدراك للإنسان من الداخل والخارج معاً.

        وموت الشهيد قيامة للقيم. إنه الحوار في أجلى جلائِهِ بين ما هو وما ينبغي أن يكون. بين الإستسلام و الإنتفاضة. بين الإلتساق بالتراب والتحليق نحو قمـة من قمم الإنسانية.

        لا أقول وداعاً لشهدائنا المائتين والستة والثلاثيـن الذين نكرّمهم في هذا الكتاب، ولا لمن سبقهم على هذه الدرب، وفي مقدّمهم مؤسس القوات اللبنانية الرئيس الشيخ بشير الجميّـل، أقول لهم: إلى اللقاء. فالموت نهاية الحلقة الأولى من حلقتي الوجود، لا نهاية الوجود.

       

  و " ما من حُبٍّ  أعظم من هذا: أن يُضحّي الإنسان بنفسه في سبيل أحبّائِهِ."

 

سمير جعجع

+ مقدمة كتاب "القافلة مستمرة."

 


Lebnaan Lebnaane - Lebanon is Lebanese - Le Liban est Libanais - لبنان لبناني
Back to the top
Thank you for visiting:
www.lebaneseforces.org, www.lebanese-forces.ca