In the name of the Father, the Son and the Holy Spirit, Amen.
   صليب
المقاومة
اللبنانيّة About Us
Christians
Lebanese Forces
Lebanon
Phoenicia
Federalism
Articles
Letters
Documentations

Contact Us
صليب
المقاومة
اللبنانيّة

المقاومة اللبنانية نحو لبنان جديد

Back To "Documentations"

النهاية المحتومة

وبقيت الجبهات المستحدثة في المناطق الشرقية تتردد بين قنص وتفجير محدود، يسقط فيها شهداء، حتى رحيل عون.

وكان العماد قد أغلق الباب بوجه مبادرات خيّرة من أهلٍ في الداخل وأصدقاءٍ في الخارج، هدفت كلها تجنيب الشرقية مزيداً من الموت والدمار والانهيار.

وعندما فرضت الشرعية حصاراً على منطقة نفوذ عون، أجاب العماد بتظاهرات متجولة على المعابر.

ولم تنقطع المناشدات العلنية والاتصالات غير المعلنة، تدعو العماد عون إلى الحؤول دون تدمير ما بقي في إمرته من جيش والحؤول دون دخول السوريين المنطقة الشرقية.

وألحّ المخلصون. وازداد هو تعنتاً.

وحلّق طيران حربي سوري في 11 و12 تشرين الأول 1990 فوق منطقة المتنين. وبقي العماد على إصراره.

وتوالت الأخبار عن تحركات عسكرية سورية. واستمرّ هو في عناده.

أرسل إليه الرئيس الياس الهراوي والعماد إميل لحود موفدين ليل 12 13 تشرين الأول، يبلغونه أن موعد "العملية" غداً صباحاً، الساعة السابعة. فلم يرد عليهم ولم يصدقهم. بل صدّق ما أبلغه اليه العميد غازي كنعان (رئيس فرع الامن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان)، وأكّده له هاتفياً ايلي حبيقه، ان السوريين سيستقبلون يوم 13 تشرين الأول وفداً من "المكتب المركزي للتنسيق الوطني" العوني للبحث معه في الملفات التي سيرفعها اليهم المكتب المذكور.

رفض العماد عون دعوات مواطنيه والحريصين على تجنيب الشرقية الأسوأ. وسقط في فخ السوريين الذين مالقهم في أيامه الأخيرة وغازلهم. وطمعاً بتأييدهم ومساندتهم، تنازل عن إيمانه الوطني ووقع في التناقض فقال: "فلبنان وسوريا يجمعهما أكثر من رابط... وهناك قرابة دم بين بعضهما البعض... وهناك تزاوج ومصاهرة وتاريخ مشترك... والخ... ونحن شعب واحد بعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا[1]..." وقال: "والمجتمع السوري والمجتمع اللبناني بتقاربه يزيل الفوارق... وحتى لا تنكسر الجرّة علينا عدم التسرّع والسرعة... يجب علينا أن نترك التطور الطبيعي لهذه الحياة المتجاورة أن تأخذ مجراها... وعندما تصبح هذه الحياة متوازنة صدقني سنقول لأنفسنا كم كنا أغبياء عندما رضخنا للحدود..."

وفي صباح السبت 13 تشرين الأول 1990، في الساعة السابعة والدقيقة الخامسة، تولى سرب من الطيران الحربي السوري (وبكل أسف) قصف قصر بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة وعدد من مرابض المدفعية. وكان ذلك بدء العملية العسكرية ضد العماد عون.

وبعد دقائق، فتحت النار من مرابض المدفعية والراجمات والدبابات على كل المحاور في المتنين. وبعد 45 دقيقة، أعلن عن وجود العماد عون في السفارة الفرنسية في الحازمية. مما شكل خيبة أمل لكل من صدّق العماد وآمن بشعاراته وبقيادته ورأى فيه منقذاً ومخلصاً.

هناك، في السفارة، ضمن العماد عون لنفسه الحماية والأمن. وترك زوجته وبناته وأصدقاءه والذين ربطوا مصيرهم به. وترك وحدات الجيش التي وقفت إلى جانبه ودعمته، وحارب أفرادها، من أجله، أقرباء لهم وأهلاً في "القوات اللبنانية".

ومن هناك، من السفارة، أعلن العماد عون إستسلامه. فأذاع بصوته بياناً مقتضباً قال فيه:

"بسبب الظروف السياسية والقتالية والعسكرية الراهنة، وحقناً للدماء، وتخفيفاً للأضرار، وإنقاذاً لما تبقى، أطلب من أركان قيادة الجيش تلقي الأوامر من العماد إميل لحود".

24 كلمة وضعت حداً لسلطة استمرّت 751 يوماً. سلطة هدرت من الدماء، وأسقطت من الضحايا، وهجّرت من الناس، ودمّرت من البيوت والمنشآت والأحياء والقرى والبنيات التحتية، وأثارت من الحقد والكراهية والفُرقة في ما بين الأقرباء والأصدقاء والجيران والمواطنين، ما لم يقم به حتى الآن ألدّ أعدائنا وأكثرهم تربصاً بنا. سلطة كادت تقضي على آمال وأحلام نحن في أشد الحاجة إليهما لاستكمال المقاومة والتحرير لولا "القوات اللبنانية" وإدراكها وحسن تصرفها وقدرتها على الانقاذ في أكثر الظروف قساوة.

وكتبت مجلة "المسيرة" في أول عدد لها صدر بعد رحيل عون مقالاً بعنوان "من فمك أدينك يا..."، نثبّته بنصّه الحرفي:

قبل أن نضع نقطة "انتهى" بعد آخر كلمة لفظها الجنرال ليل الجمعة 12 تشرين الأول 1990، تعالوا مرة أخيرة نسترجع معاً وقائع المهرجانات الصحافية التي أحياها في أسبوع الرحيل. للوهلة الأولى، كأن وسائل اعلام الكرة الأرضية كلها من وكالة الصحافة الفرنسية إلى صحيفة "التلغراف" الأوسترالية كانت مستنفرة حول مخبأ "الجنرال". وللوهلة الأخيرة، "الجنرال" كان يتحدث في فضاء هو الكائن الوحيد فيه. كان يخطب في غير دنيا...

"لا تتوقعوا عملية عسكرية. وكل ما سيحصل في القريب العاجل انني سأكون رئيس حكومة الجمهورية الثالثة!" بهذه الرؤيا المضيئة النازلة عليه لا نعرف من أين، أقبل ميشال عون على الأسبوع الأخير في بعبدا. وحين استغرب زواره هذا الكلام أخذ يشرح لهم: الحصار سيهوي تلقائياً. ولا يوجد أحد مستعد ليدفع ثمن إزاحتي. أنا لم أعد شخصاً بل حالاً وطنية شاملة. وأي هجوم عسكري سيكون عملية إنتحار للمهاجمين...

عند هذا الحد توقف الزمن. واستيقظ الجنرال صباح الاثنين 8 تشرين الأول على سيرة مختلفة تماماً. وأعلن لصحيفة "تايمز" اللندنية أن أقصى طموحاته "إيصال الشعب إلى التعبير في انتخابات حرة، وأياً تكن نتائجها فسأكون راضياً ومرتاحاً". وفي الحديث اياه لم ينسً أن يلوّح بالعصا مرة بعد ضد "حصار تركيبة الطائف، والانتهاك الهمجي لحقوق الإنسان والمواثيق والأعراف الدولية(...) لأن الحرب بالحصار أشد شراسة من الحرب بالمدفع. ومن يقم بها يتحمل تبعة كونها جريمة لا تموت بمرور الزمن". و"الجنرال" اختصاصي في كل أنواع الحروب يعرف كيف يصنفها، وليس ضرورياً كيف يربحها. فهو خاض حربين بالحصار وثلاث حروب بالمدفع في أقل من عامين، مع فارق أنها كلها كانت صوناً لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية!

وختم الجنرال الاثنين المجيد بمؤتمر صحافي هو الأخير قبل هربه بأيام... وأعلمنا فيه انه يجري "ترتيبات قانونية لإقامة دعوى ضد الرئيس الهراوي وتشاوشيسكو الحص على جريمة الحصار بصرف النظر إذا كانوا شرعيين او غير شرعيين (...)" ثم تذكر فجأة أن يخبرنا أن "الحرب في لبنان هي حرب الآخرين على أرض لبنان" مشيراً إلى أن أدواتها كانت لبنانية. وانه استطاع من سياسة الانفتاح ومخاطبة اللبنانيين بمحبة وصبر "أن نبرهن لهم أن البوابات الموجودة على الأرض ليسوا هم من وضعها". مؤكداً أنه هو تكلم لغة القلب إلى القلب ولغة العقل(...)"

وتأكيداً على ذلك قال "الجنرال" يومها لكل من له أذنان سامعتان: "من فعل المأزق فليخرج منه. أنا لا أشعر بمأزق". لماذا لم يكن يشعر بأي مأزق؟ لأن وزير الخارجية السوري فاروق الشرع قال بأن موضوع عون يحتاج إلى أسابيع أو أشهر. والجنرال أخذ هذا الكلام إيجابياً للذين يقولون أن مسألته مسألة ساعات أو أيام لا بل أكد بثقة خرقاء: "إن الحال التي أنا فيها لا تتغيّر سلباً بل إيجاباً. ومن يريد أن يزيحني لا يجرؤ على الجلوس مكاني (...)". وختمها قنبلة وطنية حين قال: "نحن مستعدون أن نموت، ولسنا مستعدين لنوقع تنازلات عن حقنا في تقرير مصيرنا".

وعلى هذا الأساس قال لإذاعة "صوت أميركا" الثلاثاء 9 تشرين الأول: "المعركة ليست عسكرية بل هناك معركة في سبيل الحرية والديمقراطية". ولما سئل عن الجهات التي تؤيّده في مواقفه، أجاب: "اعتقد أن الجميع يؤيدونني ما عدا... القوات اللبنانية". الجميع من هم؟ الجنرال فندهم: الرئيس فرنجية، وليد بك، حزب الله، الشريط الحدودي...!

الأربعاء 10 تشرين الأول. صحيفة "فيغارو" الفرنسية نشرت حديثاً أجرته معه، واعتبر فيه اقتراح وليد جنبلاط قيام مسعى سوري فرنسي اميركي مشترك لتسوية الأزمة اللبنانية سلماً، "معقولاً ومقبولاً". والجنرال نادراً ما يرى أشياء معقولة عند غيره. هل كان بدأ يستشعر الخطر يومها؟ ليس بعد. كان غارقاً بعد في فضائه الخاص. وحديثه في اليوم نفسه إلى الذي كان تلفزيونه الخاص يثبت ذلك. فهو اعتبر حصار المنطقة نكبة اقتصادية ستطاول الجميع. وتوقع نشوء واقع جديد مع حل جديد للوضع في المنطقة. كيف؟ لا تفاصيل. المهم أن الرجل طمأن يومها كل الذين يقولون إن الشرق الأوسط سيمحى عن الخارطة بأن هذا "قول خاطىء لأن الخارطة ستبقى وإنما قد يصير عليها واقع جديد مع حل جديد..." يومها لم نفهم. وغيرنا أيضاً. وربما وحده الجنرال فهم!

الخميس 11 تشرين الأول. الوقت كان يداهم ميشال عون، وطلع له في صحيفة "التلغراف" الأوسترالية هذيان جديد خارج كل معطيات الواقع، وكلام عاطفي عظيم سقط بعد 24 ساعة فقط. راجعوا معنا أهم ما قاله يومها:

"الشعب اللبناني كله حال واحدة تطالب بالحرية(...). لا تهمنا المساحة الجغرافية التي نحن فيها الآن لأن الشعب كله معنا. وندعو إلى الاحتكام اليه عبر الاستفتاء والانتخابات".

"الأشرفية صمدت مئة يوم سنة 78 ولم تسقط. وهذه المنطقة ستصمد 300 يوم ولا تسقط. وبالنسبة إلينا نحن نربح صراع البقاء وليس صراع الرفاهية. والبقاء الحر الكريم أهم بكثير من البقاء تحت نير العبودية. والتضحية بدم شهدائنا جريمة لا تغتفر".

وسأله مراسل التلغراف عن الحسم العسكري: "لا أعتقد إن قوتي العسكرية فقط هي التي تمنع الاجتياح، على رغم أننا قد نجعل خسائر الاجتياح العسكري كبيرة جداً. لكن ضمير العالم هو الذي لا يتجاوز الجريمة النهائية بخطف إرادة شعب وروحيته(...)".

بعد ساعات معدودة فقط ليلة الخميس، قال لوكالة الصحافة الفرنسية انه يأخذ التهديد العسكري على محمل الجد وانه مستعد للدفاع ولن يستسلم بسهولة. ولما سئل عن إجراءاته الدفاعية سارع إلى القول: "سأضع الشعب في حال تأهب، وكذلك الجيش. ستتم تعبئة القوى. وكل سيقوم بواجبه..." (يعني الكل يعبأ لحماية الجنرال). وليلاً خرج من وكره لتفقد المعتصمين. أكياس الرمل التي ظلت مصدقة أنها تحمي بطلاً. وخاطبهم وبالكاد كان صوته يخرج من بين أكتاف المرافقين:

"إننا لا نخاف من العمل العسكري الاغتيالي ولا نخشى المجرمين وأعمالهم، فالإنسان الحر لا يخاف إلا من ضميره(...).

إن هناك تهديداً بعملية عسكرية ونحن سنتصرّف على أساس ذلك. ربما كان ميزان القوى غير متكافىء. لكن العملية لن تكون نزهة. لقد قررنا المواجهة. وبدلاً من أن نقول نريد أن نحارب حتى الموت نقول: نريد أن نحارب حتى النصر(...)".

"هذه الحياة ستنتهي يوماً ما. وإذا كانت ستنتهي نريدها أن تنتهي بالمجد لا بالعار وفي أقبية الرذيلة(...)".

وقبل أن ينتهي الجنرال العظيم بساعات نفى الجمعة 12 تشرين الأول ما نقلته "رويتر" عن اتصال تمّ بينه وبين السفير ألا لكي يخلي قصر بعبدا ويشكل حكومة منفى في فرنسا. وعلق حرفياً: "لا يطلبون عادة من الوطني أن يترك وطنه ويذهب. يطلبون من العميل الهرب إذا أرادوا إعطاءه فرصة..."

"إننا لا نخاف"، "نحارب حتى النصر" "هذه الحياة نريدها أن تنتهي بالمجد" "الوطني لا يترك. العميل يهرب" كلمات الجنرال أقنعة سقطت، قناعاً بعد قناع... إلى آخر قناع!



[1] جريد "الشرق" البيروتية تاريخ 3 آب 1990.

Lebnaan Lebnaane - Lebanon is Lebanese - Le Liban est Libanais - لبنان لبناني
Back to the top
Thank you for visiting:
www.lebaneseforces.org, www.lebanese-forces.ca