تواريخ في حرب الإلغاء

 

          "حرب الإلغاء" لم تبدأ يوم الأربعاء في 31 كانون الثاني 1990، وإن هي اشتعلت فعلياً في ذلك اليوم. لقد مهّد لها العماد عون يوم الثلاثاء في 14 شباط 1989. أو بالأحرى، سعى لتحقيقها في صيف 1984، بعد فترة وجيزة من ترقية العميد ميشال عون إلى رتبة عماد وتعيينه قائداً للجيش اللبناني في 23 حزيران من العام نفسه.

          يومها، ذهب صديق لقائد الجيش، موفداً من قبل فادي فرام، قائد القوات اللبنانية آنذاك، بمهمة نزع فتيل الانفجار الذي همّ العماد ميشال عون بإشعاله.

          ذلك أن قيادة القوات اللبنانية علمت أن العماد عون حضّر لعملية انقضاض خاطفة على المجلس الحربي والحوض الخامس في مرفأ بيروت واحتلال لمفارق بيروت الشرقية. وتحددت الغاية من هذه العملية بالقاء القبض على القيادات القواتية واحتلال المجلس الحربي و"إلغاء" القوات اللبنانية. طبعاً، وضعت تلك الخطة بطلب من رئيس الجمهورية الشيخ أمين الجميّل.

          كان رئيس الجمهورية يرمي إلى الإفادة من "عاطفة" العماد عون تجاه القوات اللبنانية ليتخلص منها عسكرياً بعد أن فشل في احتوائها سياسياً، وبغية إحكام قبضته الشخصية على المنطقة الشرقية. وكان قائد الجيش يرمي إلى الإفادة من التغطية السياسية التي يوفّرها رئيس الجمهورية بغية إزالة عقبة كبيرة في ظنّه، من وجه خطته الرامية إلى الوصول إلى مركز رئاسة الجمهورية عند خلوّه.

          لكن معرفة قائد القوات اللبنانية بهذه الخطة في الوقت المناسب، واتخاذ التدابير الآيلة إلى تفشيلها – ومنها تكليف صديق العماد إبلاغه إنكشافها -، جعلا "العملية" مستحيلة النجاح. وتبيّن ذلك من المفاوضات التي جرت بين العقيد سيمون قسيس، مدير المخابرات في الجيش اللبناني، والدكتور فؤاد أبو ناضر، رئيس الأركان في القوات اللبنانية، بين منتصف الليل والساعة الثالثة والنصف صباحاً. وظهر، جلياً، ان شروط الانتصار في هذه المعركة انتفت تماماً، خصوصاً وانها فقدت عنصر المفاجأة. فألغى قائد الجيش العملية.

          وسيذكر التاريخ ما جرى من حديث بين الصديق والعماد قبل تعيينه قائداً للجيش، وتأكيد العماد لصديقه "حرصه" العميق على القوات اللبنانية، كونها القوة العسكرية المسيحية الرادعة. وسيكشف التاريخ كثافة التعبئة النفسية والمادية التي أجراها العماد عون في داخل بعض من وحدات الجيش اللبناني وتحضيرها ليوم المعركة الكبرى ضد القوات اللبنانية.

          ويأتي يوم الاثنين في 9 أيار 1988 ليجرّب العماد عون تحقيق ما فشل فيه سابقاً. فحاول الانتشار في الشوارع والمفارق في بيروت الشرقية وبعض مناطق المتن للبطش بالقوات اللبنانية. لكن "القوات" المصممة على المواجهة والدفاع عن نفسها، سبقت الجيش في الانتشار واتخذت الاجراءات الدفاعية الضرورية. فخاف الرئيس الجميّل من عواقب العملية على عهده. فاضطر وقائد الجيش إلى التراجع مرةً جديدة. ولكن إلى حين...

          وجاء الظرف المناسب في تولي العماد عون رئاسة الحكومة الانتقالية في 22 أيلول 1988. إذ كانت تصفية القوات اللبنانية في رأس الأهداف التي رمى اليها الشيخ أمين الجميّل بهذا التعيين.

          ورتب العماد عون الأمور على النحو الذي سمح له في 14 شباط 1989 من تفجير الوضع. وأن يعيد الكرّة، وعلى نحو أكثر عنفاً وشمولاً، في 31 كانون الثاني 1990، بعد حرب تحرير فاشلة قوّت النفوذ السوري في لبنان ووسّعت مداه، وبعد محاولته خنق حرية الاعلام والعمل السياسي.

 

          في "حرب الإلغاء"، في شقيها التمهيدي والأساسي، أستشهد مائتان وستة وثلاثون مقاتلاً من القوات اللبنانية.

          هذه القافلة انضمّت إلى القوافل السابقة ليبقى المجتمع المسيحي في لبنان حراً، وليستعيد الوطن اللبناني سيادته واستقلاله.

          فتخليداً لذكرى هؤلاء، تصدر "القوات اللبنانية" هذا الكتاب، وتروي فيه، إلى جانب سيرة كلّ منهم، بعض "التواريخ" من حرب الإلغاء. فتبقى هذه الفترة المظلمة والظالمة من تاريخنا درساً لا ننساه، وعبْرة ينبغي أن تتعظ بها الأجيال من بعدنا. فلا يقع أحد في مثل هذه التجربة مرةً أخرى.


الثلاثاء في 14 شباط 1989

 

          كان مسيحيون في زمن الصوم يعتقدون أن مآسيهم ما عادت تصدر من الداخل، وأمامهم عدو يحتل أرضهم ووطنهم ويصرون على إخراجه وتحقيق حريتهم. وكان تضامنهم في مقاومة المحتل يغلق عليه كل المنافذ ويحاصره. وعلى رغم الأجواء المتأزمة سياسياً كان الناس مرتاحين إلى حد كبير لهدوء الداخل وأمنه. البيت كان محاطاً بالأخطار، لكن الأخوة في داخله قلب واحد ويد واحدة. وكان ذلك كافياً ليطمئن كل اهل البيت ويتفاءلوا، فالأعداء في الخارج.

          ... فجأة، قام احدهم وقال أنه شرعي وبدأ يضربهم. وكان ذلك في زمن الصوم، الثلاثاء 14 شباط 1989.

          في البدء كان الاعتقاد السائد ان الحوادث المتكررة التي افتعلها المغاوير وجنود الشرطة العسكرية في الجيش ناتجة عن أن هؤلاء، لطبيعة المهام التي يتولونها عادة، يتلقون تدريبات قاسية، وحقناً دائماً وتركيزاً على رفع معنوياتهم إلى أقصى حد. وبما أن الجنرال عون يحتفظ بهم في استمرار للعمليات في الداخل، يمكن أن قادتهم والمسؤولين عنهم يتركونهم يعتدون على غيرهم لينفسوا الاحتقان الشديد ولخلق عصبية القطعة في ما بينهم. لذلك بات عادياً في المرحلة الأخيرة أن يخلق المغوار، أو ضابطه، مشكلاً، ثم يستقدم جنود ثكنته وآلياتهم ويتصرفوا جميعاً في شكل مناف للأعراف والنظم العسكرية والانسانية.

          كان ذلك اعتقاداً خاطئاً. وتبيّن أن القصة أبعد بكثير. والمغاوير وجنود الشرطة العسكرية كان دورهم الاستفزاز المتكرر وجرّ القوات اللبنانية إلى صدام، وضع الجنرال عون خطته لهدف سياسي جعلته المعارك شديد الوضوح. واكدها الجنرال بنفسه امام صحافيي احدى الوكالات الأجنبية: "لا أريد القوات في بيروت الشرقية". وكانت عودة إلى نغمة بيروت الكبرى او بيروت الإدارية او بيروت ما، علماً ان عون لم يطرح هذا الموضوع ولا مرة في اجتماعاته مع حلفائه، قبل الهجوم، في الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية. وان "بيروت الكبرى" مطلب سوري مزمن تريد منه دمشق اخراج القوات اللبنانية من المعادلة السياسية وتحجيم دورها وتأثيرها القوي في المواجهة معها عسكرياً وسياسياً، فضلاً عن ان الطرح السوري يقول بأن تنفذ خطة "بيروت الكبرى" قوى مشتركة من الجيش اللبناني والجيش المحتل السوري. فهل توصل الجنرال إلى اتفاق مع السوريين على هذه المسألة ليبادر إلى محاولة ضرب القوات وتحجيمها، خصوصاً انه سحب الكتائب والوحدات التابعة للجيش من عدد كبير من محاور القتال مع السوريين واعوانهم ووجهها إلى الداخل؟

          في أي حال ظهر بوضوح ان خطة واحدة كانت تحرك كل الحوادث المتلاحقة التي أدّت الى الانفجار. قبل أسبوعين اعتدى مغاوير على 14 مقاتلاً في القوات واوسعوهم ضرباً في عيون السيمان عند منطقة التزلج بعدما تحرشوا بهم، وكالعادة حضرت قوة كبيرة منهم ولم تترك اهانة الا اطلقتها. وامرت المواطنين المدنيين بالاصطفاف ثم طلبت من كل عنصر في القوات ان يخرج من الصف، فلم يخرج احد لأنهم جميعاً مدنيون، لكن القوة اشتبهت بأحد المدنيين الذي لا علاقة له واوسعته ضرباً أيضاً... وحضرت شاحنة نقلت المعتقلين إلى الشرطة العسكرية. وفي الطريق قرب بكفيا رأى المغاوير سيارة عسكرية للقوات متوقفة وعناصرها ليسوا فيها. فأفرغوا مماشط في الدلتا، علامة القوات، والتقوا سيارة عسكرية أخرى اطلقوا الرصاص عليها فوراً. ولم يُرجعوا الشباب إلا بعد اتصالات كثيفة، فنقلوا إلى المستشفيات.

          الثلاثاء 7 شباط، استنفر الجيش ليلاً في كل ثكنه وقطعه واسلحته. لماذا؟ أجاب مسؤولون في اليرزة ان سيارتين فيهما مسلحون مرتا من امام منزل مدير مديرية مخابرات الجيش العقيد عامر شهاب في فرن الشباك. واضافوا ان مجهولاً سأل عن احد ضباط المغاوير في منزله. ولكن ربما كانتا سيارتي مواكبة لأحد، او عبرتا مصادفة. لأن المرور ليس ممنوعاً من امام المنزل. وربما المجهول يريد من الضابط امراً ما لا علاقة له بكل الوضع... ويا للأسف، تبيّن لاحقاً ان الجيش استنفر لسبب آخر. ولم يجدوا ذرائع مقنعة اكثر من هذه.

          الأربعاء صباحاً، كان الاستنفار مستمراً بلا سبب، وعبثاً حاول مسؤولو القوات افهام المعنيين في الجيش ان لا قرار مطلقاً ولا نية في اي شكل من الأشكال بالصدام مع الجيش. وهذه تعليمات صارمة من قائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع الذي كان خارج لبنان آنذاك. واسهبوا في الشرح أن القوات تدعم بكل ثقلها حكومة الجنرال عون. قدرات القوات عسكرياً وسياسياً واعلامياً ومادياً موضوعة لمساندة الجنرال عون. واستراتيجية القوات تقوم اساساً على وحدة المسيحيين وتضامنهم في المنطقة الحرّة.

          بعد الأربعاء، فك الاستنفار، ليعود من جديد في اليوم التالي الثانية من بعد ظهر الخميس 9 شباط، يوم عيد مار مارون، والحجة هذه المرة ان تلاسناً حصل بين دوريتين من الجيش والشرطة العسكرية في القوات. علماً ان شرطة القوات تسيّر دوريات في الاحاد وايام العطل في عيون السيمان لضبط الأمن وتنظيم الوضع في الزحمة الشديدة.

          ودارت دورة اتصالات كل الليل ولم يفك الاستنفار. وصباح الجمعة 10 شباط حصل خلاف على أفضلية مرور بين مغاوير الجيش وعناصر من القوات في الرويسات قرب جديدة المتن فتبادلوا النار. واصيب مغوار وعنصر قوات. وعلى الأثر نزلت مجموعة كبيرة من ثكنة المغاوير في روميه وانتشرت في محيط مدرسة الحكمة – الجديدة والفنار وعمارة شلهوب وبدأت خطف اي عنصر من القوات، وسرعان ما اشتبكت مع الشرطة العسكرية في القوات. ومع فشل كل الاتصالات مع قيادة الجيش لاطلاق العناصر المخطوفين وكان عددهم نحو عشرة اضطر رفاقهم الى ممارسة الضغط بالطلب من أي جندي أو ضابط عابر ان يرافقهم، واجتمع الرفاق والجنود الضيوف (62 جندياً وثمانية ضباط) الذين عوملوا افضل معاملة وقدمت لهم الحلوى. واوضح لهم قائد الشرطة المدنية (الشهيد)  الملازم الأول سليم معيكي: "اننا واياكم رفاق فقر وتعب ومصيرنا واحد. وتنتظرنا معاً أيام عز نلتقي فيها سوية على الجبهات في معارك التحرير".

          في هذا الوقت كان المغاوير يضطرون إلى الانسحاب والتمركز في محيط ثكنتهم في رومية والاتصالات تتلاحق. وتولاها خصوصاً غبطة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفيرالذي توجّس شراً ورئيس حزب الكتائب الدكتور جورج سعاده والأباتي بولس نعمان. وتوصلوا الى اتفاق على اطلاق الجميع العاشرة من قبل ظهر السبت 11 شباط في دير مار انطونيوس – السوديكو. وتمام العاشرة وصل الى الدير المسؤول الأمني في القوات الدكتور جوزف الجبيلي وقائد الشرطة المدنية (الشهيد) الملازم الأول سليم معيكي ومعهم الضباط والعسكريون حليقي الذقون، رناجرهم تلمع، لم يفقد أي منهم زر قميص أو شريط رنجر. وكان ضباط الجيش قبل الانطلاق جالوا عليهم للكشف على هندامهم العسكري والتأكد انه حسب الأصول.

 

          لم يحضر احد من الجيش. بعد مرور نصف ساعة على الموعد المحدد بدأت الاتصالات لتذكير المعنيين في اليرزة بالموعد. وكان الرئيس العام للرهبانية المارونية الأباتي باسيل هاشم والأباتي بولس نعمان منزعجين من كل عمليات التوقيف والخطف. ومع التأخر في انهاء العملية ازداد انزعاجهما. وبعد تكرار وملاحقة واحالة من ضابط على آخر على آخر، حضر نحو الظهر رائدان من الجيش وسألا عن "آخر شريط رنجر ورصاصة". ولما تأكدا فوجئا. وبعد نصف ساعة وصل المخطوفون من القوات. وكانوا في شاحنة "ريو" مرميين على أرضها واكياس خيش تغطي وجوههم واعينهم معصوبة وحالهم بالويل من الضرب الشديد. وتأثر الأباتي والأباتي. كانا يتوقعان ربما العكس تماماً، وقبل أن يغادر مسؤولا القوات كان توضيح: "كلمة حق تقال. عاملنا الضباط والجنود كجيوش العالم الأول. اما هم فعاملوا رفاقنا كجيوش العالم الثالث... والثلاثين. سنتصرف هكذا مهما تصرفوا وفعلوا. هذه أخلاقنا. هذا إيماننا يحتم علينا ذلك".

 

          اعتبرت القوات ان المسألة انتهت عند هذا الحد. لكن استنفار الجيش تواصل ومكتب الجنرال عون لا يرد على الاتصالات. والاتجاهات تبدو تصعيدية. والثلاثاء 14 شباط خطفت الشرطة العسكرية للجيش في عين سعادة ضابطاً واربعة عناصر من القوات، وبقيت سيارتهم العسكرية واخرى مدنية في مكانهما، فحضر رفاقهم لأخذها. والتقوا قوة من الجيش جاءت لأخذها ووقع جرحى من الطرفين.

 

          عندها اخذت الأمور منحى آخر بأوامر من اليرزة، وبدأت ليل 14 – 15 شباط (الثلاثاء والأربعاء) حملة عسكرية كبيرة ذات هدف سياسي توضح شيئاً فشيئاً. اخراج القوات اللبنانية من بيروت قسراً بعد محاصرتها. والحصار يستلزم الوصل بين وحدات الجيش. لذلك ركز الجنرال عون على المستديرات – المفاصل ليربط مستديرة الحازمية بمستديرة المكلس، بمستديرة الحايك، بمستديرة الصالومي، بمستديرة الدورة، ومن جهة أخرى ربط مستديرة الحازمية بمستديرة الشفروليه، بمستديرة المتحف التي يتولى الجيش من بعدها خطوط التماس في بيروت حتى المرفأ. وبذلك يفصل بين القوات في ساحل المتن الجنوبي والمتن الشمالي والأشرفيه ويصبح المقر العام للقوات اللبنانية في الكرنتينا مطوقاً من كل جانب. وكما في كل عملية عسكرية، كانت الخطة البديلة من الخطة الأولى في حال فشلها هي ربط ثكنة المغاوير في رومية بموقع نهر الموت والامتداد منه إلى الدورة. والخطة الثالثة الرئيسية السيطرة على الطريق الساحلية في انطلياس. وبذلك يقسم ساحل المتن الشمالي قسمين: واحداً من رومية إلى المكلس وآخر من رومية إلى انطلياس.

 

          القوات كانت متنبهة، وإن لم تكن تتوقع مطلقاً عملية بهذا الحجم، لأن أياً كان لا يستطيع أن يتحمّل مسؤولياتها وتبعاتها. ولكن الجنرال عون وقع في التجربة وقرّر تغيير الأمور. فاضطرت القوات إلى التحرّك والسيطرة على المستديرات. وكان قتال شرس. شباب القوات لا يتراجعون وجنود المغاوير والشرطة العسكرية وبعض الوحدات الأخرى في الجيش تضغط بكل ثقلها ونارها الثقيلة والمتوسطة على مستديرات الحايك والمكلس والشفروليه، عبثاً. الأهالي كانوا في رعب والدمار والقتلى والجرحى على الطرق. والأهم كان شعور غامض في قلب كل مقاتل ومواطن (هل وجد في قلوب المهاجمين؟) يحزن النفس لأنه قتال أخوة.

 

          عندما تبيّن للجنرال عون مع صباح الأربعاء 15 شباط ان الخطة الأولى مستعصية وفاشلة، لجأ إلى التمويه بفتح جبهة والضرب في مكان آخر. لذلك سحب وحدات عن جبهة سوق الغرب وأمرها باحتلال مراكز القوات وبيوت الكتائب في وسط المتن الجنوبي، ولا سيما منها حومال وبليبل وكفرشيما، والحازميه. وقرر مسؤولو بعض المراكز وعدد من الأهالي هناك التصدي، وبعضهم آخر الانسحاب، ولكن كان واضحاً في الكرنتينا ان الهدف السياسي لدى الجنرال عون هو السيطرة على مفاصل بيروت وليس القيام بعملية على غرار عمليات التحرير. وبناءً على ذلك لا تفيده السيطرة في المتن الجنوبي بشيء وليس هذا هدفه الحقيقي. وتبيّن من مجرى الأحداث ان هدفه الحقيقي ساحة انطلياس فالأوتوستراد، ليفاوض القوات من موقع المسيطر على طريق الامداد والاتصال الرئيسي بين بيروت ومنطقة جبيل. وكانت ثكنة صربا التابعة للجيش تحركت باقامة ساتر على الأوتوستراد المحاذي لها، لكن الساتر أزيل فوراً، وحيدت الثكنة. أما ثكنة المغاوير في أدما فبادرت إلى التحرك ومحاولة قطع الأوتوستراد المحاذي لكازينو لبنان. لكنها اضطرت إلى الانكفاء وعاد جنودها إلى محيط الثكنة.

          لذلك كانت الهجمات تتلاحق كل مرة بشراسة اكبر للنزول إلى اوتوستراد انطلياس، واستخدم الجنرال عون جنود ثكنة يبعدون 400 متر عن الأوتوستراد في عوكر. وجمع معهم جنود كتيبة حماية منزله في الرابيه ووحدات سحبها من الجبهة في بكفيا معززة بقوات من ثكنة رومية.

 

          البطريرك صفير كان يريد إنهاء الوضع الشاذ منتصف ليل الثلاثاء – الأربعاء، لكن الجنرال عون استمهل إلى الصباح، لأن العملية كانت سهلة التنفيذ فجراً. ولكن على الورق. واتصل البطريرك السادسة والنصف صباحاً، فاستمهل الجنرال ثلاث ساعات اخرى، وفي الحسابات انها كافية ليسيطر على أوتوستراد انطلياس. فاتصل به البطريرك بعد ثلاث ساعات، فاستمهل مجدداّ. وبفعل الضغط الشديد تمكن الجنود من الوصول إلى مفترق فوار انطلياس فما عادت خطوط اليرزة ترد على الاتصالات، لكن هجوماً مضاداً للقوات استطاع، الثالثة إلا ربعاً بعد الظهر، السيطرة على كل منطقة عوكر ووضع اليد على كتيبة كاملة بعديدها وعتادها. وبات منزل الجنرال مطوقاً وانقلب الموقف بالنسبة اليه رأساً على عقب. فاتصل بالبطريرك صفير واعلن قبوله وقف النار. وتشكلت على الأثر لجنة مشتركة، ضمت عن القوات امينها العام الاستاذ جورج عدوان والمستشار السياسي للقائد الدكتور توفيق الهندي، وعن الجيش مدير المخابرات العقيد شهاب والعميد جان فرح. وبعدها بدأت الجرجرة ومحاولة كسب الوقت، ربما للسؤال عن المقابل في حال أكمل. وكانت تحركات الجيش تغرق اللجنة في التفاصيل لوقف اي تدهور وضبط الموقف. وكان صعباً على الفريق الذي بدأ الرحلة الدموية ان يوقفها من دون أن يحصل على نتيجة. وكان صعباً عليه أن يكمل لأن العملية صارت بلا هدف سياسي. والخطة الأصلية سقطت والخطة البديلة سقطت أيضاً.

 

          وكان الذين يعطون الأوامر الاعلامية يحاولون إستجداء تعاطف من الرأي العام باطلاق كلام على الضرائب التي تجبيها القوات – ترى هل سأل أحدهم من يجب سؤاله هل تؤذي الضريبة المواطن المسيحي كما أذاه هو بالاطلاق آلات الدمار والموت؟ - وكانت المسؤولية امام التاريخ والمواطنين تدفع تلفزيون الحازميه خصوصاً إلى هذيان انفعالي، عاكس ربما، والجرح الكبير في نفوس المواطنين كان استعمال القذائف المدفعية في القصف على المنازل والأحياء.

 

          صفراً كانت نتيجة العملية عسكرياً وسياسياً. والقوات بقيت في بيروت ومحيطها معادلة ثابتة. علماً انها خاضت معركة اضطرارية وليس لها أهداف سياسية من خلفها ولم تخطط لها ولم تردها، والدليل ان الجيش استنفر قبل أيام وظل جاهزاً للتنفيذ في الساعة الصفر للسيطرة على بيروت، بما يؤمن للجنرال عون ان يكون المتحدث الوحيد والفعلي باسم المسيحيين في أي مفاوضات، والحكم عسكرياً كما هو الحكم العسكري في دول العالم غير الأول والثاني.

 

          ويعتبر بمثابة النكء في الجرح التحدث عن تنسيق محتمل مع العميد سامي الخطيب، وخلفه من هم خلفه. ويعتبر بمثابة تحريك الدمل الاشارة إلى أن احلام انسان لا تبرر مقتل عشرات البشر وايلامهم جسدياً ونفسياً وتدمير المنازل والممتلكات و... الثقة بحليف حاول الانقضاض على حليفه بغتة. والداعي إلى الاسى تدرّج حججه، من محاولة القوات ضرب منجزاته في تونس، وتلفزيون القوات هو من صنع الجزء الأكبر من منجزاته تلك اعلامياً فسياسياً وشعبياً، إلى القول بضرورة خروج القوات من بيروت، إلى الضرائب التي تذكروها بعدما فقدوا كل وسيلة للسيطرة عسكرياً، إلى حجة المعنويات، وقد اخرت الانسحابات والتهدئة ساعات وساعات.

 

          وغداً قد يطلع مسؤول كبير في مؤتمره الصحافي بحجج أخرى، بتبريرات أخرى، بخيبات أمل أخرى يهديها إلى المواطنين الذي أرعبهم واحزنهم وهدّ إيمانهم بكل شيء في سبيل...

 

          وقد طلع المسؤول، بالفعل، بحجج أخرى وبتبريرات أخرى. فكانت حرب الإلغاء في 31 كانون الثاني 1990، بعد شقها التمهيدي في 14 شباط 1989.

 

          في سبيل ماذا؟ لا شيء مهما عظم يستحق أن يحدث من اجله ما حدث.

          الواقع في التجربة يعرف، لكنه لا يقول.

          "صلوا وصوموا لئلا تقعوا في تجربة".

          الأخوة في البيت أحدهم كان في زمن آخر عكس زمن الصوم. قام وبدأ بضرب اخوته. والعدو في الخارج يضحك.

 

 

31 كانون الأول 1989: التحضير

 

          في 31 كانون الأول 1989، أي عشية رأس السنة، قال العماد ميشال عون ما نصّه الحرفي:

          "نحن، كعسكر، مطلوب منا خلال شهر كانون الثاني جهوزية كاملة في عتادنا. فيجب أن نبلغ في 31 كانون الثاني أفضل درجة جهوزية في تاريخ حياتنا العسكرية عتاداً وأفراداً ونفسية. كل هذه الأمور سنحققها مع إعادة النظر بها خلال هذا الشهر لأن العدو المتربص قد يلجأ إلى أي شيء لخلق مشكلات وضغوط. ويجب أن نكون دائماً على استعداد للدفاع. يجب أن يفهم ان هناك مشكلة من هنا حتى 31 الشهر. ولكن تعودنا أن نتكلم بصراحة. نحن عسكر. يجب أن نكون جاهزين 24 ساعة على 24 ساعة".

          وفي الواقع، فقد اندلعت معركة "حرب الإلغاء" في 31 كانون الثاني 1990. أي في الموعد الذي حدّده بدقة العماد ميشال عون قبل شهر بالتمام.

 


الاربعاء في 31 كانون الثاني 1990

 

          اليوم، بدأ العماد ميشال عون، من جديد، حربه ضد القوات اللبنانية. فاندلعت اشتباكات عنيفة في الحدث والاشرفيه وفرن الشباك وبدارو وعين الرمانة والضبيه وانطلياس والرابية وادونيس والنقاش والفنار وصولاً إلى صربا والمعاملتين والصفرا في كسروان. واحتُل "بيت المستقبل" في عوكر.

          وصدر عن الشعبة الخامسة في هيئة الاركان العامة في القوات اللبنانية سلسلة بيانات متلاحقة عن المعارك.

          جاء في البيان الأول:

          "فيما كانت الجهود والمساعي منصبة على معالجة الوضع المستجد منذ ظهر أمس وبالطرق السلمية، قامت مجموعة عسكرية باحتلال بيت المستقبل في منطقة النقاش الخالي من أي وجود مسلّح. ومنه حاولت التقدم باتجاه مجمّع الضبية المؤلف من معهد التعليم وبعض الثكنات العسكرية التابعة للقوات اللبنانية. فتولّت العناصر المولجة الدفاع عن هذه المراكز ردّ الاعتداءات. وما تزال الاشتباكات مستمرّة حتى الساعة. وكانت بعض مراكز "القوات" فوجئت صباح اليوم باطلاق النار عليها. وهي اعتمدت حتى الآن سياسة موقف الدفاع عن النفس بعدما حاولت المستحيل لتجنب المعركة. وهي تسيطر  على الأرض في أماكن وجودها سيطرة تامة، مع الإشارة إلى أن بيت المستقبل هو مركز فكري لا وجود عسكري فيه".

 

          وفي الساعة الرابعة من بعد ظهر اليوم نفسه صدر بيان ثانٍ يقول:

          "تعرّض مبنى المقرّ العام للقوات اللبنانية لقصف مدفعي. إن قيادة القوات تحذر من الاستمرار في هذا القصف وسوف تضطر إلى قصف مراكز قيادة الجيش اللبناني". ثم قدّم البيان بعض التفاصيل العائدة إلى المعارك العسكرية. وأفاد بأن الجنود الأسرى يعاملون "معاملة جيّدة".

 

          وفي الساعة الخامسة مساءً صدر بيان عن العمليات العسكرية التي حصلت. ثم صدر بيان لاحق جاء فيه أن العديد من مواقع الجيش انضم "الى القوات، فيما تقوم مواقع أخرى للجيش بالاتصال بقيادة القوات لاعلان حيادها وعدم رغبتها في المشاركة في القتال. وتقوم مجموعات من ضباط وعناصر الجيش بالاتصال بقيادة القوات وتعلن أنها غير معنية، ولن تنجرّ إلى هذه المعركة لأنها معركة انتحارية يستفيد منها العدو. وأعلنت هذه المجموعات انها ستلازم منازلها".

 

          وفي بيان آخر، أعلنت الشعبة الخامسة انضمام "الكتيبة 95 بكامل تجهيزاتها ومدرّعاتها وعتادها وجزء من الكتيبتين 72 و74 مشاة".. وأعلنت ثكنة صربا في كسروان ولاءها للقوات اللبنانية، وانضمت عناصر القوات إلى عناž