تواريخ في حرب الإلغاء

 

"حرب الإلغاء" لم تبدأ يوم الأربعاء في 31 كانون الثاني 1990، وإن هي اشتعلت فعلياً في ذلك اليوم. لقد مهّد لها العماد عون يوم الثلاثاء في 14 شباط 1989. أو بالأحرى، سعى لتحقيقها في صيف 1984، بعد فترة وجيزة من ترقية العميد ميشال عون إلى رتبة عماد وتعيينه قائداً للجيش اللبناني في 23 حزيران من العام نفسه.

يومها، ذهب صديق لقائد الجيش، موفداً من قبل فادي فرام، قائد القوات اللبنانية آنذاك، بمهمة نزع فتيل الانفجار الذي همّ العماد ميشال عون بإشعاله.

ذلك أن قيادة القوات اللبنانية علمت أن العماد عون حضّر لعملية انقضاض خاطفة على المجلس الحربي والحوض الخامس في مرفأ بيروت واحتلال لمفارق بيروت الشرقية. وتحددت الغاية من هذه العملية بالقاء القبض على القيادات القواتية واحتلال المجلس الحربي و"إلغاء" القوات اللبنانية. طبعاً، وضعت تلك الخطة بطلب من رئيس الجمهورية الشيخ أمين الجميّل.

كان رئيس الجمهورية يرمي إلى الإفادة من "عاطفة" العماد عون تجاه القوات اللبنانية ليتخلص منها عسكرياً بعد أن فشل في احتوائها سياسياً، وبغية إحكام قبضته الشخصية على المنطقة الشرقية. وكان قائد الجيش يرمي إلى الإفادة من التغطية السياسية التي يوفّرها رئيس الجمهورية بغية إزالة عقبة كبيرة في ظنّه، من وجه خطته الرامية إلى الوصول إلى مركز رئاسة الجمهورية عند خلوّه.

لكن معرفة قائد القوات اللبنانية بهذه الخطة في الوقت المناسب، واتخاذ التدابير الآيلة إلى تفشيلها ومنها تكليف صديق العماد إبلاغه إنكشافها -، جعلا "العملية" مستحيلة النجاح. وتبيّن ذلك من المفاوضات التي جرت بين العقيد سيمون قسيس، مدير المخابرات في الجيش اللبناني، والدكتور فؤاد أبو ناضر، رئيس الأركان في القوات اللبنانية، بين منتصف الليل والساعة الثالثة والنصف صباحاً. وظهر، جلياً، ان شروط الانتصار في هذه المعركة انتفت تماماً، خصوصاً وانها فقدت عنصر المفاجأة. فألغى قائد الجيش العملية.

وسيذكر التاريخ ما جرى من حديث بين الصديق والعماد قبل تعيينه قائداً للجيش، وتأكيد العماد لصديقه "حرصه" العميق على القوات اللبنانية، كونها القوة العسكرية المسيحية الرادعة. وسيكشف التاريخ كثافة التعبئة النفسية والمادية التي أجراها العماد عون في داخل بعض من وحدات الجيش اللبناني وتحضيرها ليوم المعركة الكبرى ضد القوات اللبنانية.

ويأتي يوم الاثنين في 9 أيار 1988 ليجرّب العماد عون تحقيق ما فشل فيه سابقاً. فحاول الانتشار في الشوارع والمفارق في بيروت الشرقية وبعض مناطق المتن للبطش بالقوات اللبنانية. لكن "القوات" المصممة على المواجهة والدفاع عن نفسها، سبقت الجيش في الانتشار واتخذت الاجراءات الدفاعية الضرورية. فخاف الرئيس الجميّل من عواقب العملية على عهده. فاضطر وقائد الجيش إلى التراجع مرةً جديدة. ولكن إلى حين...

وجاء الظرف المناسب في تولي العماد عون رئاسة الحكومة الانتقالية في 22 أيلول 1988. إذ كانت تصفية القوات اللبنانية في رأس الأهداف التي رمى اليها الشيخ أمين الجميّل بهذا التعيين.

ورتب العماد عون الأمور على النحو الذي سمح له في 14 شباط 1989 من تفجير الوضع. وأن يعيد الكرّة، وعلى نحو أكثر عنفاً وشمولاً، في 31 كانون الثاني 1990، بعد حرب تحرير فاشلة قوّت النفوذ السوري في لبنان ووسّعت مداه، وبعد محاولته خنق حرية الاعلام والعمل السياسي.

 

في "حرب الإلغاء"، في شقيها التمهيدي والأساسي، أستشهد مائتان وستة وثلاثون مقاتلاً من القوات اللبنانية.

هذه القافلة انضمّت إلى القوافل السابقة ليبقى المجتمع المسيحي في لبنان حراً، وليستعيد الوطن اللبناني سيادته واستقلاله.

فتخليداً لذكرى هؤلاء، تصدر "القوات اللبنانية" هذا الكتاب، وتروي فيه، إلى جانب سيرة كلّ منهم، بعض "التواريخ" من حرب الإلغاء. فتبقى هذه الفترة المظلمة والظالمة من تاريخنا درساً لا ننساه، وعبْرة ينبغي أن تتعظ بها الأجيال من بعدنا. فلا يقع أحد في مثل هذه التجربة مرةً أخرى.


الثلاثاء في 14 شباط 1989

 

كان مسيحيون في زمن الصوم يعتقدون أن مآسيهم ما عادت تصدر من الداخل، وأمامهم عدو يحتل أرضهم ووطنهم ويصرون على إخراجه وتحقيق حريتهم. وكان تضامنهم في مقاومة المحتل يغلق عليه كل المنافذ ويحاصره. وعلى رغم الأجواء المتأزمة سياسياً كان الناس مرتاحين إلى حد كبير لهدوء الداخل وأمنه. البيت كان محاطاً بالأخطار، لكن الأخوة في داخله قلب واحد ويد واحدة. وكان ذلك كافياً ليطمئن كل اهل البيت ويتفاءلوا، فالأعداء في الخارج.

... فجأة، قام احدهم وقال أنه شرعي وبدأ يضربهم. وكان ذلك في زمن الصوم، الثلاثاء 14 شباط 1989.

في البدء كان الاعتقاد السائد ان الحوادث المتكررة التي افتعلها المغاوير وجنود الشرطة العسكرية في الجيش ناتجة عن أن هؤلاء، لطبيعة المهام التي يتولونها عادة، يتلقون تدريبات قاسية، وحقناً دائماً وتركيزاً على رفع معنوياتهم إلى أقصى حد. وبما أن الجنرال عون يحتفظ بهم في استمرار للعمليات في الداخل، يمكن أن قادتهم والمسؤولين عنهم يتركونهم يعتدون على غيرهم لينفسوا الاحتقان الشديد ولخلق عصبية القطعة في ما بينهم. لذلك بات عادياً في المرحلة الأخيرة أن يخلق المغوار، أو ضابطه، مشكلاً، ثم يستقدم جنود ثكنته وآلياتهم ويتصرفوا جميعاً في شكل مناف للأعراف والنظم العسكرية والانسانية.

كان ذلك اعتقاداً خاطئاً. وتبيّن أن القصة أبعد بكثير. والمغاوير وجنود الشرطة العسكرية كان دورهم الاستفزاز المتكرر وجرّ القوات اللبنانية إلى صدام، وضع الجنرال عون خطته لهدف سياسي جعلته المعارك شديد الوضوح. واكدها الجنرال بنفسه امام صحافيي احدى الوكالات الأجنبية: "لا أريد القوات في بيروت الشرقية". وكانت عودة إلى نغمة بيروت الكبرى او بيروت الإدارية او بيروت ما، علماً ان عون لم يطرح هذا الموضوع ولا مرة في اجتماعاته مع حلفائه، قبل الهجوم، في الجبهة اللبنانية والقوات اللبنانية. وان "بيروت الكبرى" مطلب سوري مزمن تريد منه دمشق اخراج القوات اللبنانية من المعادلة السياسية وتحجيم دورها وتأثيرها القوي في المواجهة معها عسكرياً وسياسياً، فضلاً عن ان الطرح السوري يقول بأن تنفذ خطة "بيروت الكبرى" قوى مشتركة من الجيش اللبناني والجيش المحتل السوري. فهل توصل الجنرال إلى اتفاق مع السوريين على هذه المسألة ليبادر إلى محاولة ضرب القوات وتحجيمها، خصوصاً انه سحب الكتائب والوحدات التابعة للجيش من عدد كبير من محاور القتال مع السوريين واعوانهم ووجهها إلى الداخل؟

في أي حال ظهر بوضوح ان خطة واحدة كانت تحرك كل الحوادث المتلاحقة التي أدّت الى الانفجار. قبل أسبوعين اعتدى مغاوير على 14 مقاتلاً في القوات واوسعوهم ضرباً في عيون السيمان عند منطقة التزلج بعدما تحرشوا بهم، وكالعادة حضرت قوة كبيرة منهم ولم تترك اهانة الا اطلقتها. وامرت المواطنين المدنيين بالاصطفاف ثم طلبت من كل عنصر في القوات ان يخرج من الصف، فلم يخرج احد لأنهم جميعاً مدنيون، لكن القوة اشتبهت بأحد المدنيين الذي لا علاقة له واوسعته ضرباً أيضاً... وحضرت شاحنة نقلت المعتقلين إلى الشرطة العسكرية. وفي الطريق قرب بكفيا رأى المغاوير سيارة عسكرية للقوات متوقفة وعناصرها ليسوا فيها. فأفرغوا مماشط في الدلتا، علامة القوات، والتقوا سيارة عسكرية أخرى اطلقوا الرصاص عليها فوراً. ولم يُرجعوا الشباب إلا بعد اتصالات كثيفة، فنقلوا إلى المستشفيات.

الثلاثاء 7 شباط، استنفر الجيش ليلاً في كل ثكنه وقطعه واسلحته. لماذا؟ أجاب مسؤولون في اليرزة ان سيارتين فيهما مسلحون مرتا من امام منزل مدير مديرية مخابرات الجيش العقيد عامر شهاب في فرن الشباك. واضافوا ان مجهولاً سأل عن احد ضباط المغاوير في منزله. ولكن ربما كانتا سيارتي مواكبة لأحد، او عبرتا مصادفة. لأن المرور ليس ممنوعاً من امام المنزل. وربما المجهول يريد من الضابط امراً ما لا علاقة له بكل الوضع... ويا للأسف، تبيّن لاحقاً ان الجيش استنفر لسبب آخر. ولم يجدوا ذرائع مقنعة اكثر من هذه.

الأربعاء صباحاً، كان الاستنفار مستمراً بلا سبب، وعبثاً حاول مسؤولو القوات افهام المعنيين في الجيش ان لا قرار مطلقاً ولا نية في اي شكل من الأشكال بالصدام مع الجيش. وهذه تعليمات صارمة من قائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع الذي كان خارج لبنان آنذاك. واسهبوا في الشرح أن القوات تدعم بكل ثقلها حكومة الجنرال عون. قدرات القوات عسكرياً وسياسياً واعلامياً ومادياً موضوعة لمساندة الجنرال عون. واستراتيجية القوات تقوم اساساً على وحدة المسيحيين وتضامنهم في المنطقة الحرّة.

بعد الأربعاء، فك الاستنفار، ليعود من جديد في اليوم التالي الثانية من بعد ظهر الخميس 9 شباط، يوم عيد مار مارون، والحجة هذه المرة ان تلاسناً حصل بين دوريتين من الجيش والشرطة العسكرية في القوات. علماً ان شرطة القوات تسيّر دوريات في الاحاد وايام العطل في عيون السيمان لضبط الأمن وتنظيم الوضع في الزحمة الشديدة.

ودارت دورة اتصالات كل الليل ولم يفك الاستنفار. وصباح الجمعة 10 شباط حصل خلاف على أفضلية مرور بين مغاوير الجيش وعناصر من القوات في الرويسات قرب جديدة المتن فتبادلوا النار. واصيب مغوار وعنصر قوات. وعلى الأثر نزلت مجموعة كبيرة من ثكنة المغاوير في روميه وانتشرت في محيط مدرسة الحكمة الجديدة والفنار وعمارة شلهوب وبدأت خطف اي عنصر من القوات، وسرعان ما اشتبكت مع الشرطة العسكرية في القوات. ومع فشل كل الاتصالات مع قيادة الجيش لاطلاق العناصر المخطوفين وكان عددهم نحو عشرة اضطر رفاقهم الى ممارسة الضغط بالطلب من أي جندي أو ضابط عابر ان يرافقهم، واجتمع الرفاق والجنود الضيوف (62 جندياً وثمانية ضباط) الذين عوملوا افضل معاملة وقدمت لهم الحلوى. واوضح لهم قائد الشرطة المدنية (الشهيد) الملازم الأول سليم معيكي: "اننا واياكم رفاق فقر وتعب ومصيرنا واحد. وتنتظرنا معاً أيام عز نلتقي فيها سوية على الجبهات في معارك التحرير".

في هذا الوقت كان المغاوير يضطرون إلى الانسحاب والتمركز في محيط ثكنتهم في رومية والاتصالات تتلاحق. وتولاها خصوصاً غبطة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفيرالذي توجّس شراً ورئيس حزب الكتائب الدكتور جورج سعاده والأباتي بولس نعمان. وتوصلوا الى اتفاق على اطلاق الجميع العاشرة من قبل ظهر السبت 11 شباط في دير مار انطونيوس السوديكو. وتمام العاشرة وصل الى الدير المسؤول الأمني في القوات الدكتور جوزف الجبيلي وقائد الشرطة المدنية (الشهيد) الملازم الأول سليم معيكي ومعهم الضباط والعسكريون حليقي الذقون، رناجرهم تلمع، لم يفقد أي منهم زر قميص أو شريط رنجر. وكان ضباط الجيش قبل الانطلاق جالوا عليهم للكشف على هندامهم العسكري والتأكد انه حسب الأصول.

 

لم يحضر احد من الجيش. بعد مرور نصف ساعة على الموعد المحدد بدأت الاتصالات لتذكير المعنيين في اليرزة بالموعد. وكان الرئيس العام للرهبانية المارونية الأباتي باسيل هاشم والأباتي بولس نعمان منزعجين من كل عمليات التوقيف والخطف. ومع التأخر في انهاء العملية ازداد انزعاجهما. وبعد تكرار وملاحقة واحالة من ضابط على آخر على آخر، حضر نحو الظهر رائدان من الجيش وسألا عن "آخر شريط رنجر ورصاصة". ولما تأكدا فوجئا. وبعد نصف ساعة وصل المخطوفون من القوات. وكانوا في شاحنة "ريو" مرميين على أرضها واكياس خيش تغطي وجوههم واعينهم معصوبة وحالهم بالويل من الضرب الشديد. وتأثر الأباتي والأباتي. كانا يتوقعان ربما العكس تماماً، وقبل أن يغادر مسؤولا القوات كان توضيح: "كلمة حق تقال. عاملنا الضباط والجنود كجيوش العالم الأول. اما هم فعاملوا رفاقنا كجيوش العالم الثالث... والثلاثين. سنتصرف هكذا مهما تصرفوا وفعلوا. هذه أخلاقنا. هذا إيماننا يحتم علينا ذلك".

 

اعتبرت القوات ان المسألة انتهت عند هذا الحد. لكن استنفار الجيش تواصل ومكتب الجنرال عون لا يرد على الاتصالات. والاتجاهات تبدو تصعيدية. والثلاثاء 14 شباط خطفت الشرطة العسكرية للجيش في عين سعادة ضابطاً واربعة عناصر من القوات، وبقيت سيارتهم العسكرية واخرى مدنية في مكانهما، فحضر رفاقهم لأخذها. والتقوا قوة من الجيش جاءت لأخذها ووقع جرحى من الطرفين.

 

عندها اخذت الأمور منحى آخر بأوامر من اليرزة، وبدأت ليل 14 15 شباط (الثلاثاء والأربعاء) حملة عسكرية كبيرة ذات هدف سياسي توضح شيئاً فشيئاً. اخراج القوات اللبنانية من بيروت قسراً بعد محاصرتها. والحصار يستلزم الوصل بين وحدات الجيش. لذلك ركز الجنرال عون على المستديرات المفاصل ليربط مستديرة الحازمية بمستديرة المكلس، بمستديرة الحايك، بمستديرة الصالومي، بمستديرة الدورة، ومن جهة أخرى ربط مستديرة الحازمية بمستديرة الشفروليه، بمستديرة المتحف التي يتولى الجيش من بعدها خطوط التماس في بيروت حتى المرفأ. وبذلك يفصل بين القوات في ساحل المتن الجنوبي والمتن الشمالي والأشرفيه ويصبح المقر العام للقوات اللبنانية في الكرنتينا مطوقاً من كل جانب. وكما في كل عملية عسكرية، كانت الخطة البديلة من الخطة الأولى في حال فشلها هي ربط ثكنة المغاوير في رومية بموقع نهر الموت والامتداد منه إلى الدورة. والخطة الثالثة الرئيسية السيطرة على الطريق الساحلية في انطلياس. وبذلك يقسم ساحل المتن الشمالي قسمين: واحداً من رومية إلى المكلس وآخر من رومية إلى انطلياس.

 

القوات كانت متنبهة، وإن لم تكن تتوقع مطلقاً عملية بهذا الحجم، لأن أياً كان لا يستطيع أن يتحمّل مسؤولياتها وتبعاتها. ولكن الجنرال عون وقع في التجربة وقرّر تغيير الأمور. فاضطرت القوات إلى التحرّك والسيطرة على المستديرات. وكان قتال شرس. شباب القوات لا يتراجعون وجنود المغاوير والشرطة العسكرية وبعض الوحدات الأخرى في الجيش تضغط بكل ثقلها ونارها الثقيلة والمتوسطة على مستديرات الحايك والمكلس والشفروليه، عبثاً. الأهالي كانوا في رعب والدمار والقتلى والجرحى على الطرق. والأهم كان شعور غامض في قلب كل مقاتل ومواطن (هل وجد في قلوب المهاجمين؟) يحزن النفس لأنه قتال أخوة.

 

عندما تبيّن للجنرال عون مع صباح الأربعاء 15 شباط ان الخطة الأولى مستعصية وفاشلة، لجأ إلى التمويه بفتح جبهة والضرب في مكان آخر. لذلك سحب وحدات عن جبهة سوق الغرب وأمرها باحتلال مراكز القوات وبيوت الكتائب في وسط المتن الجنوبي، ولا سيما منها حومال وبليبل وكفرشيما، والحازميه. وقرر مسؤولو بعض المراكز وعدد من الأهالي هناك التصدي، وبعضهم آخر الانسحاب، ولكن كان واضحاً في الكرنتينا ان الهدف السياسي لدى الجنرال عون هو السيطرة على مفاصل بيروت وليس القيام بعملية على غرار عمليات التحرير. وبناءً على ذلك لا تفيده السيطرة في المتن الجنوبي بشيء وليس هذا هدفه الحقيقي. وتبيّن من مجرى الأحداث ان هدفه الحقيقي ساحة انطلياس فالأوتوستراد، ليفاوض القوات من موقع المسيطر على طريق الامداد والاتصال الرئيسي بين بيروت ومنطقة جبيل. وكانت ثكنة صربا التابعة للجيش تحركت باقامة ساتر على الأوتوستراد المحاذي لها، لكن الساتر أزيل فوراً، وحيدت الثكنة. أما ثكنة المغاوير في أدما فبادرت إلى التحرك ومحاولة قطع الأوتوستراد المحاذي لكازينو لبنان. لكنها اضطرت إلى الانكفاء وعاد جنودها إلى محيط الثكنة.

لذلك كانت الهجمات تتلاحق كل مرة بشراسة اكبر للنزول إلى اوتوستراد انطلياس، واستخدم الجنرال عون جنود ثكنة يبعدون 400 متر عن الأوتوستراد في عوكر. وجمع معهم جنود كتيبة حماية منزله في الرابيه ووحدات سحبها من الجبهة في بكفيا معززة بقوات من ثكنة رومية.

 

البطريرك صفير كان يريد إنهاء الوضع الشاذ منتصف ليل الثلاثاء الأربعاء، لكن الجنرال عون استمهل إلى الصباح، لأن العملية كانت سهلة التنفيذ فجراً. ولكن على الورق. واتصل البطريرك السادسة والنصف صباحاً، فاستمهل الجنرال ثلاث ساعات اخرى، وفي الحسابات انها كافية ليسيطر على أوتوستراد انطلياس. فاتصل به البطريرك بعد ثلاث ساعات، فاستمهل مجدداّ. وبفعل الضغط الشديد تمكن الجنود من الوصول إلى مفترق فوار انطلياس فما عادت خطوط اليرزة ترد على الاتصالات، لكن هجوماً مضاداً للقوات استطاع، الثالثة إلا ربعاً بعد الظهر، السيطرة على كل منطقة عوكر ووضع اليد على كتيبة كاملة بعديدها وعتادها. وبات منزل الجنرال مطوقاً وانقلب الموقف بالنسبة اليه رأساً على عقب. فاتصل بالبطريرك صفير واعلن قبوله وقف النار. وتشكلت على الأثر لجنة مشتركة، ضمت عن القوات امينها العام الاستاذ جورج عدوان والمستشار السياسي للقائد الدكتور توفيق الهندي، وعن الجيش مدير المخابرات العقيد شهاب والعميد جان فرح. وبعدها بدأت الجرجرة ومحاولة كسب الوقت، ربما للسؤال عن المقابل في حال أكمل. وكانت تحركات الجيش تغرق اللجنة في التفاصيل لوقف اي تدهور وضبط الموقف. وكان صعباً على الفريق الذي بدأ الرحلة الدموية ان يوقفها من دون أن يحصل على نتيجة. وكان صعباً عليه أن يكمل لأن العملية صارت بلا هدف سياسي. والخطة الأصلية سقطت والخطة البديلة سقطت أيضاً.

 

وكان الذين يعطون الأوامر الاعلامية يحاولون إستجداء تعاطف من الرأي العام باطلاق كلام على الضرائب التي تجبيها القوات ترى هل سأل أحدهم من يجب سؤاله هل تؤذي الضريبة المواطن المسيحي كما أذاه هو بالاطلاق آلات الدمار والموت؟ - وكانت المسؤولية امام التاريخ والمواطنين تدفع تلفزيون الحازميه خصوصاً إلى هذيان انفعالي، عاكس ربما، والجرح الكبير في نفوس المواطنين كان استعمال القذائف المدفعية في القصف على المنازل والأحياء.

 

صفراً كانت نتيجة العملية عسكرياً وسياسياً. والقوات بقيت في بيروت ومحيطها معادلة ثابتة. علماً انها خاضت معركة اضطرارية وليس لها أهداف سياسية من خلفها ولم تخطط لها ولم تردها، والدليل ان الجيش استنفر قبل أيام وظل جاهزاً للتنفيذ في الساعة الصفر للسيطرة على بيروت، بما يؤمن للجنرال عون ان يكون المتحدث الوحيد والفعلي باسم المسيحيين في أي مفاوضات، والحكم عسكرياً كما هو الحكم العسكري في دول العالم غير الأول والثاني.

 

ويعتبر بمثابة النكء في الجرح التحدث عن تنسيق محتمل مع العميد سامي الخطيب، وخلفه من هم خلفه. ويعتبر بمثابة تحريك الدمل الاشارة إلى أن احلام انسان لا تبرر مقتل عشرات البشر وايلامهم جسدياً ونفسياً وتدمير المنازل والممتلكات و... الثقة بحليف حاول الانقضاض على حليفه بغتة. والداعي إلى الاسى تدرّج حججه، من محاولة القوات ضرب منجزاته في تونس، وتلفزيون القوات هو من صنع الجزء الأكبر من منجزاته تلك اعلامياً فسياسياً وشعبياً، إلى القول بضرورة خروج القوات من بيروت، إلى الضرائب التي تذكروها بعدما فقدوا كل وسيلة للسيطرة عسكرياً، إلى حجة المعنويات، وقد اخرت الانسحابات والتهدئة ساعات وساعات.

 

وغداً قد يطلع مسؤول كبير في مؤتمره الصحافي بحجج أخرى، بتبريرات أخرى، بخيبات أمل أخرى يهديها إلى المواطنين الذي أرعبهم واحزنهم وهدّ إيمانهم بكل شيء في سبيل...

 

وقد طلع المسؤول، بالفعل، بحجج أخرى وبتبريرات أخرى. فكانت حرب الإلغاء في 31 كانون الثاني 1990، بعد شقها التمهيدي في 14 شباط 1989.

 

في سبيل ماذا؟ لا شيء مهما عظم يستحق أن يحدث من اجله ما حدث.

الواقع في التجربة يعرف، لكنه لا يقول.

"صلوا وصوموا لئلا تقعوا في تجربة".

الأخوة في البيت أحدهم كان في زمن آخر عكس زمن الصوم. قام وبدأ بضرب اخوته. والعدو في الخارج يضحك.

 

 

31 كانون الأول 1989: التحضير

 

في 31 كانون الأول 1989، أي عشية رأس السنة، قال العماد ميشال عون ما نصّه الحرفي:

"نحن، كعسكر، مطلوب منا خلال شهر كانون الثاني جهوزية كاملة في عتادنا. فيجب أن نبلغ في 31 كانون الثاني أفضل درجة جهوزية في تاريخ حياتنا العسكرية عتاداً وأفراداً ونفسية. كل هذه الأمور سنحققها مع إعادة النظر بها خلال هذا الشهر لأن العدو المتربص قد يلجأ إلى أي شيء لخلق مشكلات وضغوط. ويجب أن نكون دائماً على استعداد للدفاع. يجب أن يفهم ان هناك مشكلة من هنا حتى 31 الشهر. ولكن تعودنا أن نتكلم بصراحة. نحن عسكر. يجب أن نكون جاهزين 24 ساعة على 24 ساعة".

وفي الواقع، فقد اندلعت معركة "حرب الإلغاء" في 31 كانون الثاني 1990. أي في الموعد الذي حدّده بدقة العماد ميشال عون قبل شهر بالتمام.

 


الاربعاء في 31 كانون الثاني 1990

 

اليوم، بدأ العماد ميشال عون، من جديد، حربه ضد القوات اللبنانية. فاندلعت اشتباكات عنيفة في الحدث والاشرفيه وفرن الشباك وبدارو وعين الرمانة والضبيه وانطلياس والرابية وادونيس والنقاش والفنار وصولاً إلى صربا والمعاملتين والصفرا في كسروان. واحتُل "بيت المستقبل" في عوكر.

وصدر عن الشعبة الخامسة في هيئة الاركان العامة في القوات اللبنانية سلسلة بيانات متلاحقة عن المعارك.

جاء في البيان الأول:

"فيما كانت الجهود والمساعي منصبة على معالجة الوضع المستجد منذ ظهر أمس وبالطرق السلمية، قامت مجموعة عسكرية باحتلال بيت المستقبل في منطقة النقاش الخالي من أي وجود مسلّح. ومنه حاولت التقدم باتجاه مجمّع الضبية المؤلف من معهد التعليم وبعض الثكنات العسكرية التابعة للقوات اللبنانية. فتولّت العناصر المولجة الدفاع عن هذه المراكز ردّ الاعتداءات. وما تزال الاشتباكات مستمرّة حتى الساعة. وكانت بعض مراكز "القوات" فوجئت صباح اليوم باطلاق النار عليها. وهي اعتمدت حتى الآن سياسة موقف الدفاع عن النفس بعدما حاولت المستحيل لتجنب المعركة. وهي تسيطر على الأرض في أماكن وجودها سيطرة تامة، مع الإشارة إلى أن بيت المستقبل هو مركز فكري لا وجود عسكري فيه".

 

وفي الساعة الرابعة من بعد ظهر اليوم نفسه صدر بيان ثانٍ يقول:

"تعرّض مبنى المقرّ العام للقوات اللبنانية لقصف مدفعي. إن قيادة القوات تحذر من الاستمرار في هذا القصف وسوف تضطر إلى قصف مراكز قيادة الجيش اللبناني". ثم قدّم البيان بعض التفاصيل العائدة إلى المعارك العسكرية. وأفاد بأن الجنود الأسرى يعاملون "معاملة جيّدة".

 

وفي الساعة الخامسة مساءً صدر بيان عن العمليات العسكرية التي حصلت. ثم صدر بيان لاحق جاء فيه أن العديد من مواقع الجيش انضم "الى القوات، فيما تقوم مواقع أخرى للجيش بالاتصال بقيادة القوات لاعلان حيادها وعدم رغبتها في المشاركة في القتال. وتقوم مجموعات من ضباط وعناصر الجيش بالاتصال بقيادة القوات وتعلن أنها غير معنية، ولن تنجرّ إلى هذه المعركة لأنها معركة انتحارية يستفيد منها العدو. وأعلنت هذه المجموعات انها ستلازم منازلها".

 

وفي بيان آخر، أعلنت الشعبة الخامسة انضمام "الكتيبة 95 بكامل تجهيزاتها ومدرّعاتها وعتادها وجزء من الكتيبتين 72 و74 مشاة".. وأعلنت ثكنة صربا في كسروان ولاءها للقوات اللبنانية، وانضمت عناصر القوات إلى عناصر الجيش داخل الثكنة.

وكان الدكتور سمير جعجع وجّه إلى ضباط الجيش وعناصره في "الشرقية" نداء جاء فيه:

"رفاقي ضباط وافراد الجيش اللبناني،

من مأساة القدر أن نجد أنفسنا اليوم وجهاً لوجه، بعدما كنا دائماً جنباً إلى جنب في خندق واحد، من أجل هدف واحد وقضية واحدة.

رفاقي الضباط والجنود في الجيش اللبناني،

من منكم لا يتذكر الساعات الطويلة التي قضيناها معاً على الجبهات.

من منكم نسي الرغيف المرّ الذي اقتسمناه سوية في الاوقات الحالكة. من منكم نسي الليالي الطويلة التي قضيناها نخطط معاً لكيفية الخروج من النفق المظلم الذي دخل به وطننا؟

أنا مدرك انكم ما نسيتم ابداً. وأنا أيضاً لم أنسَ ولن أنسى.

رفاقي،

كما السيف يغرزه الثائر في صدره انتحاراً، أراني اليوم مضطراً إلى إصدار الأوامر إلى "القوات اللبنانية" للدفاع عن نفسها. وانتم تدركون، ولا أحد غيركم يدرك، كم حاولت إبعاد هذا الكأس العلقم عن فمي. ولكن وحدها شهوة السلطة أعمت بصيرة من يوجهون لكم الأوامر. ففجأةً تغيّر الأعداء. فأصبحت الضبية سوق الغرب. وعن الرمانة الضاحية الجنوبية. ونسوا أن على أرض لبنان خمسين ألف جندي أجنبي وعشرات الميليشيات الأعداء.

إني أعدكم، يا رفاقي، انا الذي اخترت قيادتي العسكرية من صفوفكم، انكم ستبقون رفاقي أبداً ودائماً. وأتوجّه اليكم على أيّ جبهة أنتم، وفي أيّ ثكنة أنتم. رفاقنا ستبقون. ونبقى معاً جنباً إلى جنب، أمس واليوم وغداً، من أجل المستقبل. من أجل لبنان".

 


الخميس في 1 شباط 1990

 

قال الدكتور سمير جعجع تعليقاً على حديث العماد ميشال عون لاذاعة "مونتي كارلو" والذي يطالب فيه بإلغاء "القوات اللبنانية":

"غريب منطق العماد ميشال عون. يتكلم ويمارس السلطة وكأن الحرب قد انتهت وخرجت كل الجيوش الغريبة من لبنان، واستتب الأمن على كل الأراضي اللبنانية، وحلّت أزمة الشرق الأوسط، ولم يبقَ سوى مشكلة واحدة في لبنان هي مشكلة "القوات اللبنانية".

إن القوات اللبنانية.. نشأت يوم تخلت الدولة اللبنانية عن دورها في الحفاظ على أمن الوطن والمواطن. فاضطلعت طوال سنوات الحرب بالدور المناط أصلاً بسواها. وما زالت تقوم بهذا الدور، وهدفها العمل الدؤوب لاخراج جميع الجيوش الأجنبية من لبنان والجلوس إلى طاولة المفاوضات مع كل الفرقاء لإيجاد الصيغة المثلى للبنان الغد.

وإنني أعجب أن يطرح موضوع حلّ "القوات اللبنانية" فيما المواجهة التي باشرها العماد مع الخارج لم تنتهِ فصولاً بعد. فالجيوش الأجنبية ما زالت في لبنان، والميليشيات منتشرة في كل محافظاته، والخطر لا يزال محدقاً بالمناطق الحرّة والازمات الاقتصادية تتلاحق يوماً بعد يوم، والصراع على القرار المالي والدبلوماسي والاداري هو في أوجّه. فبدل أن يبادر العماد عون إلى توحيد كل القوى الفاعلة من روحية وسياسية وعسكرية في إطار المشاركة في القرار، عمل على تهميشها وفتح النار في كل الاتجاهات دفعة واحدة. ولو أنني كنت مكان العماد عون ولم تكن "القوات اللبنانية" موجودة لعملت على إيجادها وليس على ضربها وانهائها بالقوة العسكرية، والتي عوضاً أن يستعملها لأغراض التحرير والدفاع عن الوطن وظفها لتدمير مجتمعنا ونسف بناه التحتية وضرب العمود الفقري لمقاومته من جيش وقوات، عدا الخسائر الجسيمة في الأرواح والممتلكات التي طاولت أهلنا في الشرقية.

إن طرح موضوع إلغاء "القوات اللبنانية" في هذا الوقت ومحاولة تحقيق هذا الإلغاء بالقوة العسكرية هو بمثابة خيانة وطنية كبرى. وكوني أميناً على مؤسسة أعطت القضية اللبنانية 10 آلاف شهيد من خيرة ابنائنا، لن أسمح بأن تمسّ "القوات اللبنانية" مؤسسة وأجهزة وعناصر، وسأقاوم كل من تسوّل له نفسه التعدي على "القوات" بالموقف المناسب والحازم".


الجمعة في 2 شباط 1990

 

عاشت "الشرقية" تحت وابل من القصف التدميري اكثر من 12 ساعة متوالية، وامتد من الحدث إلى عمشيت مروراً بساحلي المتن الجنوبي والشمالي والاشرفيه وكسروان ومحيط بكركي حيث اجتماع للمطارنة كان منعقداً. وادى القصف إلى نشوب عشرات الحرائق، لا سيما في الاشرفية وإلى حصول أضرار مادية جسيمة في المدارس والكنائس والمستشفيات والمؤسسات والمباني والسيارات. وحاصر القصف العائلات في الملاجىء في ظل نقص في التموين. كما استمر مئات التلامذة محاصرين في المدارس.

 

وأصدرت الشعبة الخامسة في هيئة الاركان العامة "للقوات" بياناً قالت فيه:

"على رغم تقيّد جميع مراكز القوات ووحداتها المقاتلة باتفاق وقف إطلاق النار، والتزامها به إلتزاماً تاماً، تابعت جماعة عون خلال الليل محاولة تعزيز مراكزها وتحصينها. وأخذت إبتداءً من صباح اليوم توجه مدفعيتها لقصف المرّ العام لقيادة "القوات" والوحدات الأمامية والمناطق السكنية، في محاولة يائسة للتقدم، مما اضطر "القوات" إلى معالجة الوضع والرد على الاعتداءات. فنتج عن ذلك استسلام الكتيبة 82 من اللواء الثامن لجماعة عون بكامل عديدها وعتادها، كما استسلمت البقية الأخيرة من وحدات اللواء السابع".

وأجرت إذاعة "صوت لبنان" حديثاً هاتفياً مع الدكتور سمير جعجع. ومما قاله:

"أرجو أن يبقى الأمل بالمستقبل كبيراً. مع أن ما يجري مؤسف جداً. تمر مراحل صعبة وويلات في حياة الشعوب لا يمكن تجنبها. الويل الذي وقعنا فيه حالياً كنت أحاول أن أتجنبه منذ سنة وثلاثة أشهر. صبرت فترة. لكن المرض أصبح سرطاناً يستشري ليأكل الجسم كله. وفي كل حال أطلب أن يبقى أملنا كبيراً.."

 

السبت في 3 شباط 1990

 

المعارك تواصلت طيلة نهار هذا اليوم وليله. وتركزت في مناطق الاشرفيه وعين الرمانة وفرن الشباك وطريق النهر وسد البوشرية والفنار والجديدة وانطلياس وضبية ودير عوكر والدورة والسبتية والروضة.

وكانت السفارات الغربية اعتبرت قبل بدء المعارك ان العماد عون قد يقضي بسرعة على القوات اللبنانية. لكنها الآن مرغمة على إعادة النظر في تحاليلها.

وأكد دبلوماسي طلب عدم الكشف عن اسمه لوكالة "فرنس برس" ان المغامرة التي ألقى عون بنفسه فيها أضحت فشلاً. وأضاف: "بعد أن أصبح عون معزولاً تماماً على الصعيد الدولي، فهو الآن في صدد الانفصال عن قسم من السكان المسيحيين بفرضه عليهم تضحيات لم يعودوا قادرين على تحمّلها".

وفي الساعة الثانية عشرة والنصف، صدر عن غبطة البطريرك الماروني نصرالله صفير نداءً رابعاً لوقف النار. فأعلنت القوات اللبنانية فوراً تقيدها به. ولكن العماد عون، وعلى الرغم من اعلانه الموافقة على نداء البطريرك، استمرّ في هجوماته على المواقع كافة.

 

 

الاحد في 4 شباط 1990

 

تجددت المعارك بعنف في الساعة الخامسة والنصف من هذا الصباح. واتسع نطاقها بعد أن شنت قوات عون هجوماً واسعاً على مواقع القوات في عين الرمانة وفرن الشباك والاشرفيه والكرنتينا ونهر الموت والدورة وضبية وسن الفيل، وذلك تحت تغطية مدفعية كثيفة. وقد بلغ الوضع الانساني في المنطقة الشرقية حداً لا يطاق بشكل يهدد بحصول كارثة انسانية من جراء انقطاع الماء والطعام عن المواطنين المحاصرين في الملاجىء منذ خمسة أيام.

وردّ مصدر مسؤول في "القوات اللبنانية" على ما أدلى به مصدر مقرّب من عون حول حققة ما يجري، فقال:

"1- يدّعي المصدر أن "القوات اللبنانية" هي التي أشعلت الحرب. وهذا إدّعاء، أقلّ ما يقال فيه انه مخالف للحقيقة ومناقض للواقع. فالقوات اللبنانية إنما خاضت هذه الحرب مرغمةً، ومن موقع الدفاع عن النفس فقط لا غير، وبعد ان إتخذ عون قراراً بحلها وبدأ في اليوم التالي تنفيذ هذا القرار بالقوة العسكرية.

2- إن اتهام القوات اللبنانية بأنها تسعى من خلال ما يجري إلى إدخال السوريين إلى المناطق المحررة هو اتهام باطل. فالقوات اللبنانية لم تقم أيّ علاقة مع سوريا، في وقت لم يعد خافياً على أحد أمر الاتصالات التي أجراها والتي يجريها عون مع السوريين، وآخرها لم يمضِ عليه شهر، ساعياً لتسويق نفسه لرئاسة الجمهورية. والوزيران محسن دلول والبير منصور، بالاضافة إلى العديد من الموفدين، هم الشهود على ذلك. إن من قام بسحب كل وحدات جيشه عن جبهات المواجهة مع السوريين إنما يؤمّن الظروف المناسبة لدخولهم عبر تفريغ الجبهات أمامهم، في حين أبقت القوات اللبنانية على جميع عناصرها، في جميع المراكز التي تتواجد فيها مع السوريين. ان القوات اللبنانية، وقد جرّت إلى الصراع في الداخل طالما سعت إلى تفاديه، تعلن انها ستدافع عن نفسها كائناً ما كانت التضحيات. وهي تؤكد مجدداً التزامها الدفاع عن المناطق الحرّة وعن لبنان بوجه أي محاولات للسيطرة عليه من قبل الجيش السوري أو من قبل أي دولة غربية".

وجاء في بيان للدكتور سمير جعجع: "أعلن من موقعي كقائد للقوات، والكل بات يدرك قوتها وفعاليتها ومركزها وحجمها، أن قرار إلغائها مستحيل. وأعلن أن القوات مستعدة للإلتزام التزاما كليا وفوريا بوقف إطلاق النار، تجاوبا مع كل النداءات وتحسسا بالمسؤولية. ونحمّل من لا يلتزم وقف النار مسؤولية تدمير المجتمع وقتل الناس. والشعب والتاريخ سيحاكمان في النهاية".

وفي حديث هاتفي مع إذاعة "صوت لبنان" قال الدكتور جعجع: "إن الحدث اليوم كان في الضبية بدل أن يكون في سوق الغرب. وإني آسف أن دماء وأموال وعرق هذا الشعب التي اشترينا بها خلال عشرين سنة معدات عسكرية ثقيلة ومتقدمة جداً، تستعمل في الشوارع لتهديم لبنان بدل إعماره. وتستعمل لتضييق رقعة لبنان بدل توسيعها او لتحرير لبنان. مؤسف أن نرى هذه الآلة العسكرية التي وضعنا دمنا على مدى سنيّ الاستقلال لتطويرها تستعمل في الشوارع في المدن والقرى ضد الاهداف المدنية والمستشفيات والمنازل والاطفال والنساء".

 

وكان السفير البابوي المونسنيور بابلو بوانتي وغبطة البطريرك صفير والمطران خليل ابو نادر وجّهوا نداءات لوقف القتال والعودة إلى الوضع الطبيعي والعمل في سبيل إعادة السلام إلى الوطن. لكن النداءات كلها خنقها العماد عون باصوات مدافعه ودخان الحرائق التي سببها.

 

 

الاثنين في 5 شباط 1990

 

أعلن المطران خليل أبي نادر والآباتي بولس نعمان والمحامي شاكر أبو سليمان في بيان لهم انه نتيجة الاتصالات المستمرة التي اجروها في الساعات المأسوية الماضية مع قيادة عون وقيادة القوات اللبنانية، توصلوا إلى اتفاق لوقف النار بين الفريقين اعتباراً من الساعة الثانية والنصف من يعد الظهر.

أعلنت مصادر "القوات اللبنانية" التزامها الفوري بالقرار. وذكرت وسائل اعلامها ان الأوامر صدرت إلى جميع مقاتلي "القوات اللبنانية" للالتزام بهذا القرار. لكن العماد عون لم يتأخر في إسقاط هذا القرار.

وصدر عن الشعبة الخامسة في هيئة الاركان العامة في القوات اللبنانية بياناً بسير العمليات. ومما جاء فيه: "ان مقاتلي القوات ملتزمون تماماً بأوامر قيادتهم بالاقتصار عن الدفاع عن النفس والاكتفاء بصدّ الاعتداءات على مراكزهم".

وكان الدكتور سمير جعجع قد اعتبر "أن المطلوب من كل الوسطاء وسعاة الخير، وخصوصاً غبطة البطريرك صفير، عدم التعامي عن حقيقة من يفجر الوضع ويحبط كل مساعي التهدئة ويسقط قرارات وقف النار، وقول الحقيقة، كما هي، والاشارة بالاصبع إلى اليد المجرمة التي تريد الاستمرار بالقتال ظناً منها أن بامكانها تسجيل انتصارات وتحقيق مكاسب. وقال إن المسألة اليوم، ليست مسألة صراع بين القوات والجيش، بل هي مسألة الوجود المسيحي في لبنان الحرّ والآمن والفاعل".

 

 

الثلاثاء في 6 شباط 1990

 

انفجر قتال عنيف في السادسة والنصف صباحاً. وتميّزت المعارك الشرسة في هذا اليوم السابع بسيطرة قوات عون على منطقة ضبيّة. وقد ذكرت "رويتر" ان 1200 جندي وكتيبة مصفحات وكتيبة مدفعية ثقيلة ضغطوا في هجمات متواصلة حتى السيطرة على ضبيّة. وقال مصور صحافي قام بجولة في ضبيّة ومناطق من بيروت الشرقية: "الدمار رهيب مروّع ولا يمكن وصفه".

وأصدرت الشعبة الخامسة في القوات اللبنانية بياناً حول عدم اجتماع اللجنة المشتركة، قالت فيه:

"بعدما كان قد تمّ أمس الاثنين، الاتفاق على وقف اطلاق النار، بعد الاتصالات التي اجراها المطران خليل أبي نادر، والاباتي بولس نعمان والمحامي شاكر أبو سليمان، وبعدما شكلت لجنة من "القوات اللبنانية والجيش"، وبعدما تمّ تحديد موعد الاجتماع الأول للجنة في منزل المحامي أبو سليمان، تبلغ ممثلو "القوات" أن ممثلي الجيش لن يحضروا الاجتماع بحجة أن الوقت ليل. فتم تحديد موعد ثانٍ للاجتماع عند الحادية عشرة والنصف من قبل ظهر اليوم (الثلاثاء) في مقرّ السفارة البابوية في حريصا.

"وقبل انعقاد الاجتماع الأول، عمدت جماعة عون إلى خرق وقف اطلاق النار وشنت هجوماً كبيراً على منطقة ضبيّة مهدت له بقصف مدفعي عنيف وكثيف، أدّى إلى دمار كامل وشامل. مما أثبت مرة جديدة الخدعة التي يعتمدها عون. كما يثبت امعانه في اسقاط كل الوعود لا سيما تلك التي يعطيها للسفير البابوي، كما يثبت في التدمير المدفعي المتكرر تخطيه كل القواعد في الحروب، حتى الحروب التي تخاض بين ألدّ الأعداء.

 

وأدلى مصدر مسؤول في "القوات اللبنانية" بتصريح قال فيه:

"في هذا الوقت الذي يدفع الألم الناس الكفر بالجميع، القاتل والمقتول، الجزار والضحية، يهمّ "القوات اللبنانية" أن تذكر بما بأتي:

"أولاً إن "القوات" هي منذ بداية الاحداث الأخيرة في موقع الدفاع عن النفس. ومن المنطق والطبيعي ان تتوقف عن القتال عندما يتوقف المهاجم عن اعتدائه. لذا فان التزامها وقف اطلاق النار التزاماً كاملاً هو من بديهيات الامور، بل من أهدافها الأساسية. وهي تسعى مع جميع الوسطاء إلى إنجاح مساعيهم الخيّرة.

ثانياً إن القوات اللبنانية هي وليدة هذا المجتمع المؤتمنة على كرامته ورزقه وحياته. ولا يمكنها في أي حال من الأحوال ان تشترك مع المعتدي في اطالة زمن المحنة والذل الذي تذكيه جماعة عون. وبالتالي لا يمكن "للقوات اللبنانية" الا أن تكون ملتزمة وقف اطلاق النار وإن أحرجت، ردت بأقل قدر ممكن من الخسائر.

"ثالثاً إن "القوات اللبنانية" تقاتل باسم شهدائها العشرة آلاف، باسم بيار الجميل وكميل شمعون اللذين لو كانا حيين في هذا الزمان الرديء لكانا على رأس "القوات" في مقاومة حرب الإلغاء والابادة. فلو كان في رؤوس تلامذة الاعلام العوني ذرة من شرف ومن معرفة بقدسيات التاريخ المسيحي لاستنكفوا عن اختلاق الأكاذيب عن مهاجمة "القوات" منازل الرؤساء بشير الجميل، كميل شمعون وشارل الحلو والأمر لا يستأهل الرد بل الشفقة".

 

ووجّه الدكتور سمير جعجع نداء إلى الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران يناشده فيه "التدخل السريع" لايقاف "هذه المجزرة".

 

وكان الدكتور جعجع قد أدلى بتصريح قال فيه:

"إن حرب الغاء "القوات اللبنانية" قد انتقلت من حرب الغاء "القوات" إلى عملية افناء الشعب اللبناني فالمواطنون ومنازلهم وممتلكاتهم والمؤسسات الانسانية والمدنية والمنشآت الحيوية والمتاجر والمصانع وغيرها من كل مظاهر المدنية والاجتماعية، كل ذلك يتعرض لحرب ابادة شاملة وافناء تام.

ان ما يشهده لبنان اليوم يتخطى كل تصور وكل عقل وكل ضمير. وهذا ما لا نرضى به ولن نرضى به بتاتاً ولن نألو جهداً في مواجهته ووضع حد له".

وشدّد الدكتور جعجع على ان "القوات اللبنانية" انبثقت من هذا المجتمع. ولاجله تناضل. وليست المرة الأولى التي ندافع فيها عن هذا الشعب والمجتمع".

وقال: "انني اعد الجميع باننا لن نألو جهداً بالدفاع عنهم والعمل الدؤوب المضني للحفاظ على مستقبلهم ومستقبل لبنان مهما كان بالتضحيات الغالية. اما انتم يا أبطال "القوات اللبنانية" يا أبطال الحرب مع الخارج والسلم في الداخل، يا أبطال المواجهة مع الخارج وصدّ المؤامرة في الداخل، لكم تحية إكبار وإجلال وتقدير ومحبة. ونحن للبنان، واننا المدافعون عنه حتى آخر نقطة من دمنا".

 

وذكرت جريدة "السفير" في نشرتها يوم الخميس 8/2/1990 الخبر التالي:

"حضر إلى مكاتب "السفير" محمود عميرات (سوري) الذي بث "تلفزيون عون" امس الاول اسمه وصورة عن بطاقة هويته، على أساس انه أسير من أسرى "القوات اللبنانية" بعد سيطرة "قوات عون" على منطقة ضبية.

وذكر محمود عميرات انه اعتقل من قبل الجيش في بيروت بعيد الاجتياح الاسرائيلي للبنان. وأفرج عنه بعد ثلاثة اشهر من دون السماح له باستعادة بطاقة هويته التي استخدمت كسواها "مادة" في الحرب الدائرة بين عون وجعجع".

 

 

الأربعاء في 7 شباط 1990

 

هل يمكن أن يغفر المسيحيون اللبنانيون للعماد ميشال عون؟

هذا السؤال طرحته إذاعة الفاتيكان تدليلاً منها على فظاعة المذبحة التي أوقعتها الحرب في صفوف مواطني المناطق الشرقية. وقد ترافق هذا السؤال مع أجواء سياسية محمومة خيّمت على الهدنة الهشة التي تعرّضت لخروقات عدة. ونقلت "فرانس برس" عن مصدر مقرّب من العماد عون قوله: استسلام القوات اللبنانية وحده سيضع حداً للمعارك.

الخميس في 8 شباط 1990

 

لجنة الوساطة بين العماد عون والقوات اللبنانية المؤلفة من المطران خليل أبي نادر والاباتي بولس نعمان وشاكر أبو سليمان وجورج عدوان أعلنت عن اتفاق امني سياسي لانهاء الحرب في المناطق الشرقية، هو التالي:

"بنتيجة الاجتماعات المتعددة التي عقدتها لجنة الوساطة مع كل من "دولة رئيس مجلس الوزراء قائد الجيش" العماد ميشال عون، من جهة، والدكتور سمير جعجع قائد "القوات اللبنانية" من جهة أخرى. وذلك من أجل وضع حدّ للقتال والمآسي الناتجة عنه وتوضيح الثوابت التي أقرّت والتي على اساسها ستطوى صفحة من الخلافات، وتفتح صفحة جديدة من التعاون للدفاع عن سيادة الوطن وحرية أبنائه وكرامتهم. وعلى أثر الاجتماع التمهيدي الذي عقد يوم الأربعاء بين اللجنة الممثلة للجيش، وتلك الممثلة للقوات اللبنانية، أذاعت لجنة الوساطة الاتفاق الآتي:

أولاً: تثبيت وقف إطلاق النار واتخاذ كافة الاجراءات لاعادة الحياة إلى طبيعتها.

ثانياً: التأكيد على عدم وجود أي قرار او نيّة بالغاء القوات اللبنانية وتوحيد البندقية والجهد العسكري، وحصر مهمتها في قضايا الوطن الدفاعية دون القضايا الامنية الداخلية.

ثالثاً: المحافظة على كيان الوطن والسيادة والتأكيد على الحريات العامة والتعددية السياسية وعدم الاحتكام الى السلاح لبتّ الخلافات السياسية.

رابعاً: مقاومة دخول أي جيش او قوى عسكرية إلى المناطق الحرّة.

خامساً: معارضة كل اتفاق يتنافى مع سيادة لبنان وتكوين مجتمعه التعددي وتوازن المؤسسات الدستورية فيه.

سادساً: تأليف مرجعية وطنية برئاسة دولة رئيس مجلس الوزراء العماد ميشال عون تبحث في إطارها القضايا الوطنية الأساسية".

 

 

الجمعة في 9 شباط 1990

 

فتح العماد عون جبهة جديدة عبر الهجوم الذي شنته قواته في أعالي المتن كسروان بغية اختراق جبهة "القوات" والانحدار نحو الساحل، وتحديداً إلى جونيه والمعاملتين.

وأصدرت هيئة أركان "القوات اللبنانية" بيانات متلاحقة عن اشتباكات كسروان، قالت في آخرها: "استغلت جماعة عون وقف اطلاق النار، وقامت في الخامسة من صباح اليوم السبت، بهجوم مفاجىء على محور داريا القليعات، مما دفع وحدات "القوات" إلى التراجع واحتواء الهجوم، وقامت في الساعة الثانية من بعد الظهر، بهجوم مضاد، فطردت جماعة عون من المواقع التي تقدمت إليها، وكبدتها خسائر كبيرة في الارواح والمعدات، بقي منها في أرض المعركة 15 ملالة وخمس دبابات، واسترجعت "القوات" كل مواقعها في المنطقة".

وفي بيانين آخرين، قالت هيئة الاركان ان قصف قوات عون شمل القرى الآمنة في كسروان والاحياء الآمنة المحيطة بالمقر العام "للقوات" في الكرنتينا.

كما قالت: "في الوقت الذي تنصب الجهود كافة على تثبيت وقف اطلاق النار ووقف هذه الحرب المدمرة التي طالت البشر والحجر وبرغم التعهدات المتتالية من عون وجماعته بالالتزام بوقف النار، كان آخرها الجمعة، خلال الاجتماع الأخير الذي عقد في مقر الكرسي الرسولي وفي بكركي، حيث تمّ التعهّد جهاراً أمام السفير البابوي والبطريرك صفير، ولجنة الوساطة بالتزام وقف اطلاق النار ووقف العمليات العسكرية، وعدم تحريك أي جندي من مكانه، وهذا التعهّد مدوّن في دفتر الاجتماعات، في هذا الوقت فاجأ عون قرى جرود كسروان بهجوم واسع شنه على محور داريا القليعات مستفيداً من حال الهدنة، في محاولة يائسة لتحقيق تقدّم ما، كما قامت مدفعيته بقصف الأحياء السكنية المحيطة بالمقر العام "للقوات اللبنانية".

 

إننا نضع هذه الحقائق أمام البابا يوحنا بولس الثاني، والبطريرك صفير، والرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران، والرأي العام اللبناني والخارجي وجميع المهتمين بوقف هذه الحرب التي بدأها عون ويصر على الاستمرار بها حتى آخر مسيحي".

وقالت مصادر "القوات" ان قصف مدفعية عون أصاب جامعة الروح القدس في الكسليك كما شمل القصف أحياء الأشرفيه، ومحيط مستشفى "أوتيل ديو" حتى المطاحن والجسر الواطي وطريق النهر وسن الفيل، اضافة إلى مناطق كسروان العليا والوسطى وساحل كسروان من الذوق حتى ساحل الفتوح مروراً بجونيه.

 

وفي اليوم نفسه أصدر الجيش الرافض للحرب التي شنها العماد عون على القوات اللبنانية "البيان رقم 1" بتوقيع "قيادة الجيش المحايدة في المناطق الحرة".

جاء في هذا البيان:

"نظراً للظروف المأساوية التي تمر بها المناطق الحرة منذ أكثر من احد عشر يوماً، ونتيجة لفشل كل المحاولات التي جرت لوقف هذه الحرب، والتي سيؤدي استمرارها إلى زوال لبنان، وبسبب الوضع المأساوي الذي أوصلت سياسة العماد عون البلاد اليه، وكون استمرار الصراع سيؤدي حتماً إلى تحطيم الآلة العسكرية للجيش اللبناني الذي طالما جاهدنا وعملنا من أجل بنائها، وانطلاقاً من قناعتنا بأن الصراع الداخلي ليس لمصلحة أحد، بل هو دمار للجميع في المناطق وفي لبنان عموماً، وكوننا أقسمنا يمين الولاء للوطن وليس لشخص، واستناداً إلى كل ذلك، قررت مجموعة من الضباط في الجيش اللبناني في المناطق الحرة ما يأتي:

أولاً: عدم الدخول في الصراع الدائر حالياً.

ثانياً: دعوة جميع ضباط وجنود الجيش الرافضين لهذه الحرب، إلى الالتحاق بثكنات الجيش في قضاء جبيل.

ثالثاً: إنشاء قيادة مؤقتة لهذه القوى بقيادة العقيد الركن بول فارس، مقرها ثكنة عمشيت.

 

وبعد صدور البيان رقم 2 الذي تحدد فيه "قيادة الجيش المحايدة" أماكن تجمع العسكريين الراغبين في الانضمام إليها، وجّه العقيد الركن بول فارس نداءً إلى الضباط والرتباء والجنود في المنطقة الشرقية، جاء فيه:

"نداء من القلب إلى القلب، انتم تعرفون العقيد بول فارس، وتتذكرون الظروف الصعبة والايام الصعبة التي عشناها معاً خلال الحرب، وأنا أعرف أن الكثير منكم رافض لهذه الحرب وغير مقتنع بها، نحن أعطينا الجنرال عون كل شيء طلبه من تأييد ودعم وتضحيات وصار من حقنا أن نسأله إلى أين أنت ذاهب"؟

"لم ننشىء الجيش لتقتيل العسكر ولقتل شعبنا ولندمر بيوتنا، أدعوكم الآن فوراً كي تخرجوا من هذه اللعبة الوسخة التي يلعبها الجنرال عون، ارفضوا أوامره والتحقوا فوراً بصفوفنا، أقول لكل ضابط ورتيب وجندي، انه حان الوقت ليقف كل واحد وقفة ضمير بينه وبين نفسه ويأخذ القرار بعدم الاستمرار في القتل وفي هذا الاجرام، كل واحد يختار يتحمل نتيجة اختياره؛ اتركوا الجنرال عون قبل فوات الأوان".

"وللجنرال عون أقول، أنت جنرال مجرم، مجرم بحق شعبك ومسؤول عن كل المذابح التي تحصل، واقل شيء تستحقه هو الاعدام رمياً بالرصاص.

 

 

الثلاثاء في 13 شباط 1990

 

أصدرت الشعبة الخامسة في هيئة الأركان العامة في القوات اللبنانية بياناً قالت فيه:

"في الساعة الخامسة من بعد ظهر اليوم شهدت المناطق التابعة لجماعة عون تحركات وتجمعات عسكرية وغير عادية لا سيما في منطقة سن الفيل وقرب كنيسة مار تقلا في البوشرية. وسجلت اشتباكات بالاسلحة المتوسطة والقذائف الصاروخية، ولا سيما محور اوتيل ديو المتحف، والشيفروليه عين الرمانة. وما تزال هذه الاشتباكات مستمرة، تعنف حيناً وتخف أحياناً (السابعة مساءً)".

 

وفي خلال جولة قام بها الدكتور سمير جعجع على ثكنات الجيش في منطقتي جبيل وكسروان، عرض تطور العلاقات بين الجيش والقوات "ودور الذين عملوا على تعكير هذه العلاقات لغايات في النفس، في وقت كان السعي قائماً بجدية واخلاص من جانب قائد القوات اللبنانية وقيادتها لإضفاء أجواء المحبة والتآخي بين أبناء القضية الوطنية. ولكن كل ذلك كان يقابل بالنفور وتعكير الأجواء في شتى الطرق والوسائل". وعدّد الدكتور جعجع جملة وقائع وحوادث في هذا المجال. وقال لمجموعة من الضباط والرتباء الموجودين في عهدة "القوات" أن هناك توجيهاً داخل المؤسسة العسكرية بالتعدّي على عناصر "القوات" التي حرصت خلال فترة طويلة على الصمت والسعي إلى التقارب ورفع الحسابات.

ولفت الدكتور جعجع النظر إلى سلسلة وقائع تشير إلى سوء النيّة لدى العماد عون في المرحلة التي سبقت 14 شباط مروراً بحرب التحرير وانتهاء بما جرى وسبق التحضير لذلك قبل الحرب الأخيرة، معرباً عن ألمه لما حصل ويحصل.

 

 

الأربعاء في 14 شباط 1990

 

عقد الدكتور سمير جعجع مؤتمراً صحافياً ناشد فيه العماد عون بوقفة ضمير. وهذا بعض ما جاء فيه:

قال: "هذه الحرب يجب أن تنتهي عند الحدّ الذي بلغته. لقد كانت ضربة قوية جداً جداً تكاد تكون قاتلة للقضية اللبنانية. لقد كانت المنطقة الشرقية محور القضية اللبنانية. عصب القضية. المنطقة الوحيدة التي كانت غير محتلة هي المنطقة الشرقية. وهي المنطقة الوحيدة التي كانت بحركتها وامكاناتها المعنوية والسياسية والاقتصادية والعسكرية بامكانها أن تخلص كل لبنان.

وقال: "أريد أن أسأل الجنرال: هل خرج الفلسطينيون من لبنان؟ هل خرج السوريون والاسرائيليون؟ وأسأله: هل لم يعد "حزب الله" وأمل؟ والتقدمي الاشتراكي؟ وهل انتهت جميع الدعوات الأصولية؟ هل قمنا بتحرير لبنان وأصبحنا الآن في المرحلة النهائية لكي ننهي القوات اللبنانية؟ المقاومة اللبنانية مستمرة حتى تحقيق كل الأهداف المرسومة".

وقال: "أدعو الجنرال عون إلى وقفة ضمير تجاه كل ما يجري في المجتمع تجاه الخراب الذي يحصل. والموتى الموجودين في الطرقات. والجرحى الذين لا يستطيعون الوصول إلى المستشفيات. تجاه الامهات اللواتي ينتظرن. لأن الذي يفعله عجز السوريون وكل قوى الاحتلال أن يفعلوه. يجب أن يفكر ملياً بالذي يحصل، ويعرف أن هناك تاريخاً يحاسب وشعباً يحكم".

وقال: "نقترح كما ورد في بيان اللجنة الثلاثية إنشاء مرجعية وطنية برئاسة عون تضم 7 أو 8 شخصيات (أتصوّر أن هناك 7 أو 8 شخصيات يفهمون في هذا البلد)، حتى نبقى نحن والجنرال عون نتناقش في هذه الأمور الكبيرة. آمل أن يكون عرضي واضحاً. وآمل أن يفكر الجنرال ملياً في هذا العرض. وبرأيي أن هذه أفضل طريقة لإنهاء النزاع القائم. وبهذا يطمئن هو لسلطته التي لا نريد منها شيئاً. ونحن نطمئن لقضيتنا ووجودنا وحريتنا في الدرجة الأولى والتي لا نتنازل عنها".

الخميس في 15 شباط 1990

 

دخلت المنطقة الشرقية اليوم السادس عشر لحرب الإلغاء في جحيم من النيران والدمار. واتسم القتال الذي دار على مدى اربع عشرة ساعة متواصلة بعنف جديد لا سيما في محاور عين الرمانة وفرن الشباك والتحويطة وفرن الشباك وغاليري سمعان وذكرت مصادر أمنية أن عين الرمانة كانت تحترق وتحوّلت إلى ما يشبه كرة نار، حيث كانت دبابات عون تشق طريقها بالنار في منطقة تعجّ بالسكان، والقتال جرى من مبنى، ومن شارع إلى شارع.

وكان العماد عون أوصل مساعي لجنة الوساطة إلى طريق مسدود.

وأدلى الدكتور جعجع بتصريح قال فيه:

"على الرغم من المساعي الدولية والنداءات المتكررة من قبل قداسة البابا وغبطة البطريرك لوقف اطلاق النار، وعلى الرغم من مساعي التهدئة التي تقوم بها لجنة الوساطة الثلاثية للتوصل إلى وقف لاطلاق النار، ومع أن "القوات اللبنانية" تجاوبت مع جميع النداءات المخلصة لوقف عملية النزف والدمار، ومع انني أعلنت أمس، مبادرة سياسية تتخطى المبادىء التي تمّ التفاهم عليها سابقاً.

بالرغم من كل ذلك، يبدو أن العماد عون ما زال مصراً على تدمير المناطق الحرة فوق رؤوس بنيها، موجهاً المدفع من منطقة إلى أخرى ومن حي إلى آخر ومن منزل إلى منزل، إذ انه بادر، صباح اليوم، وفي الوقت الذي كان محدداً لاجتماعي مع لجنة الوساطة، إلى شن هجوم واسع وكثيف على أحياء عين الرمانة السكنية، ممهداً للهجوم بعملية قصف واسعة بكل أنواع الأسلحة على السكان الآمنين في عين الرمانة والاشرفية وسائر المناطق السكنية، وقد تصدت وحدات "القوات اللبنانية" لهذا الهجوم ومنعته من تحقيق أي هدف.

"إنني أحمّل العماد عون كامل المسؤولية أمام الشعب والوطن والتاريخ لما تقترفه يداه من جرائم يومية بحق الأطفال والنساء والشيوخ. إنه مسؤول عن كل بيت تهدّم، إنه مسؤول عن كل مواطن استشهد، إنه مسؤول عن الخراب والدمار في المؤسسات والممتلكات، إنه مسؤول أيضاً عن تدميره للجيش اللبناني، وأنا أحمّله المسؤولية عن كل النتائج السياسية السلبية التي ستتمخض عنها هذه الحرب على مجتمعنا وقضيتنا".

 

وكان الدكتور جعجع قد قال في حوار إذاعي مساء أمس:

"قبل ظهر أمس، كان أعضاء لجنة الوساطة الثلاثية مجتمعين بالجنرال عون في بعبدا، وأعضاء "حكومته"، أيضاً، ويأتي أعضاء اللجنة ويبلغونني أن لديهم مقترحات ويريدون الاجتماع بي، فأبديت موافقتي على الاجتماع معهم فوراً، واتفقنا على الاجتماع عند التاسعة صباح اليوم. وفي انتظار اجتماعنا، نفاجأ في السادسة صباحاً بهجوم شامل وساحق وماحق ومركز على عين الرمانة فاتصلنا بأعضاء اللجنة الثلاثية الذين فوجئوا مثلنا، وجربوا أن يتصلوا بالعماد عون، فغاب العماد عن السمع.

ورداً على سؤال، قال: إن هذه الحرب هي تدمير للقضية اللبنانية، التي هي الناس، فإذا لم يبق الناس فلن تبقى القضية، نتكلم بالمؤامرات وبالجيوش الأجنبية، فقد جاء شخص يريح كل المؤامرات ويفعل فعل كل الجيوش الأجنبية. وبضربة واحدة.

وأضاف: "الانسان بلا حرية لا شيء، ويصبح حيواناً، وحتى نعيش بلا حرية، فهذا غير وارد. لم نترك وسيلة الا واعتمدناها لتجنب هذه الحرب منذ سنة ونصف سنة، ومنذ 16 يوماً إلى الآن، لم نترك اتصالاً ولا وقفاً لاطلاق النار ولا نداءً ولا اقتراحاً الا وقدمناها، لكنها كانت بلا فائدة، لأن هناك شخصاً مصمماً على تدمير هذا المجتمع، ويريد أن يكمل طالما لديه الامكانيات حتى يدمره.

وقال: ان عون ينفذ مخططات كل أعداء لبنان، المحليين والاصوليين والاقليميين والدوليين.

ورداً على سؤال حول نداء البطريرك، قال جعجع: "لقد تكلمت مع البطريرك ووقف هذه المجزرة ُيطلب من الذي يفتعل المجزرة، نحن مستعدون في كل لحظة لوقف اطلاق النار.

وختم جعجع يقول: ان شعبنا، حالياً، يمر في مرحلة عصيبة جداً، لأن العدو من الداخل، وأؤكد أن ليست هناك مشكلة من دون حل، وكل ديكتاتورية لها نهاية. وستسقط أمام ضربات الحرية والمقاومة.. وأعطى مثلاً، "ما جرى لستالين وتشاوشيسكو".

 

 

الجمعة في 16 شباط 1990

 

طيلة هذا النهار، دارت اشتباكات عنيفة في المواقع المتقابلة والمتداخلة في عين الرمانة، بلغت ذروتها بين الحادية عشرة والثالثة عشرة والنصف. ثم تجدّدت الاشتباكات مع ساعات المساء الأولى. وقال شاهد عيان أن عين الرمانة مثل مقبرة ضربتها هزة أرضية. والدمار رهيب. ويجعل المنظر القلب يُدمي.

وقبل الظهر كان غبطة البطريرك نصرالله صفير قد زار العماد عون. وبعد الاجتماع قال البطريرك: "إزاء الحالة المتدهورة يوماً بعد يوم، وتجاه استغاثات المواطنين التي تأتينا من كل جانب، رأينا أن نقوم بزيارة الرئيس العماد عون، لنتباحث معه في هذا الوضع المأساوي. وعرضنا الأمور بالتفاصيل. وطلبنا منه أن يحترم الجيش وقف إطلاق النار ليتسنى للجنة الوساطة أن تتابع عملها ولكي تجد حلولاً لكافة المشكلات القائمة..."

وقال العقيد الركن بول فارس في مؤتمر صحفي: "ان الاستمرار في القتال إلى جانب العماد عون هو مشاركة فعلية في جريمة قتل الشعب وتدمير الوطن". ودعا الجيش إلى ترك العماد عون يتحمّل وحده مسؤولية الجرائم التي يرتكب.

السبت في 17 شباط 1990

 

في اليوم الثامن عشر من حرب الإلغاء دخلت قوات عون عين الرمانة، وسيطرت القوات اللبنانية على قاعدة أدما الجوية ومحيطها في كسروان بعد معركة عنيفة.

وانتهى النهار باتفاق على سحب عناصر الجيش المتواجدة في قاعدة أدما إلى منطقة المتن الشمالي بإشراف لجنة الوساطة وباتفاق على وقف شامل وكامل لاطلاق النار ووقف الحملات الاعلامية.

وكانت وسائل الاعلام في القوات اللبنانية قد تجاهلت طيلة النهار ما يدور في مناطق أدما ومحيطها حتى الساعة السابعة والنصف مساءً حين أعلنت هذه المصادر أن عناصر القوات اللبنانية تمكنت من السيطرة على أدما وكازينو لبنان ومحيطه، وأن عناصر المغاوير تراجعت إلى تلة كفرياسين.

وحوالي الساعة الثامنة مساءً أذاعت القوات اللبنانية بياناً قالت فيه:

بناءً على نداء البطريرك صفير، وبناءً على مساعي لجنة الوساطة، تعلن القوات اللبنانية وقفاً لاطلاق نار كامل وشامل، ووقف الحملات الاعلامية في المناطق الحرة، اعتباراً من الثامنة والنصف مساءً.

أما عملية إخلاء العناصر التابعة لعون فقد بدأت في الحادية عشرة ليل السبت وانتهت في السادسة صباح الأحد. وإن عناصر المغاوير خرجت بكامل آلياتها وعتادها.

وأصدرت غرفة الطوارىء الاجتماعية التي أنشأتها "القوات اللبنانية" في كسروان والفتوح وجبيل، بياناً قالت فيه: "تدعو غرفة الطوارىء الاجتماعية جميع اصحاب المنازل والاعمال التجارية في تلك المنطقة إلى العودة إلى بيوتهم ومحالهم لتفقدها ومتابعة دورة الحياة العادية. كما تعلمهم أنها تضع كل إمكاناتها في تصرفهم للمساعدة على تأمين الخدمات العامة".

 

 

الثلاثاء في 20 شباط 1990

 

دعا الدكتور سمير جعجع في تصريح صحافي له "إلى صنع سلام الأقوياء. لأن استعمال القوة تدمير للمجتمع ولأن سلام الأقوياء عضد للمجتمع وللقضية".

وأكد استعداد القوات اللبنانية "لعمل كل ما من شأنه وقف دورة العنف وإعادة الحياة إلى مجراها الطبيعي، كما أكد التزام القوات بمضمون المبادىء الستة التي على أساسها تمّ الاتفاق.

وأضاف: "جميعنا خاسرون في هذه الحرب المدمرة وغير المبررة". وحث لجنة الوساطة على متابعة جهودها بهدف حل كل المشكلات العالقة.

ودعا العماد عون "إلى الاستمرار في سلوك خيار الحوار، لأنه أصبح واضحاً أمام الجميع العواقب المترتبة على الخيار العسكري على شعبنا ومؤسساتنا".

 

 

الخميس في 22 شباط 1990

 

زار قائد "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع منطقة الأشرفية، حيث تفقد مواقع عناصره، وقام بزيارة إلى إذاعة "صوت لبنان"، الكتائبية وأدلى بحديث إذاعي، تناول ما انتهى اليه الوضع في المنطقة الشرقية.

عرّف الدكتور جعجع، في بداية الحديث، عن نفسه بالقول انه "ابن عين الرمانة وبشري، ابن بشري كمولد وطبيعة ووراثة وحضارة، وابن عين الرمانة كتربية. فمنزلنا في شارع زعتر، وتحديداً مقابل سينما "دنيا" وأشك في انه ما يزال هناك، خصوصاً بعد حرب السنتين، وابن ثانويات الدولة الرسمية وابن الجامعة الاميركية وابن المعهد الفرنسي للطب في ما بعد، ابن حزب الكتائب سياسياً، ومع بداية الحرب ابن "القوات اللبنانية"، ابن الكسليك، ابن الكنيسة المارونية المسيحية في لبنان".

ووصف زيارته إلى الإذاعة، بأنها زيارة تفقدية، وإن من واجباته "أن يتفقد كل أهالي الاشرفية وبيروت".

واعتبر "أن الدمار المادي ليس ذا قيمة، فـ"صوت لبنان" ليست بناية وحجارة ومفروشات، إنما تراث وتقليد وصوت الحرية والكرامة، والمهم أن يبقى هذا الجزء والباقي يمكن إعادة بنائه".

وحيا العاملين في الاذاعة على الجهد الذي بذلوه في هذه الفترة العصيبةالتي كنت أتمنى ألا تحصل ابداً".

وقال: "دعونا، لا نتحدث عما جرى، لأنه لا يفيد بشيء، وقد يضرّ، دعونا نتحدث عما يحصل الآن وما يجب أن يحصل، والذي سنضع كل قوتنا ليحصل. إن ما يحصل الآن هو عملية تطبيع شاملة للوضع في المنطقة الشرقية. وأريد أن أذكّر أن المنطقة الشرقية هي قلب لبنان، وإذا ضُرب هذا القلب فلا أمل بكل لبنان. الضرر لا ينحصر في هذا القلب فقط. لذلك علينا القيام بأي شيء حتى يتطبع الوضع في المنطقة الشرقية، وترجع الحياة إلى طبيعتها. أما مشكلاتنا السياسية وغير السياسية فنطرحها حول طاولة، ونستخدم العقل والحوار حتى نتوصل إلى الحلول".

وأوضح معنى تطبيع الوضع في "الشرقية" بقوله: "عودة الوضع إلى حالته الطبيعية، إلى ما كان عليه قبل 31 كانون الثاني، اليوم المشؤوم في تاريخنا، يجب أن نحفظه حتى لا نسمح لأنفسنا بالوقوع في يوم مماثل في المستقبل. والتطبيع يعني من دون معابر وخطوط تماس في "الشرقية" ومن دون قنص وخراب ودمار وسرقة وتعتير".

"بالحوار وحده نستطيع حل مشكلاتنا، ومن دونه لا حل لأية مشكلة. ومن هذا المنطلق، اعتقد بأننا اقتنعنا جميعاً بضرورة العودة إلى الحوار والهدوء والكلام الموزون لأنه وحده يحل مشكلاتنا".

ورفض تقييم "الحرب الداخلية التي حصلت" ، وقال: "إن كل الأطراف التي شاركت في هذه الحرب الداخلية هي منا ولنا وعلينا، لذا أرفض أن يكون هناك غالب ومغلوب ومنتصر ومهزوم، ما استطيع قوله إنها حوادث مؤسفة حصلت، وكلنا مهزومون ومنتصرون في الوقت ذاته، إذا عرفنا كيفية ترتيب الأمور. ومن هنا دعوتي إلى الجميع حتى ننتصر جميعاً بعد الأحداث التي حصلت".

ورأى الدكتور جعجع أن الأحداث ليست "أول أزمة أو قطوع يمر به الشعب، كثيرة هي العوامل التي تلعب دورها في أزمتنا، وهناك الكثير من القوى والكثير من المشكلات والبراكين التي لا بد أن تنفجر من وقت إلى آخر بالشكل الذي انفجرت به هذه المرة، ولكن في النهاية، فإن الفجر آت مهما طال الليل. وعلينا أن نتعالى فوق الجراح، ونضمدها، ونقف من جديد لمواصلة المسيرة وصولاً إلى الأهداف التي نذرنا أنفسنا من أجلها منذ 15 سنة".

وقال: أهدافنا ما تزال ذاتها، ومسيرتنا هي ذاتها من أجل لبنان الجديد الذي نحلم به جميعاً".

وعن التعزيزات العسكرية المتواصلة في المنطقة الشرقية، قال: "التعزيزات العسكرية كانت تجري قبل اليوم، يعني بالأمس وقبله، وكانت تجري في ظل الأزمة التي كانت موجودة والتي لا يستطيع احد أن ينكرها أو يتغاضى عنها. أما اليوم وغداً وبعده، فآمل بأن نشهد فكاً لهذه التعزيزات رويداً رويداً".

وعن الشائعات التي يتناقلها سكان "الشرقية"، ومنها زيارته إلى فرنسا ومغادرة عائلته لبنان، قال: "إنه شيء مؤسف. لكنني لا أريد أن أرد على كل شائعة تظهر، فالبلد هو بلد الشائعات، أنا لم أذهب إلى باريس، وإذا ذهبت، فبأية وسيلة؟ خطيبتي لم تسافر ويستطيعون زيارتها. إن الشائعات غريبة، والمطلوب عدم التوقف عندها".

ورأى إن السكوت هو أفضل وسيلة للرد على "حرب الشائعات"، التي وصفها بأنها "حرب نساء الفرن"، وتمنى على المواطنين عدم الأخذ بالشائعات، بل التحقق من صحتها.

 

 

الجمعة في 23 شباط 1990

 

انفجر الاحتقان العسكري والسياسي والاعلامي في المنطقة الشرقية، اشتباكات عنيفة في كل محاور القتال بين "قوات عون" و"القوات اللبنانية"، من بيروت إلى المتن الشمالي إلى اعالي كسروان.

وجاء التفجير اثر إعلان "القوات" المباشرة بفتح الطرقات وازالة الحواجز الترابية من جهتها، من طريق نهر الكلب البحرية والعدلية جسر بيروت، وطريق الدورة المرفأ، فيما اكدت مصادر عون الاعلامية ان هذه الخطوة هي خطوة استعراضية. لكن عضوي لجنة الوساطة شاكر ابو سليمان والاباتي بولس نعمان اعلنا انه تمّ فتح هذه الطرقات، وسيصار اليوم إلى فتح طرقات غيرها وازالة باقي السواتر.

وفيما كان الطرفان المتنازعان يتبادلان اطلاق النار، كان أهالي الاشرفية يؤدون صلوات بمختلف المذاهب المسيحية وفي الهواء الطلق من اجل عودة السلام.

وكان انهيار الهدنة الهشة التي استمرت خمسة ايام، قد ترافق مع اتصالات باشرتها لجنة الوساطة الثلاثية اعتباراً من السابعة صباحاً، لازالة العوائق والسواتر الترابية من الطرق في مناطق نهر الكلب وكورنيش النهر، تنفيذاً لاتفاق قالت وسائل اعلام "القوات اللبنانية" انه تمّ التوصل اليه بواسطة اللجنة الأمنية، وبمساعٍ من لجنة الوساطة. لكن وسائل اعلام العماد عون نفت حصول أي اتفاق، مشيرة إلى مناوشات تجري منذ التاسعة صباحاً على محاور سن الفيل.

وأكدت مصادر "القوات" انها فتحت جميع المعابر والطرقات من جانبها، وذلك في سلسلة بيانات ومعلومات اذاعتها، مشيرة إلى أن عضوي لجنة الوساطة الاباتي بولس نعمان وشاكر ابو سليمان تابعا عملية فتح الطرقات من مكتب رئيس أركان "القوات" فؤاد مالك.

واصدرت هيئة اركان "القوات اللبنانية" بياناً حول "الخروقات الأمنية" قالت فيه: "بينما كانت فرق الهندسة العسكرية في "القوات اللبنانية" تعمل على نزع الالغام وفتح الطرق، تجاوباً مع مساعي لجنة الوساطة، وفي ظل الهدنة التي التزمت بها القوات اللبنانية استجابة لنداءات المواطنين المتكررة بوقف هذه الحرب العبثية، ونتائجها المفجعة والمدمرة لقوى شعبنا وطاقاته، فوجئت الاشرفية ظهر اليوم الجمعة، بقصف عشوائي عنيف طال الأحياء السكنية بالقذائف الصاروحية. مصدره المناطق التي تسيطر عليها جماعة عون في سن الفيل والمتن الجنوبي".

"ان هيئة الاركان العامة في القوات اللبنانية تحمّل جماعة عون المنتشرة في حرج تابت ومحلة "البويك" وسن الفيل والـ"غولدن بيتش"، مسؤولية هذا الخرق غير المبرر للهدنة التي تصر القوات اللبنانية على الالتزام بها، حفاظاً على ما تبقى من مقدرات شعبنا وحياة المواطنين الأبرياء، الذين عانوا في ايام هذه الحرب بين الأخوة ما لم يعانوه في اشرس ايام المواجهة مع العدو المحتل".

 

وأصدر الدكتور جعجع بياناً جاء فيه:

"في الوقت الذي تتكثف فيه جهود جميع الخيرين من لجنة الوساطة إلى الفعاليات السياسية ورؤساء الاحزاب اللبنانية بالاضافة إلى الجهود الدبلوماسية التي يقوم بها العديد من الفرقاء الخارجيين بهدف اعادة المياه إلى مجاريها، ووقف دورة العنف والانتقال من حال الصراع العسكري إلى مرحلة الحوار العقلاني الهادىء نفاجأ من حين إلى آخر بتصريحات ومواقف متشنجة مبنية على جملة أضاليل بعيدة كل البعد عن الحقيقة والواقع ولا تؤدي إلى نتيجة الا إلى استمرار أجواء التشنج والتصعيد مما يعرض البلاد إلى أخطار شتى".

"وحرصاً منا على إعادة الحياة إلى مسارها الطبيعي والسير قدماً في تطبيع الوضع في المناطق الحرة، نعلن أننا لن نرد على مواقف كهذه ولا على الأضاليل. وندعو الجميع إلى التحلي بروح المسؤولية وتحكيم العقل، بدل إثارة العواطف والغرائز، لأن الحوار العقلاني هو السبيل الوحيد لحل المشكلات العالقة، والبديل عنه اصبحت نتائجه معروفة على المجتمع وعلى المصير الوطني".

 

وكان قائد القوات اللبنانية قد تلقى برقية من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران رداً على النداء الذي وجّهه اليه، جاء فيها:

"إن النداء الذي وجهتموه إليّ لأتدخل لايقاف المعارك بين مسيحيي لبنان، أثار شعوري واهتمامي، انني أفهم الشعور الذي ينتابكم في الوقت الذي يتعرض السكان المدنيون مجدداً لمحن مأساوية.

"لقد دعت فرنسا كل الاطراف المتصارعة إلى الالتفاف حول الشرعية، وقررت عملاً انسانياً لمساعدة اخوانكم المواطنين المتضررين من المعارك.

اشاطركم الرأي بضرورة بذل كل جهد لإنهاء هذا الجنون القاتل. واود التفاؤل بصمود الهدنة التي اتفق عليها ضمن المجتمع المسيحي، لأن اي حال اخرى تكون في غاية الأسف والاجرام. ولن توفر فرنسا جهودها لدعم كل عمل سلمي يوفر الأمن الذي هو حق كل المدنيين، ويوفر الرجوع إلى الشرعية التي هي ضمانة لبنان مستقل وموحد".

 

 

السبت في 24 شباط 1990

 

إستمرّ السباق المحموم بين التفجير الأمني وجهود تطبيع الوضع.

ورأى مراقبون أن العماد ميشال عون يعاني أزمة حادة مصدرها أن قواته العسكرية تعرضت على مدى عشرين يوماً من القتال المتواصل لضربات معنوية ومادية ولم تشفع لها انتصارات ضبيه وعين الرمانة. وكانت لدى "القوات اللبنانية" مقدرة على امتصاصها جعلت العماد عون أسيراً لفكرة واحدة: القضاء على "القوات" ودحرها في المواقع كافة، او التراجع وقبول الهزيمة بالتقسيط.

وفي تحليل إخباري قالت وكالة "رويتر" انه "بعد مضي نحو شهر على حرب مدمرة للسيطرة على الجيب المسيحي، يجد عون نفسه بين شقي رحى: أحدهما الهزيمة العسكرية والآخر فقدان المزيد من أنصاره". ونقلت الوكالة عن دبلوماسي غربي قوله ان "عون اندفع إلى شيء عليه أن يفوز به بالكامل او أن يفقده. لقد أخفق في تحقيق انتصار على ارض الواقع. وعليه الآن ان يفاضل بين خيارات قليلة متاحة لضمان بقائه على المدى الطويل. إنه متردد لأنه خيار صعب".

أما عن الوضع الأمني فقد اندلعت اشتباكات على امتداد المحاور المتقابلة وصولاً الى أعالي كسروان. وحال تجدد الاشتباكات دون استكمال مهمة لجنة الوساطة في فتح بعض المعابر.

وقالت مصادر "القوات اللبنانية" انه "فيما كانت لجنة الوساطة موجودة في قيادة "القوات اللبنانية" تتهيأ مع اللواء الركن فؤاد مالك وفرق الهندسة التابعة "للقوات اللبنانية" للتوجه إلى منطقة سن الفيل لفتح الطرقات هناك، بلغهم ان منطقة السيدة سن الفيل تتعرض لسقوط قذائف "ب7" ولرشقات قنص غزيرة منذ الحادية عشرة والنصف، مما أدّى إلى استشهاد عنصر من "القوات اللبنانية"، وقامت لجنة باتصالات مع المعنيين لوقف الخروقات والتعديات التي أخرت عملية فتح الطرقات".

وأدلى الاباتي بولس نعمان بتصريح مساء، أكد فيه مواصلة اللجنة في عملها، وقال: طالما هناك حوار بين اللجنة و"الدولة" و"القوات" فنحن لن نقطع الحوار. ومن يريد أن يقطع الحوار هذا شأنه. اما نحن فلا نقنط ولا نتعب ولا نضجر ما دام هناك خير للمواطنين وللمجتمع. وإذا كان أحدهم ينتظر أن نضجر أو نتعب، فلن نضجر ولن نتعب.

وأشار إلى عرقلة عمل اللجنة في سن الفيل لفتح طرقات سن الفيل. وقال ان ابو سليمان اتصل بالعماد عون وزاره لاحقاً وحصل منه على وعد بأن تفتح الطرقات غداً، كما حصل اتصال بقائد "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع الذي شجعنا على اكمال عملنا غداً صباحاً. لذلك سيحصل غداً اتصال مع الطرفين للعمل على فتح الطرقات.

وقال ابو سليمان: ان الاجواء الامنية لم تكن مساعدة لنا هذا الصباح، وحاولنا تهدئة الأمور لتتمكن فرق الهندسة من العمل، وقد زرت العماد عون، ومررت على الطريق التي فتحناها سابقاً العدلية الاوليفتي البويك فرن الشباك بعبدا، وابلغت عون ما جرى، وأبلغني بدوره أن هناك اصابات للجيش من القنص، ووعدني ان يتدخل غداً لنستطيع اكمال العمل في فتح طريق الجسر الواطي الدورة نهر الموت، لأن هذه الطرقات بحاجة إلى ضمان الامن عليها من قبل الجيش. "فالقوات" هي الموجودة عليها وهي ستقوم بفتحها.

وأدلى ابو سليمان بحديث إذاعي، نفى فيه أن تكون لجنة الوساطة مكلفة من قبل الفاتيكان او بكركي او اية جهة أخرى. وقال اننا متطوعون للعمل بدافع وطني.

 

وأكّد الاستاذ شاكر ابو سليمان وجود خلاف بين اللجنة والعماد عون، مما دفعه إلى التهجم على اللجنة في مؤتمره الصحفي الأخير. وقال: "اجتمعنا مع عون وقلنا له اننا لن نرد عليك. وعلى كل حال نحن بسبع أرواح. ولن نكف. وإذا توقفنا فستحدث حالة يأس نهائية عند الشعب اللبناني، لأنه ما زال هناك خيط رفيع يصل في ما بينكم. وهو قائم علينا. ولن نتراجع. وقلّ ما شئت عنا. فلن "تفرق معنا" اطلاقاً وسنكمل.

 

وسئل عن إمكانية تراجع العماد عون عن قراره بالغاء القوات اللبنانية.

فأجاب: "لقد قال في النقاط الست، بأنه لن يلغي "القوات" اطلاقاً، وستدرس "المرجعية الوطنية" مسألة توحيد البندقية، في ضوء الواقع والوضع والمستقبل، بكثير من الهدوء والحوار والعقلانية، وليس تحت القذائف والحروب".

 

 

الاثنين في 26 شباط 1990

 

قال رئيس هيئة الاركان العامة اللواء فؤاد مالك، في حديث اذاعي رداً على سؤال حول وقف اطلاق النار؛: :"وقف اطلاق النار غير ثابت، وفي كل يوم هناك خروقات ووقوع ضحايا من الطرفين ومن المدنيين، وبهذا فهو يشكل نوعاً من الاستنزاف في الأعصاب والطاقات ولكل ما ادخره المدنيون، ويشكل نوعاً من اللاأمن الدائم، الذي يؤثر على عودة الحياة الطبيعية وبالرغم من هذا يطرح السؤال: لماذا لا يوجد هناك حرب، وهذا ما يثبت فكرة ان "القوات اللبنانية" لم تكن طيلة حياتها في صدد الحرب بالاساس، وانها خاضت حرباً فرضت عليها لانها لم تكن تملك الخيار الا بين الحرب او الزوال. ففضلنا الحرب رغم كل ما فيها من مآس، كي نتابع مهمتنا.

وأضاف: وبعد استسلام "ادما" لم يحدث هجمات، وطالما لا توجد هجمات من قبل الجيش، فلا معارك هناك، ولماذا توقف الجيش؟ سؤال يوجه لعون، واعتقد ان الجيش ليس قادراً، او انه في صدد تحصير شيء ما، لا احب ان اتهمهم بسوء النية لكن الاحداث اثبتت حتى اليوم ان النوايا لم تكن صافية.

ورداً على سؤال حول فتح الطرقات والمعابر قال مالك: "تمّ الاتفاق مع الجيش على فتح الطرقات واجراء الانسحابات بوقت واحد، حيث تعود القوى إلى الثكنات او الجبهات، وكما هو معروف فان الجيش اخلى كل جبهاته بشكل كامل تقريباً، لكن الجيش لم ينفذ شق بند الانسحابات، وعلى رغم ذلك واظهاراً لحسن النية فتحنا الطرقات فتحنا معبر نهر الكلب، في الوقت الذي ظل فيه الجيش على ظهر النفق، وفتحنا كورنيش النهر كله، وفي آخره وصلنا إلى الطريق الموصلة إلى اوتسترادي التحويطة وسامي الصلح الذين ابقاهما الجيش مغلقين، لكن وسائل اعلام عون اعلنت مساء اننا لم نفتح اي طريق وهذا كله كذب وتلفيق وغش للرأي العام، واكثر من هذا صرحوا بأن الجيش لم يضع حواجز، وبالنتيجة فنحن الذين فتحنا الطرقات، بينما الجيش هو الذي أبقاها مغلقة.

واعلن مالك ان فتح طريق جسر الواطي كان من ضمن برنامج امس، وقال "من الطبيعي في الوقت الذي لا يقوم فيه الجيش بالانسحابات المتزامنة، ارتأينا فتح الطريق واخذ الاحتياطات كي نحمي انفسنا من أي هجوم، ومن الطبيعي أن نضع الحواجز تسمح بمرور سيارات ولا تسمح بمرور الدبابات وبدأوا بمطالب الا تكون الحواجز مرئية، او في امكنة محددة، واخذوا يطلبون منا كيف يجب أن نفتح الطريق، وكيف نقوم بحماية انفسنا منهم، من دون ان ينفذوا اي انسحاب او أي فك ارتباط لتطبيع الوضع على الارض، وهذا لا يكون باجبار المدني أن يمر بين سلاحين، بل يكون بارجاع العسكري عن خط التماس بشكل لا يظل هناك خطر حرب، وحتى الآن بعد انقضاء النهار نحن بانتظار الرّد منهم، وماذا يريدون أن يفعلوا، وهنا أنا لا استطيع إلا القول بوجود سوء نيّة مبيتة، ولهذا السبب فأنا مجبر على حماية نفسي منها".

وقال: "كي لا يكون هناك سوء نيّة، فنحن ندعوهم لمساواتهم بانفسنا. فننسحب وهم بدورهم يقومون بالانسحاب. وبرغم ذلك يرفضون العرض، فكيف نفسر ذلك؟ هذا ما اتركه للشعب كي يفسر من الصادق ومن المخلص ومن لديه نوايا مبيتة.

وحول خطر هذه العراقيل على وقف النار اعتبر مالك، "ان هذا الخطر موجود طالما القوى متواجهة في مختلف الاماكن والمراكز، وقال "يكفي لأي جندي او ضابط متضرر من إعادة الحياة إلى طبيعتها، خاصة وان هناك كثيراً من الضباط المتضررين في الجيش، أن يفتح النار، ويقتل عنصراً او مدنياً في الجهة المقابلة، وفي المكان الذي يسقط فيه القتيل تقطع الطريق وتشتعل الجبهة، وتمتد المعارك بعد ذلك إلى بقية الاماكن، وهكذا يسقط وقف اطلاق النار".

وحول لقائه مع لجنة الوساطة والحلول المطروحة، رأى ان اللجنة تبذل المزيد من الجهود، وتتحمل الكثير من المصاعب كي تخرج بحلول مقبولة، وأشار إلى انه قال للجنة ان الاتفاق المنطقي الوحيد الآن هو القيام بفك ارتباط، كأول مرحلة منطقية في إنهاء حالة حرب في أي مكان من العالم، وقال "عندما يريد جيشان وقف قتال بينهما يقومان بفك ارتباط كمدخل للسلم، فما ذنب المدني ان يمر حسب كيف عسكري "القوات" او عسكري الجيش، وهكذا فنحن نطرح حلاً لإنهاء كل هذا".

 

 

الثلاثاء في 27 شباط 1990

 

علّق مصدر مسؤول في القوات اللبنانية على ما ينسبه اعلام عون إلى لجنة الوساطة من انها تنتظر توقف عرقلة "القوات" تحركها لتستأنف عملها، بالقول:

"أولاً، تستهجن "القوات اللبنانية" تستر العماد عون واعلامه بالاستمرار بتسريبات منسوبة زوراً إلى لجنة الوساطة، في محاولة دؤوبة لاضفاء المصداقية والصحة على اكاذيبه، علماً أن القاصي والداني يعرفان ان العماد عون هو الذي توعد اللجنة بالملل والضجر، وعمل على تيئيسها".

"ثانياً: تجدد "القوات اللبنانية" للرأي العام المحلي والخارجي تأكيدها وموافقتها على اتفاق البنود الستة كاملاً، وهي أبلغت هذه الموافقة خطياً إلى لجنة الوساطة، في حين ما زال العماد عون يتملص من إعطاء موافقة صريحة ويبحث عن أساليب تمكنه من التملص من هذا الاتفاق، وعن تفسيرات لا تنطبق والنص الواضح للبنود الستة".

"ثالثاً: تلفت "القوات اللبنانية" نظر المعنيين إلى تجاهل العماد عون واعلامه البند الثالث من الاتفاق الذي ينص على عدم وجود اي قرار او نيّة بالغاء "القوات" وعلى توحيد البندقية وحصر مهامها في القضايا الدفاعية، مما يستدعي عملاً سريعاً في سحب "القوات" والجيش من عميق المناطق الحرة إلى الجبهات المحيطة بها مع "العدو" السوري، وهو ما يرفضه عون باصراره على إبقاء جيشه منتشراً في إحياء المناطق الخاضعة لسيطرته وزواريبها مما يوحي بنيات مبيتة لا توحي باعادة الحياة إلى طبيعتها".

"رابعاً: ان القوات اللبنانية توجه نداء جديداً للعماد عون للتخلي عن المراوغة وعن البحث عن سبيل سياسي او عسكري لالغاء "القوات" وإلى تجنب اية مغامرة جديدة في هذا الإطار، حفاظاً على ما تبقى من طاقات المجتمع العسكرية والاقتصادية والحيوية. وهي تحمله مسؤولية اي عمل متهور قد يقوم به، كما تحمله مسؤولية الاستمرار في سياسة الاستنزاف المؤسسات والمجتمع".

 

 

الأربعاء في 28 شباط 1990

 

إنفجر الوضع الأمني في الصباح الباكر على محاور العدلية حي السريان، وسن الفيل والدورة والدكوانة والنبعة والجديدة والبوشرية. وقد هزت أصوات الانفجارات الاحياء السكنية ودفعت بالمواطنين إلى النزول إلى الملاجىء.

ثمّ عقد رؤساء الطوائف الروحية اجتماعاً في بكركي برئاسة البطريرك نصرالله بطرس صفير بحضور بطريرك الارمن الارثوذكس كاراكين الثاني سركيسيان، وعن الروم ارثوذوكس المطرانين الياس عودة وجورج خضر، وعن السريان الكاثوليك المطران انطوان بيلوني، وعن الارمن الكاثوليك النائب البطريركي العام، وعن الكلدان المدبر البطريركي المونسنيور لويس الديراني وآرام كشيشيان والمطارنة رولان أبو جودة، بشاره الراعي، بولس اميل سعاده. دام الاجتماع ساعتين ونصف الساعة.

وفي ختامه أدلى المطران خضر بالبيان الآتي:

"اجتمع في صرح بكركي بكنف صاحب الغبطة البطريرك نصرالله صفير، وحضور صاحب القداسة البطريرك كراكين سركيسيان ورؤساء الكنائس المسيحية او مندوبين عنهم، وتداولوا في هذه الحال الحاضرة الحزينة المفجعة، وذلك بعدما صلوا مع الشعب المؤمن المحتشد في البطريركية، وتوصلوا إلى النقاط التالية:

"أولاً: وقف اطلاق النار نهائياً واحترام قدسية الحياة.

ثانياً: سحب المقاتلين والاسلحة إلى الثكنات.

ثالثاً: فتح الطرق والمعابر.

رابعاً: وقف الحملات الاعلامية.

خامساً: إعادة دورة الحياة الاجتماعية للمواطنين.

سادساً: اعتماد الحوار بين المسؤولين في المنطقة الشرقية في انتظار حل القضية اللبنانية نهائياً.

وتعليقاً على هذا البيان أدلى الدكتور سمير جعجع ببيان جاء فيه:

"اعلن باسم القوات اللبنانية التزامي الكامل بما ورد في بيان اصحاب الغبطة البطاركة كما أعلن استعداد "القوات اللبنانية" للتقيد الفوري بما ورد في هذا البيان من وقف لاطلاق النار وسحب المقاتلين والاسلحة إلى الثكنات وفتح الطرق والمعابر ووقف الحملات الاعلامية وإعادة دورة الحياة إلى طبيعتها والبدء فوراً بحوار هادىء من أجل حل كل القضايا السياسية العالقة".

"إن ما ورد في بيان اصحاب الغبطة والسيادة يعبر تماماً عن موقف "القوات اللبنانية" قبل هذه الحرب وخلالها وبعدها، فنحن لم نستعمل السلاح الا للدفاع عن النفس، وهذا من حقنا، لأنه لا يمكن أن نقبل بإلغاء المقاومة اللبنانية في الوقت الذي تسرح فيه على الأرض اللبنانية عشرات الالوف من الجنود الغرباء والعديد من القوى اللبنانية المسلحة".

"إن بيانكم يا اصحاب الغبطة والسيادة يمثل لنا التزاماً فعلياً وقراراً نأمل تنفيذه من الفريق الآخر ونأمل منكم الاشراف المباشر على ذلك معلنين استعدادنا لوضع كل امكاناتنا بهدف تنفيذ مضمونه".

 

 

الخميس في 1 آذار 1990

 

داس الجنرال عون على آمال التهدئة والمعالجات السياسية. وأسكت نداءات وقف النار بأصوات مدافعه وقضى على المساعي والوساطات بالامعان في أهدافه بتدمير الشرقية إذا لم ينجح في التحكم فيها.

فبيان الطوائف المسيحية، ومبادرة قائد "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع التزامه كلياً، وتحرك لجنة الوساطة سعياً لتنفيذ اتفاق البنود الستة الذي وافقت عليه "القوات اللبنانية" خطياً.

لكن كل هذه المعالجات وضعها الجنرال جانباً لأنها لا تحقق له استمرارية تسلطه. فعاد إلى اعتماد وسيلة حكمه منذ تسلمه الحكم. وعاد إلى أسلوب الارض المحروقة لتطويع من عليها.

وللتذكير فقط، اليوم يبدأ الشهر الثاني لحرب الالغاء والافناء والانهاء التي يشنها الجنرال عون على القوات اللبنانية ومواطني الشرقية.

التحرير التدميري عاد الجنرال يحاوله اليوم، وضحيته هذه المرة سن الفيل والنبعة حيث معظم مساكن عناصر الجيش الذين زجّ بهم في المعركة. لكن النهار انقضى ومحاولاته المستميتة باءت بالفشل.

وصدر عن الشعبة الخامسة في "هيئة الاركان العامة" في "القوات اللبنانية" البيان الآتي، حول الوضع الأمني:

"بينما كانت الاتصالات مستمرة بهدف الاتفاق لوقف ثابت لاطلاق النار وفتح الطرق، وبينما حدد في الساعة الثانية عشرة من ظهر اليوم موعد اجتماع موفدي القائد العام لـ"القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع روجيه ديب وجورج عدوان مع العماد عون، فوجئت المنطقة الشرقية صباحاً بعدد من الاعمال العسكرية من قبل جماعة عون اهمها:

"أولاً: اقفال معبر نهر الكلب من جهة تمركز جماعة عون منذ الصباح الباكر ووضع عوائق واطر دواليب من جهة الضبية.

"ثانياً: اطلاق رصاص القنص من قبل جماعة عون على السيارات المتوجهة على هذا المعبر.

"ثالثاً: اعتباراً من الساعة السادسة الا ربعاً، بدأ قصف مدفعي مركز على منطقة الاشرفية وسن الفيل والدورة وعلى كل المحاور بمختلف أنواع القذائف ومدافع الميدان".

"رابعاً: قامت جماعة عون بمحاولات تقدم على محور سن الفيل الحايك الصالومي مركز ميرنا الشالوحي، واستمرّت حتى الساعة التاسعة من دون ان تحقق أي تقدم. وقد مني المهاجمون بأكثر من خمسين إصابة.

"خامساً: الساعة العاشرة، حاولت جماعة عون القيام بهجوم مدعوم بالدبابات وتحت غطاء مدفعي كثيف على منطقة سن الفيل من كل المحاور فلم يتمكنوا من تحقيق أي تقدم".

"سادساً: شارك في هذه العمليات اللواء العاشر وسرية من مغاوير الجيش وسرية من الشرطة العسكرية والكتيبة 81، ولا تزال مناطق الهجوم تتعرّض للقصف المدفعي والرشقات النارية".

 

وصدر بيان آخر عن الشعبة الخامسة من "القوات" جاء فيه: "نتيجة الاتصالات التي قامت بها لجنة الوساطة، وبعد الهجمات العنيفة التي شنتها مجموعات عسكرية على مراكز "القوات اللبنانية" منذ الصباح الباكر تمّ التوصل إلى اتفاق لوقف اطلاق النار عند الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر اليوم ووقف جميع الحملات الاعلامية".

وقالت مصادر "القوات" انه على الرغم من وقف اطلاق النار، تعرض محيط كنيسة السيدة في سن الفيل إلى قصف مدفعي، استمرّ حتى الثانية والربع، في محاولة لتسجيل تقدّم من جانب قوات عون، واستمرّت الاشتباكات في كل المحاور، لا سيما في النبعة وسن الفيل.

ونفت مصادر "القوات" المعلومات التي ترددت عن تقدّم لقوات عون ووصفتها بأنها شائعات سرعان ما تبددت بعد أن اطلع مندوبو وسائل الاعلام على الوقائع على الأرض. وقالت أن الثابت هو أن أضراراً بالغة لحقت بممتلكات المواطنين.

وأدلى رئيس أركان القوات اللواء فؤاد مالك بحديث مساءً قال فيه: "كما يعلم الجميع اصدر مجلس البطاركة والمطارنة والرؤساء الروحيين في بكركي بياناً طلب فيه وقف إطلاق النار واحترام قدسية الحياة، وتضمن نقاطاً أخرى للحل، لكن الجنرال على عادته، قطع طريق نهر الكلب في الصباح الباكر، تحضيراً للهجوم".

وأضاف "بدأ الهجوم في الساعة السادسة على سن الفيل النبعة من محاور نهر الموت والصالومي وغاليري الاتحاد وميرنا الشالوحي. نحن نفهم ان الجنرال عون لا يحترم المقامات ولا الارتباطات المتعارف عليها، وقد تعودنا على هذا الموضوع. إنما الذي لا نفهمه، لماذا عندما يقرر العماد عون أن يهاجم، يقول ممثلوه في اللجنة الأمنية انهم يقومون بعمل محدود لاحتلال بناية يتمركز فيها قناص، بينما نحن نحمي أنفسنا من القناصة بإقامة السواتر. فهل نبدأ حرباً جديدة من أجل إزالة قناص، تستمر أكثر من عشر ساعات، دمرت فيها أبنية. وقتلت عناصر من الجيش و"القوات" ومواطنين أبرياء لا ذنب لهم. ولا نفهم أيضاً كيف يسمح عون لنفسه أن يدمر مدينة ليحتل بناية، فمن لم ير الأشرفية اليوم كأنه لم ير شيئاً".

وتابع يقول: "إذا كان عون يهاجم سن الفيل والنبعة فلماذا يقصف الأشرفية بالقنابل المحرقة؟ إذا كان يستهدف المراكز العسكرية فليقصفها بقنابل متفجرة، عدا عن انه لا يجوز ضرب أهداف عسكرية في أماكن اهلة، لأن نسبة الاصابة تكون واحداً على مائة".

وقال: "هل يستطيع الجنرال عون أن يفسر للمواطنين عمله هذا؟ احترام قدسية الحياة نادى بها البطاركة الموارنة قبل يوم، إنما هو بعمله اليوم لم يحترم قدسية الحياة، انه يضحي بعشرات العشرات من المقاتلين في الجيش و"القوات" ليحتل بناية".

 

 

الجمعة 2 آذار 1990

 

ذكرت مصادر "القوات اللبنانية" ان قوات عون حاولت في الصباح الباكر، تحقيق تقدّم على محاور سن الفيل، والنبعة لكن كل محاولاتها باءت بالفشل وأشارت إلى قصف مدفعي عنيف لمناطق سيطرة "القوات" لتغطية هذا التقدّم.

وأوردت المصادر التقرير الميداني الآتي:

"تراجعت حدّة القصف منذ حوالي الساعة الثامنة على الأشرفية وبعض المحاور، فيما استمر التوتر محتدماً على محاور سن الفيل النبعة. وظلت الحرائق مشتعلة في بعض الأبنية، ولا سيما في مناطق سن الفيل، النبعة، ذلك أن جماعات عون استخدمت مختلف أنواع القذائف الحارقة والمدمرة.

" وكانت المعارك قد دارت منذ السادسة من هذا الصباح على مختلف محاور سن الفيل النبعة، إمتداداً من مناطق السيدة الصالومي الشالوحي، غاليري "الاتحاد" وغاليري "خباز" معمل البيرة نهر الموت. وتعرّضت هذه المناطق لقصف استخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة ولا سيما الثقيلة ومدفعية الدبابات.

"وتوزعت القذائف في كل اتجاه، لتطول مناطق الأشرفية وأطرافها، والدورة ومختلف الأحياء السكنية كذلك إذاعة "صوت لبنان" التي خصتها مدفعية عون ببضع قذائف، وعادت الخسائر المادية تتكدس في الطرق من ردم واحتراق سيارات واشتعال حرائق".

"وكان المواطنون قد باتوا ليلتهم في الملاجىء في حين استمر القصف على الأشرفية خلال ليل الخميس الجمعة متقطعاً، وأصيب مستشفى الروم اصابات مباشرة أوقعت الكثير من الخسائر في المبنى وسائر الممتلكات في الساحات الخارجية".

10،15: تستمر المعارك على حدتها في منطقتي سن الفيل والنبعة، وما زالت جماعة عون مصرّة على أعمال التدمير والتخريب بالقذائف المحرقة والعشوائية وكل ما ظنت هذه القوى أنها حققته من تقدّم خسرته في دقائق وتقهقرت تاركة عناصر مطوقة في بناية "شويتر"، منذ مساء أمس (الخميس).

" سجل بين الحادية عشرة والثانية عشرة، سقوط قذائف على نهر الموت وكرم الزيتون والاشرفية وغاليري خباز في البوشرية مصدرها مرابض مدفعية عون قرب دير الصليب، كما تعرّض ساحل كسروان لسقوط عدد من القذائف، وخفت حدة الاشتباكات في الثانية الا ربعاً".

" وفتحت طريق نهر الكلب ظهراً، بعد اتصالات أجرتها لجنة الوساطة مع جماعة عون، التي كانت قد أقفلت هذه الطريق أمس الخميس، تمهيداً للهجوم الفاشل الذي شنته على مواقع "القوات" في بيروت".

وقالت المصادر في وقت لاحق مساءً، إن مواقع "القوات" في القليعات وداريا في كسروان، تعرضت لقصف مدفعي عنيف، وباشرت عملية تحصين وشمل القصف لاحقاً أحياء حي السريان في الأشرفية.

 

وأصدرت الدائرة الاعلامية في القوات اللبنانية بياناً نفت فيه " نفياً قاطعاً ما أذاعته بعض وسائل الاعلام المحلية والأجنبية من معلومات عن تقدّم أحرزته جماعة عون في منطقة سن الفيل وسيطرة على بيت الكتائب وكنيسة السيدة ومركز ميرنا الشالوحي".

ودعت الدائرة الصحافة المحلية والأجنبية الى الاتصال بها من أجل تأمين انتقال أي صحافي محلي أو أجنبي إلى المراكز المذكورة.

كما عرض تلفزيون "القوات" مساءً مشاهد لمنطقة سن الفيل، وقد بدت فيها مواقع "القوات" في محيط كنيسة السيدة وبيت الكتائب ومدرسة السيدة، وبناية "شويتر"، و"مدرسة الترقي للسريان" قرب مركز ميرنا الشالوحي، وجميعها ما زالت بيد "القوات"، وبدت من مسافة غير قريبة بناية الشالوحي، ويبدو أنها تحولت إلى خط تماس بين الطرفين وأظهر التلفزيون الاحياء التي خيضت فيها المعارك في سن الفيل وأطراف النبعة، وقد أصيبت بدمار كبير جداً، وقد غطى الدمار هياكل السيارات المحروقة في الشوارع.

 

وأدلى رئيس هيئة أركان القوات اللواء فؤاد مالك مساءً بتصريح، شرح فيه ما جرى في النبعة وسن الفيل، وقال: " إن جماعات عون فشلت في تحقيق أي تقدّم، وبعد هذا الفشل والمحاولة الفاشلة صباح الجمعة لتعديل ميزان المعركة لمصلحتها، تسللت خلال الليل ونسفت جسر الواطي بقصد قطع خطوط الامداد لمواقع "القوات" المتقدمة".

ودعا جميع وسائل الاعلام إلى التأكد من صحة معلوماتها قبل نشرها مشيراً إلى "أن كل الأخبار التي قالت أن هناك تقدماً لجماعة عون هي أخبار عارية عن الصحة".

وأوضح أن عناصر القوات ما تزال في كل مواقعها في النبعة وسن الفيل، وقال: " كل مراكز القوات صامدة، وإن شاء الله أن نكون قد أخذنا درساً من ذلك حتى لا تتكرر الهجمات في الشكل الذي تتكرر فيه كل فترة وحتى نسير إلى الحل العقلاني لحل المشكلات.

وكان مالك قد أدلى بحديث إذاعي قال فيه أن أي مفاوضات يجب أن تنطلق من ثابتتين أعلنهما قائد "القوات" وهما وجود القوات المتكامل والمستقل، وضمان الحريات السياسية والعامة.

وأوضح أن أي محاولة للهجوم على الأشرفية ستلحق إنكساراً جديداً بقوات عون، وقال " ننصحه بعدم التجربة".

 

وفي وقت لاحق أعلن مصدر مسؤول في "القوات اللبنانية" ما يأتي: "في إطار الأكاذيب التي يعمل اعلام عون منذ بداية المعارك على تلفيقها وبثها وتوزيعها تكررت اتهامات باطلة "للقوات اللبنانية" بخرق اتفاقات وقف النار واستغلال ما احترم منها للاستعداد لمعارك جديدة. إن "القوات اللبنانية" التي لم تكن منذ اليوم الأول للمعارك الا في موقع الدفاع عن النفس، والتي كررت مراراً وما تزال دعوتها إلى وقف النار ووقف فوري للتدمير داخل المناطق الحرة والتي حذرت سلفاً من مغبة الاستمرار في منطق محاولة فرض الحروب بالقوة العسكرية تؤكد على ما يأتي:

" أولاً: من منطق حرصها على الطاقات العسكرية والحيوية في المجتمع وعلى أرواح المواطنين وأملاكهم تجدد "القوات اللبنانية" الدعوة للتخلي عن الأوهام والاتعاظ من الوقائع المتكررة على مدى خمسة أسابيع، والتي كان آخرها أمس في سن الفيل والنبعة وبالتالي إلى اعتماد منطق الحوار بهدف تسوية المشكلات العالقة".

" ثانياً: ان "القوات اللبنانية" إذ تبدي كل نية حسنة وكل إيجابية مطلوبة حيال جهود الوسطاء وسعاة الخير تجدد تأكيدها على ما سبق والتزمت به من وعود وتعهدات شفهياً وخطياً على أمل أن يعود عون إلى صوابه ويتخلى عن قراره ونياته بإلغاء القوات اللبنانية مما يعني الاستفراد بالرأي والقرار.

" ثالثاً: إن القوات اللبنانية ترى أن الحوار هو الحل الوحيد والممكن للمأزق الراهن الذي أوصل عون المنطقة الشرقية اليه، غير أنها في الوقت ذاته مستعدة لمواجهة أي إعتداء على مواقعها ومؤسساتها في شكل رادع طالما استمرّ عون وجماعته في سعيهم العبثي إلى تحقيق أحلام لا تمت إلى الواقع بصلة".

كما أدلى مصدر سياسي في "القوات" ببيان قال فيه:

" على الرغم من مرور شهر على الحرب العبثية التي أعلنها عون لإلغاء "القوات اللبنانية"، مع ما يعني هذا الإلغاء من إحكام قبضة ديكتاتور على المناطق الحرة، والتفرّد بالقرار وفرض منطق الرأي الواحد، فإن عون واعلامه مستمران باطلاق الشعارات بهدف تضليل الرأي العام وتبرير فداحة الخسائر والأضرار التي لحقت بالوطن من جرّاء حروب عون التدميرية".

" في هذا الإطار يدأب عون وإعلامه منذ شباط 89 على التغني باخلاق حكومته وإطلاق شعار الدولة ضد الدويلة مستغلاً موقعه في محاولة لكسب تأييد المواطنين، في حين أن تصرفاته على الأرض منذ أكثر من سنة وحتى اليوم تؤكد أن تخيير المواطن بين الدولة والدويلة لا يعدو كونه شعاراً أفرغه عون من مضمونه بجملة وقائع نوضح بعضها للرأي العام وضعاً للأمور في نصابها:

1-   هل منطق الدولة ينص على إسكات كل الأصوات المعارضة، وضرب المؤسسات الشرعية والدستورية، ومنع العمل الحزبي، وتهجير القيادات، التي لا تقف في الرأي مع عون؟

2-   هل منطق الدولة يحتم وقف دورة الحياة الاقتصادية والمعيشية في البلاد، وقطع الطرقات، ونسف الجسور وضرب البنية التحتية على مختلف الصعد؟

3-   هل منطق الدولة ينص على إقفال المدارس وسوق الطلاب بالباصات إلى بعبدا للتظاهر وتعطيل السنة الدراسية بحيث لا ينهي الطالب أي من سني تحصيله العلمي في شكل طبيعي"؟

4-   هل منطق الدولة ينص على على تسليح مجموعات بشرية ونشرها في الأحياء والزواريب لممارسة أعمال "التشبيح" والاعتداءات ضد كل من لا يجاريها، ويجاري من يقف وراءها في الرأي؟

5-   هل منطق الدولة يقضي بتحويل الجيش إلى أقل من ميليشيا، وبضرب التراتبية العسكرية، وببناء هرمية مصلحية تصب في خانة رغبات عون وتسلطه واستفراده بمقومات لبنان المادية والعسكرية والأمنية والسياسية، والمالية والاقتصادية وغيرها"؟

6-   هل منطق الدولة ينص على تهجير أبناء منطقة ما او الاعتداء على مناصري فريق سياسي ما، وباعتقال تعسفي من دون محاكمة او مجرّد اتهام رسمي صادر عن الأجهزة المعنية في الدولة"؟

7-   هل منطق الدولة يفترض إسكات وسائل الاعلام التي لا تبايع عون على طريقته هو ومنعها من الصدور وتخييرها بين الاقفال التعسفي النهائي او الالتزام بما يفرضه عون عليها من قرارات؟

8-   هل منطق الدولة يقضي بالاعتداء على السفارات الأجنبية ودبلوماسييها وعلى المقامات الروحية، والصروح الوطنية، ومنازل النواب، وقصف المستشفيات ودور العبادة، ونسف السيارات وسرقتها وتوزيعها غنائم حرب على الضباط المحسوبين على عون"؟

9-   هل منطق الدولة بقضي بحرمان الموظفين من رواتبهم وتجويع عيالهم لا لشيء الا للاستمرار في التربع على الكرسي في بعبدا؟

10-     وهل منطق الدولة يرعى المحسوبيات والرشاوى؟

 

وقال: "إن هذه الممارسات لا تعدو كونها غيضاً من فيض دولته المزعومة، و"القوات اللبنانية" التي تنبّه الرأي العام إلى أضاليل عون واعلامه تضع برسم المراجع السياسية والروحية والدبلوماسية هذه النماذج من مقومات دولة عون المزعومة وتؤكد أنها ستواجه حتى النهاية هذه الأساليب الدكتاتورية والتوتاليتارية لاستعادة الحياة السياسية الحرة التي تعتبر محور بناء أي دولة حضارية عصرية".

 

 

الثلاثاء في 13 آذار 1990

 

طيلة يومي السبت والاحد في 10 و11 آذار تصاعدت حدة التسخين الأمني والاعلامي في المناطق الشرقية. وكان أبرز تطور عسكري ما حدث في محاور داريا القليعات حيث دارت اشتباكات بمختلف الأسلحة والدبابات استمرت من الحادية عشرة ليل السبت حتى الرابعة من فجر الاحد.

أما يوم الاثنين في 12 آذار فقد سجّلت مناوشات على محاور العدلية الاشرفية اوتيل ديو المتحف. وامتدّ التوتر ليشمل سن الفيل الدورة الصالومي إضافة إلى محاور المتن الأعلى وكسروان.

ويوم الثلاثاء في 13 آذار، تنقل التوتر بين محاور بيروت وساحل المتن الشمالي وأعالي المتن الشمالي وكسروان في محاور داريا القليعات عجلتون.

وذكرت "رويتر" أن معارك أعالي كسروان استمرّت أكثر من ثلاث ساعات بشكل عنيف.

 

ووزعت مصادر "القوات" كلاماً للدكتور سمير جعجع قال فيه: "في الوقت الذي تنصب كل الجهود في اتجاه إعادة دورة الحياة إلى طبيعتها في المنطقة الشرقية بعد الاعصار الذي لفها خلال شهر كامل، وفي الوقت الذي نعمل في مداواة جرح المواطن المعنوي والسياسي والجسدي والمادي بعد كل ما لحق به، وبعد كل الجهود التي يقوم بها المخلصون من مقامات روحية وعلى رأسها البطريرك نصرالله صفير والسفارة البابوية ولجنة الوساطة السياسية بغية الخروج من المأزق السياسي العسكري الحالي، باتجاه وطني شامل، يطالعنا البعض بين الحين والآخر بتصريحات تصعيدية لا تؤدي الا إلى صب الزيت على النار".

وأضاف: "وانطلاقاً من إحساسنا بفداحة المأساة المادية والبشرية والانسانية والوطنية والسياسية، وانطلاقاً من علمنا الأكيد أن الشعب بات يعرف كل الحقائق بدءاً بحقيقة من شن هذه الحروب مروراً بمن خرق ويخرق تباعاً وقف اطلاق النار ويشن الهجمات تلو الأخرى، ويعرقل الحلول السياسية الوطنية لمصلحة المصالح الشخصية الفردية وانتهاءً بمن ينتهك الحقوق الفردية والسياسية ويتعدى على الممتلكات الخاصة ويجبر مؤسسات الدولة وإدارتها لانتماء شخصي ضيق، يعرض كل مستقبل الدولة في لبنان ومؤسساتها إلى الخطر الأكيد وللتشرذم والانحلال".

وتابع: "وانطلاقاً من تمني لجنة الوساطة علينا ومختلف المقامات والشخصيات الاخرى، فإننا نحجم عن الرد على هذه الادعاءات التي باتت مكشوفة لدى الرأي العام، متمنين على أصحابها الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعقد الأمور ويعرقل المساعي، والمساهمة بكل نية حسنة في هذه المساعي، وفي محاولة للخروج بأسرع وقت ممكن من هذا النفق المظلم ضناً بالبشر والحجر والمواطن والوطن ولبنان والتاريخ".

ورأى رئيس هيئة الأركان العامة في "القوات اللبنانية" انه بات من الضروري توفير حد أدنى من التسهيلات للمواطنين، وتساءل لماذا لا يتم تطبيع الأوضاع بشكل كامل، مؤكداً أن الملح حالياً هو إبعاد المتقاتلين بعضهم عن بعض، بانتظار مجيء الحلول السياسية، التي ستضع حلاً نهائياً للمشكلة.

وجدّد تأكيده أن "القوات اللبنانية" وجدت لتبقى وقال ستبقى طالما القضية باقية، ولا يمكن أن تحل قبل أن تؤدي المهمة التي وجدت من أجلها.

ورأى أنه من الواجب عدم السماح بسقوط عناصر جديدة من الجيش و"القوات" ودعا لوقف النزف والوضع الضاغط، كي يكون بامكان المواطنين انتظار الحل السياسي.

وحول تسهيل انتقال المواطنين على المعابر وإمكانية فتح طرقات جديدة قال "طالما لم يسحب فتيل المعركة، فنحن لا نستطيع الانطلاق بأية خطوة زيادة عما قمنا به"، مجدداً تأكيده أن "القوات اللبنانية" كانت وما تزال في موقع الدفاع عن النفس.

وسئل عن الأنباء التي ترددت حول جولة جديدة من القتال قال "إذا كان هناك جولة جديدة فإن الأدلة المتوفرة عندي تنفي ذلك، لكن هل عند الجنرال عون نوايا للقيام بجولة؟ نحن نتمنى عكس ذلك".

واعتبر أن الهدنة الاعلامية لا تعني منع المواطن من معرفة كل ما يجري، بل تعني عدم التهجم على الطرف الآخر، وقال أن عون عود المواطنين مؤخراً على أن يفتش عن قميص عثمان من خلال الاتهامات التي يوجهها للقوات والتي لا تتعدى أموراً جانبية ولا تمت إلى المشكلة الرئيسية بصلة.

وسئل، عون اعتبر مؤخراً أن المشكلة مع سوريا ليست جوهرية بل شكلية. فقال: "نترك تفسير هذا للمواطنين. ومهما حاول أن يغازل سوريا فنحن لن نغازلها".

 

 

الثلاثاء في 20 آذار 1990

 

يوم السبت في 17 آذار وقعت اشتباكات في محاور أعالي المتن وكسروان وتخللها قصف عنيف طال قرى القليعات، عجلتون، ريفون وبلّونة. وأصابت قذيفة حارقة مبنى في بلّونة كانت تحتمي في ملجأه مجموعة من المواطنين. فأشعلت حريقاً أتى على ستة مواطنين.

وبعد ظهر الاحد في 18 آذار توتر الوضع في محاور سن الفيل الصالومي، والجديدة والبوشرية والجسر الواطي والليسيه. وأقفل رصاص القنص من مواقع قوات عون معبر نهر الكلب في الخامسة عصراً.

أما يوم الاثنين في 19 آذار فانفجر الوضع الأمني على نحو واسع في محاور أعالي المتن وكسروان. واستمر القصف حوالي سبع ساعات وشمل ساحل كسروان والمتن الشمالي من ضبيه حتى سن الفيل.

ويوم الثلاثاء، زار الدكتور سمير جعجع إذاعة "صوت لبنان" وردّ على أسئلة الصحافيين على النحو الآتي:

سئل: كيف تنظر إلى الحالة الأمنية والسياسية في الوضع الحاضر في هذه المنطقة؟

أجاب: " في الوقت الحاضر، الوضع الأمني مستقرّ بنسبة كبيرة جداً، ولكن برأيي أنه من دون التوصل إلى حلول سياسية كبرى للأزمة الكبرى التي مررنا بها لن نستطيع أن نطمئن إلى مستقبلنا... الوضع الأمني عادة لا ينشأ من أزمات أمنية بحتة، الأوضاع الأمنية تستلزم أوضاعاً سياسية ملائمة، لتكون هي ملائمة، من هنا، أقدر أن أقول أن الوضع الأمني مرض ولو غير كامل. والذي نتطلع إليه ونحاول الوصول اليه هو أوضاع سياسية مرضية تنشأ عنها حتماً أوضاع أمنية مستقرة ومستتبة، إن على مستوى الشرقية أو على مستوى لبنان ككل".

سئل: هل تنظر بإيجابية إلى المساعي الدبلوماسية؟

أجاب: " المساعي الدبلوماسية الأجنبية والمحلية، تجري في الاتجاه الصحيح برأيي. ومن هنا أنظر إليها بإيجابية وبكل الايجابية، وإذا كانت هذه المساعي ستؤدي إلى النتائج المرجوة او لن تؤدي، فمن الآن وصاعداً علينا أن ننتظر الأيام المقبلة حتى نعرف. ولكن آمل أن تؤدي المساعي السياسية إلى النتائج المرجوة".

سئل: هناك بعض الشعور بالايجابية هل أنتم في وارد هذا الشعور؟

أجاب: " أنا ما زلت عند نقطة الخمسين خمسين، أي نقطة الخمسين في المئة. أنا أرى أن الفرقاء المعنيين ما زالوا يفكرون ويعيدون حساباتهم ليعرفوا في أي اتجاه سيسيرون. وآمل أن يسير الجميع بالإتجاه الصحيح، بالإتجاه الواقعي، وبرأيي أنه الإتجاه الوحيد الممكن في الوقت الحاضر لنخرج جميعاً من هذه الأزمة. ولنجعل الكارثة التي حصلت انتصاراً للشعب اللبناني".

قيل له: لكن الخروج من الأزمة ليس مستعصياً، هل تنظر إلى هذا الأمر على انه قريب او سهل أو بعيد؟

أجاب: " لا أستطيع أن أقدر بشكل دقيق، لأنني دائماً أحب أن أكون متحفظاً وعلمياً وموضوعياً، ولكن آمل أننا بوقت ليس بطويل كثيراً، نستطيع أن نصل إلى النتائج المطلوبة بجهد ليس كبيراً جداً".

وعن نظرته إلى تطبيع الوضع في الشرقية؟ قال: "انه يسير بخطى ثابتة، اليوم وأمس كان الوضع طبيعياً أكثر من أي يوم آخر، وآمل أن يكون غداً وبعده طبيعياً مئة في المئة. ولكن أعود وأقول، أنه طالما الحلول الكبرى لم تحصل على المستوى السياسي، فإن الوضع الأمني سيبقى عرضة لمثل الانتكاسات التي تحصل".

سئل: ماذا نستطيع أن نقول للشعب الحائر بين الايجابية والسلبية والحذر والتحفظ؟

أجاب: "حائر أم ثائر؟"

قيل له: انه سيثور إذا بقيت الحالة بهذا الاهتزاز. قال الدكتور جعجع: "من أجل هذا يجب أن نعجل بالحلول".

وقال: "أريد أن أقول للناس، أنه ليس مفروضاً في أية مرحلة من المراحل أن يدب اليأس في النفوس ، أقول لهم أن الأمل بالمستقبل كبير، ولا شك أن الايام التي مرّت علينا صعبة، ولكن علينا أن نجرّب أن نصل إلى حلول على مستوى الوطن ككل".

 

 

الجمعة في 23 آذار 1990

 

إنفجر الوضع الأمني على نحو عنيف في محاور كسروان المتن.

وقالت مصادر "القوات" ان رمايات قنص محدودة سجلت على المحاور المستحدثة في ضبية يسوع الملك والجسر الواطي حرج تابت والعدلية "أوتيل ديو". كما سجلت عمليات قصف قبيل الظهر في محيط كفرذبيان وكفرعقاب. وكشفت الاتصالات التي جرت في شأنها بين أعضاء اللجنة العسكرية ظهراً، ان القصف الذي استهدف مواقع الجيش و"القوات اللبنانية" في كفرعقاب وكفرذبيان ناتج عن تدخل "طرف ثالث" في عمليات القصف التي توقفت بعيد الظهر".

وأضافت تقول: إن مواقع "القوات" في كسروان تعرضت بعد الظهر لقصف مدفعي، مصدره مواقع الجيش المقابلة. وتم في الثالثة بعد الظهر الاتفاق على وقف اطلاق النار لكن مواقع "القوات" في بقعتوتا ومواقع الجيش في كفرعقاب تعرّضت لقصف مجهول المصدر!

وأشارت إلى رمايات قنص على محاور السيدة وكنيسة السريان والاوليفتي والمتحف منذ الخامسة صباحاً، لرمايات رشاشة وصاروخية على محاور "غاليري الاتحاد" في الجديدة.

وقالت ان مواقع "القوات" في غاليري خباز (البوشرية) تعرضت في السادسة مساءً لسقوط خمس قذائف هاون وخمس قذائف صاروحية ب-7. كما سجل رصاص قنص على مواقع "القوات" في سن الفيل أدى إلى مقتل أحد العناصر. كما أطلقت قذائف صاروخية في السابعة الا ثلثاً مساءً، باتجاه مواقع "القوات" في محيط الجسر الواطي وجريدة "العمل".

 

 

الاحد في 25 آذار 1990

 

إنفجر الوضع الأمني على نحو عنيف في الصباح ودارت إشتباكات في محاور داريا القليعات عجلتون، انتقلت، بعد الظهر، إلى محاور الاشرفية العدلية، وسن الفيل والدورة والنبعة والجديدة وسد البوشرية وتبودل القصف على نطاق واسع.

وأكدت "فرانس برس" إن القصف المتبادل خلال اليومين الماضيين كان الاعنف منذ الاعلان عن وقف اطلاق النار الذي دعت اليه الكنيسة في الثالث من آذار (خرق في 14 آذار بالهجوم على سن الفيل).

وذكرت فرانس برس ان الاشتباكات استمرت خمس ساعات في المناطق الجبلية، وتبودل خلالها القصف المدفعي، وطالت قذائف عشرين بلدة.

وانتقدت مصادر "القوات" الاعلامية عون من دون تسميته، فقالت أن الشعب كفر بالشعارات البراقة والوعود الجوفاء بغية الهروب من الوضع الحالي.

ودعت إلى العمل الدؤوب ومن دون مماطلة لايجاد حلول نهائية وجذرية تخرج البلاد من دوامة العنف.

 

الثلاثاء في 27 آذار 1990

 

دارت اشتباكات عنيفة على أطراف الاشرفية من اوتيل ديو حتى الطبية. وسجل قصف مدفعي مركز على مواقع القوات اللبنانية في عجلتون والقليعات.

وعقد رئيس اركان "القوات اللبنانية" اللواء فؤاد مالك، مؤتمراً صحافياً، قال فيه أن الجيش يوجه قذائفه على المناطق السكنية في أعالي كسروان، بينما ترد "القوات" على مرابض المدفعية ولا تطال اية منطقة سكنية ولا المدنيين.

وأشار إلى أن المدنيين ما زالوا يعيشون في منطقة سيطرة "القوات" بشكل شبه طبيعي.

وأعرب عن أمله في ضبط الوضع الأمني والعودة إلى تنفيذ قرار وقف اطلاق النار.

وعن الخطوات المطلوبة لتثبيت الوضع الأمني قال مالك: ان خطوة حجب الرؤية في محاور نهر الموت والصالومي، كانت محدودة في الفعالية وفي الزمان. وطالما بقي المقاتلون في الطبقات الأرضية يخف نشاطهم، إنما هذا التدبير لا يعطي نتيجة على الارض ولا شيء يمنع المقاتل من العودة إلى الطبقات العليا إذا لم يتم تثبيت وقف النار فعلياً.

ورأى مالك "ان الحد الأدنى المطلوب لوقف اطلاق النار بشكل جدي، هو إبعاد المقاتلين عن بعضهم، وفك الارتباط".

وأعرب عن تمنياته بأن يكون الحل سياسياً، وتساءل "عن الكيفية التي يتم بها تسريب وبث الشائعات التي تتحدث عن قرب وقوع التفجيرات، حيث لم يقل ولا مرة متى تريد "القوات" مهاجمة العماد عون وتحسم المعركة، بل هناك دائماً متى سيهاجم الجيش "القوات" ومتى الجنرال عون سيحسم المعركة، ومتى سيقوم بتعديل الوضع العسكري، وميزان القوى".

وأشار إلى أن العماد عون نفسه أعلن منذ أيام انه سيعدل ميزان القوى.

وأكد انه لدى "القوات" كل الأسباب لكي يكون الحل حلاً سياسياً، وتمنى أن تكون كل التلويحات بالحسم مناورات لاثبات الوجود على الارض، وللتفاوض من مركز أقوى.

ورأى "ان تعديل ميزان القوى وخلق معادلات جديدة، لا يمكن أن يكون لصالح أي طرف، فكل من سيربح المعركة سيكون خاسراً والخاسر الأكبر هو المجتمع المسيحي". وقال "لهذا السبب فأنا أرفض القول أن الميزان يمكن أن يميل نحو الحل العسكري، بل إلى الحل السياسي".

وحول تحركات البطريركية ودور البطريرك قال انه من الواجب البدء بالعودة إلى الينابيع، أي الرجوع إلى التشاور والحوار ولمرجعية بكركي التي هي مرجعية أساسية للمسيحيين، وان تعود بكركي للعب دورها التي كانت تلعبه، بعد إنهاء وضع الاستئثار بالقرار".

وقال "نحن شعب ديموقراطي بدمه وطبعه، وشعب لا يقبل التحكم".

ورحب بالاجتماع المسيحي بمن يحضره وأكد مباركة "القوات" له، وتمنى أن يكون اجتماعاً ناجحاً، كي يعود الحكم كما كان "شورى".

وأشار إلى أن اللجنة الأمنية مستمرة في العمل، وإن الطروحات السابقة لم تتغيّر. وقال هناك اتصالات هاتفية بين الأعضاء لضبط أي خرق من دون عقد لقاءات دائمة.

 

 

الخميس في 29 آذار 1990

 

انعقد اجتماع ماروني في بكركي، استمرّ من الساعة الثالثة إلا ثلثاً وحتى الخامسة والربع، وحضره، برئاسة غبطة البطريرك نصرالله بطرس صفير، المطارنة بشارة الراعي ورولان أبو جودة وخليل أبي نادر وبولس إميل سعاده والاباتي باسيل الهاشم والوزراء السابقون قيصر نصر، لوسيان دحداح وجوزف الهاشم، وعضوا لجنة الوساطة الاباتي بولس نعمان وشاكر أبو سليمان، والامين العام لحزب الكتائب اللبنانية روجيه ديب وعضوا المكتب السياسي الكتائبي الفرد ماضي وجورج كساب، ورئيس حزب التنظيم الاستاذ جورج عدوان وعضو قيادة القوات الدكتور شارل شرتوني.

وكان الدكتور سمير جعجع قد حضر إلى بكركي قبل موعد الاجتماع. والتقى البطريرك ثم إنضمّ إلى المجتمعين.

وبعد انتهاء الاجتماع تلا ابو سليمان تصريحاً باسم المجتمعين قال فيه:

"لا يوجد في الحقيقة بيان ختامي، بل تصريح كلفت به من قبل المجتمعين. لقد استعرض المجتمعون المأساة التي نعيشها في هذه الأيام بكامل تفاصيلها ودقتها وذيولها المدمرة على شعبنا مجتمعاً.

وعرضت لجنة الوساطة ما قامت به حتى الآن. وتبيّن للمجتمعين أن هناك مسعى معيناً وحلاً سياسياً شاملاً تقوم به لجنة الوساطة بين كل من الرئيس العماد عون والدكتور سمير جعجع.

وكلّف المجتمعون اللجنة بمتابعة مساعيها وبسرعة معينة. وفي ضوء نتائج هذه المساعي ودرس هذا المشروع، سنعود إلى البطريرك لاطلاعه على النتائج. وفي ضوء هذه النتائج سيعيّن هو موعداً لاحقاً لاجتماع موسّع".

 

 

الجمعة في 30 آذار 1990

 

سقطت فرص الحل بعد أقل من عشر ساعات على إعداد شروطه السياسية والامنية، وتوصية اللقاء في بكركي برئاسة البطريرك بإعطاء لجنة الوساطة المسيحية مهلة 48 ساعة للحصول على أجوبة الطرفين المتنازعين على مشروع الحل المقترح.

وكانت جبهة القليعات داريا مسرحاً لهذا السقوط الذي انتشرت نيرانه في معظم المناطق الشرقية.

ووزعت "القوات" بيانات متتالية عن سير العمليات العسكرية كالآتي:

صدر عن الشعبة الخامسة في "القوات اللبنانية" ما يأتي: "في الوقت الذي كان جميع المسؤولين ينتظرون رداً واضحاً من العماد عون على ما تمّ التفاهم عليه في اجتماع بكركي امس الخميس، بهدف التوصل إلى حل شامل، قامت جماعة عون ابتداءً من الساعة الخامسة والنصف من صباح اليوم الجمعة، بقصف مفاجىء بجميع أنواع الاسلحة على مواقع "القوات اللبنانية" وعلى البلدات والقرى في بيروت وكسروان، وقد تركز الهجوم بشكل أساسي على ساحة القليعات حيث قامت وحدات "القوات اللبنانية" بصد الهجوم ورد المعتدين على أعقابهم، وتقوم الان وحدات "القوات اللبنانية" بعملية تنظيف لفلولهم".

ثم صرّح مصدر عسكري في "القوات" ما يأتي:

"بعد ثمان واربعين يوماً على هجومه على القليعات. وعلى هجومه الثاني في اليوم الثاني، وقبل أن تنقضي ثمان واربعون ساعة على مهلة مؤتمر بكركي شن العماد عون هجومه الثالث على القليعات. الهجوم الثالث، فجر اليوم الجمعة، مهد له عون بقصف مدفعي مدمر بدأ عند الخامسة والنصف. أعقب هذا القصف محاولات تقدم على محور شرقي القليعات قامت به الوحدات الاتية: سرية من المكافحة وسرية من القوة الضاربة وسرية من فوج المغاوير والكتيبتان 51 و53 من اللواء الخامس".

وبعد ساعتين ونصف ساعة على الهجوم تمكنت وحدات "القوات اللبنانية" من صدّه موقعة في صفوف المهاجمين خسائر فادحة في الارواح والعتاد. مما أرغم المهاجمين على الانكفاء، وعلى الاثر قامت وحدات "القوات اللبنانية" بملاحقة المهاجمين وتمكنت من إحراز بعض التقدم على الارض لتثبيت مواقعها.

وأصدر مصدر عسكري في القوات اللبنانية بعد الرابعة عصراً بياناً قال فيه: "عند الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر اليوم وبعد فشل الهجوم الصباحي، عاودت جماعة عون هجومها على محور شرقي القليعات بعدما أتمت تجميع وأعادة تنظيم القوى التي شنت الهجوم الصباحي، وأرفقت هذه الوحدات هجومها بقصف مدفعي عنيف ضاعف من حجم الدمار في البلدة. هجوم بعد الظهر تمّ إحباطه وعملت وحدات "القوات اللبنانية" على ضرب القوى المهاجمة، وارغامها على الانكفاء، ثم عززت المواقع الرئيسية التي سيطرت عليها.

وأشارت المصادر إلى أن القصف أصاب مستشفى الروم في الاشرفية.

وذكرت مصادر "القوات" مساء ان قوات عون شنت هجوماً، عند ساعات الفجر الأولى، على جبهة القليعات، إنطلاقاً من مواقعها في ساحة القليعات، وتمكنت حتى الساعة السابعة صباحاً من التقدّم إلى ثلاث بنايات متقاربة.

أضافت: بعد السابعة شنت "القوات" هجوماً مضاداً، فاستردت البنايات الثلاث، وتقدمت على محورين في جنوبي البلدة وشماليها. لكن هذا التقدم كان محدوداً.

وقالت: ان "القوات" تمكنت من رد الهجوم الثاني لقوات عون، بعد الظهر، وتجاوز ساحة القليعات، وتطويق كنيسة مار سمعان في البلدة من عدة جهات، ولم يبق لقوات عون في القليعات سوى طريق تربط الكنيسة بموقع "الرومية العسكرية".

وقالت: وهكذا تكون السيطرة "القواتية" على القليعات بنسبة 85 في المائة، وان هناك اتجاهاً لاكمال إبعاد قوات عون عن البلدة بكاملها، في وقت قصير.

وأوضحت المصادر، إن مغاوير وحدات عون قامت بهجومها الثاني على القليعات وهي ترتدي زي "القوات اللبنانية" وان جثث بعضهم ما زالت في أرض المعركة.

وكان غبطة البطريرك صفير قد دعا إلى وقف النار في نداء عاجل وملح، جاء فيه:

"هذا التقاصف المخيف المدمر الذي يلقي تبعته الجيش على "القوات" و"القوات" على الجيش، ماذا يريد المسؤولون عنه ومنه؟ وأي كسب سياسي؟

أفما تعلموا أنهم جميعاً خاسرون، وان أرواح الناس وممتلكاتهم ليست ملكاً لهم؟ أيدافعون عن المناطق المسيحية وهم يجعلونها أرضاً محروقة؟ لقد عيل صبر الناس عليهم، وقد تركوا بيوتهم إلى الاحراج في مناطق القتال هرباً من موت محتم، وهم والصليب الأحمر يستصرخوننا لنقول للمسؤولين أوقفوا القتال.

إننا والحالة هذه، نرى من واجبنا الضميري أن ننذرهم للمرة الثانية بأننا سنجدنا مضطرين إلى فصلهم من جسم الكنيسة التي يدعون أنهم يدافعون عن أبنائها باعلان حرمهم، فلا هم منها ومنا ولا هي ولا نحن منهم، ولقد أعذر من أنذر".

وأدلى قائد "القوات" الدكتور سمير جعجع تعليقاً على نداء البطريرك صفير بالآتي:

"إن نداءكم يا غبطة البطريرك هو نداء الراعي الصالح الذي لا يستطيع السكوت أمام هول المأساة التي حلت برعيته نتيجة للحرب المدمرة.

انتم تعرفون يا صاحب الغبطة موقفنا من هذه الحرب ومن الحلول المطروحة فلقد أيّدنا وما زلنا نؤيّد جهودكم وجهود كل المخلصين لوقف اطلاق النار. وساندنا كل المبادرات الهادفة الى التوصل الى حل شامل للمأساة. وموقعنا خلال اجتماع بكركي امس خير شاهد على ذلك.

ولكن النار لا يمكنها أن تتوقف من فريق واحد. بل يلزمها ارادتان غير متوافرتين حتى الآن.

"غبطتك تدرك والجميع يدرك من الذي تحدث عن قلب المعادلات قبل أيام، ومن الذي أعلن عن حشد الآلاف من الجنود وعشرات المدافع على جبهة كسروان من أجل تنفيذ ما نتكلم عنه. ومن الذي قاطع اجتماعت بكركي وقصفها قبل ساعات من انعقاد الاجتماع. ومن الذي حاول تهشيم دور بكركي بتصريحات ومواقف معلنة. ومن الذي يرفض الحلول السياسية باستمرار. ومن يرفض سحب المقاتلين حسب اتفاق وقف النار. المعتدي معروف من الجميع، وآن الاوان لتسميته بالاسم علّ ذلك يكون الطريق لوقف المعارك. أما نحن فمن ناحيتنا نعلن التزامنا المطلق وقف اطلاق النار، أي وقف اطلاق نار. لقد كنا وما زلنا وسنستمر في حال الدفاع عن النفس".

 

 

السبت في 31 آذار

 

استمر التراشق المدفعي في مناطق المتن وكسروان، جبلاً وساحلاً في أطراف بيروت، بعد الجنون الذي لفها خلال معركة القليعات.

وذكر مصدر عسكري في القوات اللبنانية "أن مسلحي عون حاولوا صباح السبت التسلل باتجاه مواقع القوات في جبهة القليعات. فردتهم على أعقابهم".

وجاء في مقدمة النشرة المسائية لـ"إذاعة لبنان الحر" أن "معركة القليعات أثبتت ان حسابات الحقل لدى عون لم تطابق حساب البيدر. وانه فقد القدرة على الامساك بالمبادرة، علماً أن "القوات اللبنانية" تأخذ في الاعتبار عوامل عدّة في موقفها العسكري وخصوصاً العامل الانساني، والذي يحاول عون استغلاله لمصلحته، لأن الجميع يعرف من أطلق الحرب، ومن يريد إلغاء "القوات اللبنانية" ومن يبادر إلى الهجمات لتحقيق ما يعتبره انتصارات كما حصل في الضبيه وعين الرمانة، وما يثير السخرية أكثر من سواه هو تبرؤ عون من كل ارتكاباته، فقد اعتبر اليوم أنه ابلغ لجنة الوساطة انه لم يضع العصي في دواليب أحد، ولا عرقل أي مسعى مؤكداً تأييده المطلق لأي جهد يؤدي إلى حلحلة الوضع القائم".

 

وأضافت: "عون ذاته، هو الذي كان، للتذكير فقط، يقفل خطوطه الهاتفية أياماً على مختلف المراجعات، خلال جولاته التدميرية، وهو نفسه الذي بشر لجنة الوساطة باليأس واتهمها بالانحياز، وفي كل الأحوال، التحركات اليوم، لم تغب كلياً عن الساحة، بهدف توضيح الوضع توصلاً إلى الحلول المطلوبة، كما أن التوتر الأمني استمر وإن بشكل محدود".

 

 

الاحد 1 نيسان 1990

 

دخلت حرب الإلغاء شهرها الثالث.

وتجددت الاشتباكات بتقطع في محاور داريا القليعات ومحيطها.

واستكملت لجنة الوساطة تحرّكها. وأدلى الاستاذ شاكر ابو سليمان بتصريح أشار فيه "إلى وجود مطالبة شعبية وسياسية بأن تواصل اللجنة مهمتها لوقف القتال، لا سيما بعد الكارثة التي حصلت في القليعات". وقال: "إن اللجنة هي الخيط الوحيد الذي يربط بين الفريقين".

وأضاف: "قررنا متابعة مهمتنا لأن أحداً في الخارج لا يهتم عملياً باستمرار محاولات وضع حدّ للنزف في الشرقية، ولأننا إذا تركنا عملنا لا يعود هناك وقف لاطلاق النار. كما أن الحاح المجتمعين في بكركي دفعنا إلى متابعة عملنا. لكنني أعود وأكرر انه لا يمكننا الاستحصال على وقف شامل لاطلاق النار إلا بحل سياسي".

وتابع: "لقد وضعنا العماد عون في أجواء اجتماع بكركي، وفي الحوار الهادىء والرصين الموضوعي الذي حصل أثناء الاجتماع. وكذلك لمتابعة الحل السياسي المقترح مع العماد عون. وسنتابع أبحاثنا مع الدكتور سمير جعجع وعندما ننتهي من هذه الأبحاث بأقرب وقت سنعرضها على البطريرك صفير".

 

 

الاربعاء في 4 نيسان 1990

 

عقد مجلس الاساقفة والمطارنة الموارنة اجتماعاً برئاسة غبطة البطريرك نصرالله صفير. وجرى البحث في نتائج الاتصالات التي قامت بها لجنة الوساطة والتحضيرات لعقد الاجتماع الماروني الموسّع.

وأوفد البطريرك، عصراً، المطران رولان ابو جودة والمطران بطرس الجميّل إلى العماد ميشال عون وقائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، ناقلين إلى كل منهما كتاباً من مجلس المطارنة حول ما تمّ التوصل إليه نتيجة المشاورات.

وفي ما يلي نصّ الكتاب:

"أمام الحالة التي وصلت إليها المناطق الشرقية وقد بلغت الذروة في المأساوية وحيال ما حل بها من تدمير وتهجير وما أصابها من شلل على كل صعيد من جراء حرب الشهرين، وشعوراً منا بواجبنا كرعاة للكنيسة المارونية التي تنتميان إليها، وبمسؤوليتنا الرعوية تجاهكما وتجاه ابنائنا الروحيين الذين نكبتهم هذه الحرب وهدمت بيوتهم ومصادر ارزاقهم وشردتهم على الطرقات في لبنان والعالم، فهاموا على وجوههم يتآكلهم اليأس ويهاجرون بالمئات كل يوم، مما سيفرغ هذه المناطق من سكانها ويهدد بالتالي مصير المسيحيين في لبنان والشرق، ويقيناً منا انكما لن تبغيا من محاربة احدكما الآخر، سوى تغليب رأي يزعم صاحبه انه يهدف إلى المحافظة على حقوق المسيحيين في وطن يتساوون فيه مع سواهم من المواطنين في جو من الحرية والسيادة والاستقلال الناجز التام، لكن النتائج جاءت عكس ما تصرحان به".

"ونظراً إلى أن حرب المواقع والاستنزاف لا يمكنها أن تستمر من دون أن تقضي على الوجود المسيحي، على الأقل في المناطق التي اتخذت ساحة لها، ونظراً إلى أن التحفز وراء الشرعية من جهة، والدفاع عن النفس من جهة ثانية، لا يثبت بوجه من الوجوه عندما تبيد الشرعية أبناءها، ويسحق حق الدفاع عن النفس الأبرياء الذين لا دخل لهم في حرب يسقطون ضحاياها بالمئات، نرى أن واجب الصراحة يقضي علينا أن نقول لكما بوصفنا مسؤولين روحيين عن مصير ابنائنا، وانتما منهم، ان واجبكما الضميري يملي عليكما:

"أولا: الكف عن التراشق بالتهم عبر وسائل الاعلام".

"ثانيا: وقف اطلاق النار وسحب الجيش وعناصر "القوات" إلى الثكنات".

"ثالثا: فتح الطرقات امام المواطنين ليعملوا على تأمين معاشهم ومعاش عيالهم، وامام الطلاب للعودة إلى مدارسهم".

"رابعا: الافراج عن المعتقلين".

"خامسا: الاتفاق مع اصحاب الرأي على مشروع سياسي يضمن للمسيحيين ما تريدان المحافظة عليه مما لهم من حقوق".

"واذا كنتما تعجزان عن الاتفاق، فان واجبنا الضميري ايضاً يملي علينا أن نقول لكما بمحبة واخلاص، ان استمراركما في تحمّل المسؤولية هو استمرار لتهديم الوجود المسيحي في لبنان وعمره الفي سنة وبالتالي لتهديم الكيان اللبناني".

"ان مصير المسيحيين لا تقرره بندقيتان متقاتلتان تنشران الذعر والموت والدمار، بل عقولهم وتضامنهم واخلاصهم الوطني ومحبتهم بعضهم بعضاً ومخافتهم الله، واتباعهم تعاليم الإنجيل الهادية إلى الخير والسلام".

وتعليقاً على الكتاب، ادلى الدكتور جعجع مساء، بتصريح قال فيه: "بناء على رغبة مجلس الأساقفة والمطارنة الموارنة المنعقد برئاسة البطريرك صفير، ولمناسبة اقتراب اسبوع الآلام الذي آمل أن يكون نهاية لآلام اللبنانيين، ورغبة في إعادة المياه إلى مجراها الطبيعي في "المناطق الحرة" ومن أجل تحقيق وقف نهائي للاعمال العسكرية والذي لا يتم الا بتسلم الجيش اللبناني الشرعي كل المقدرات العسكرية للجيش اللبناني الشرعي في لبنان عامة، وفي "المناطق الحرة" بشكل خاص، كون هذه الخطوة تعطي اطمئناناً وثقة للجيش اللبناني ولـ"القوات اللبنانية" وافساحاً في المجال امام قيام حوار سياسي هادىء قائم على اساس حل وطني شامل ركيزته الشرعية الواحدة المعترف بها دولياً، اعلن التزام "القوات اللبنانية" من طرف واحد، وكبادرة حسن نيّة، الهدنة الاعلامية، وهي أول بند في كتاب مجلس المطارنة والاساقفة".

"واطلب من كل وسائل الاعلام الصديقة والتابعة لـ"القوات" التزام الهدنة الاعلامية من جانب واحد، بدءاً من الثانية عشرة من هذه الليلة، كما أعلن استعداد "القوات" لتسهيل كل الحلول الامنية والسياسية القائمة على اساس وحدة المؤسسات الشرعية والسياسية منها والعسكرية".

 

 

الخميس في 5 نيسان 1990

 

لم يعش "الكف عن التراشق بالتهم" و"وقف إطلاق النار اللذان طلبهما كتاب مجلس الأساقفة والمطارنة اكثر من اربع وعشرين ساعة.

فعاد التراشق والقصف المتبادل.

وأشارت مصادر "القوات" إلى أن اذاعة "صوت لبنان" في الاشرفية تلقت مساء، عشرات القذائف المحرقة واصيبت بعض الغرف فيها، وقالت أن احياء سن الفيل والدورة والكرنتينا وساحل كسروان تعرضت إلى قصف مدمر وعنيف.

وقالت ان القصف استمر حتى ما بعد العاشرة ليلاً، وان قذائف سقطت قرب كنيسة سيدة البشارة في الاشرفية مما أدى إلى مقتل مواطنة واصابة ستة اشخاص كانوا خارجين من الكنيسة.

وصدر مساء عن "القوات اللبنانية" البيان الآتي: "في الوقت الذي تلتزم "القوات اللبنانية" بوقف اطلاق النار والحملات الاعلامية، نزولاً عند رغبة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، قامت وحدات عون عند الرابعة والنصف من بعد ظهر اليوم وبصورة مفاجئة بقصف مدفعي على المناطق السكنية في ساحل كسروان ووسطه، وصودف مرور شاحنة عسكرية لـ"القوات" محملة بالذخائر فأصابها القصف وأدى إلى انفجارها، فأحدث خسائر جسيمة بالممتلكات من دون أن يصاب احد من طاقمها بأذى، وعلى إثر ذلك اضطرت "القوات اللبنانية" للرد على مصادر القصف لاسكاته".

 

 

الاثنين 9 نيسان 1990

 

أدلى الدكتور سمير جعجع بحديث إذاعي، سئل في مستهله: لاقت مبادرتكم بتسليم الثكنات في "الشرقية" إلى الشرعية ترحيب أميركا واللجنة العربية الثلاثية، لكن العماد عون حذر العماد اميل لحود من الدخول إلى "الشرقية" كي لا يكون غطاء لـ"القوات" او فخاً للجيش. فما رأيكم بالترحيب الدولي والعربي وبتحذير عون؟

فرد الدكتور جعجع: "بالنسبة إلى التأييد العالمي والعربي فهو طبيعي ومنتظر، لأن هذه الدول أظهرت مرات عدة رغبتها في تسلم الشرعية لكل شيء في لبنان، وسياسة هذه الدول تقليدياً كانت دائماً باتجاه استتباب الشرعية واعادة نشرها على كل الأراضي اللبنانية. نتمنى أن تبقى هذه الدول على موقفها هذا، وأن يذهب هذا الموقف إلى أبعد من ذلك فيتجاوز المناطق الشرقية ليشمل كل المناطق اللبنانية".

وأضاف: "وفي ما يتعلق بتحذير عون للعماد لحود؛ هل نفهم أن قلب عون على العماد لحود، وهل يعترف عون بالعماد لحود أصلاً؟ فليوضح عون موقفه من هذه النقطة أولاً، فلك شيء حدود والمناورة أيضاً لها حدود، وإذا كان عون يخشى أن يكون هناك فخ منصوب للجيش، فاني أتصور أن أكبر فخ نصب للجيش في تاريخه هو الذي نصبه العماد عون. هل يقول لنا عون أين أصبح الجيش الذي تسلمه وكان عديده ثلاثين الف جندي"؟

وقال: "ليحدد عون موقفه من العماد لحود، فنحن حددنا موقفنا" اذا كان قلبه على الجيش يكفي أن يرفع يده عما تبقى عنده من الجيش حتى نعيد توحيد الجيش ونجعله جيشاً لكل اللبنانيين، الجيش الذي نعرفه ونريده بالتعاون مع او بادارة وقيادة العماد لحود.

وسئل: يقال ان الحكومة مترددة في دخول الشرقية بالجيش او بالسلطة، فإلى أي حد يمكن الأخذ بهذه الأقوال؟

فأجاب: "أنا لا أرى أي تردد عملياً، والأيام المقبلة ستكون خير دليل على ذلك. تعلمون انه في ظروف كهذه هناك أشخاص كثيرون يتمنون ان لا تنجح هذه الخطوة او لا تكتمل، وفي طليعتهم اعداء لبنان. والظاهر من خلال الاعلام أن أعداء لبنان والذين يحتلون لبنان والذين يريدون أن يبقى لبنان محتلاً هم ضد هذه الخطوة. فلا نستغرب الشائعات والتسويق الخاطىء لهذا الموضوع. ولا نستغرب وقوف البعض في الداخل كالعماد عون إلى جانب المشككين لأنه يبيّت اغراضاً من وراء هذا الموقف".

ورداً على ما قاله عون من انه لا توجد هناك مشاريع حوار سياسي مع "القوات" والنواب في ضوء مهمة لجنة الوساطة؟ قال جعجع: "كلمة حوار ليست موجودة في قاموس عون. ولو كانت موجودة لكنا تجنبنا الكثير من المشكلات على مستوى البلد وعلى مستوى المناطق الشرقية. من يقول لي مع من دخل العماد عون في حوار؟ ان عون يعرف لغة واحدة في التعاطي السياسي هي لغة الحرب. مع العماد عون لا يمكن أن تكون الا عميلاً او عدواً ولا يمكن لاحد أن يكون صديقاً أو نداً او محاوراً او باحثاً او منطقياً. من هنا نقول: عون لم يحاور أحداً، ولن يحاور احداً".

وحول ما تردّد على لسان عون من وعود بحصول مفاجآت سارة وقريبة؟ قال: "مع عون لا نتوقع الا مفاجآت مبكية ولا نتوقع الا مفاجآت سلبية. فهل يمر يوم من دون ان يعد عون الذين يحيطون به بمفاجآت ليبقى ممسكاً بهم؟".

أضاف: "من سنة ونصف السنة حتى الآن لم نفاجأ الا بالدمار والخراب والفشل والموت والسياسة الخاطئة وبالتشرذم وبقحط ما بعده قحط، وبتدهور ما بعده تدهور. ولم نفاجأ بما يسر. من هنا آمل الا يكثر عون من مفاجآته لأن الناس سئمت وباتت معتادة على الوعود المستمرة وباتت تعرف ما هي وعود عون".

وعلق على ما قاله بأن "القوات" تتقهقر وتلوذ بسياسة الاستخباء للخروج من عزلتها، فقال ضاحكاً: "احياناً يعجز المنطق، ويعجز الانسان عن المواجهة أمام اقاويل مثل هذه. انه أمر مضحك مبك. وأنا أتساءل من يعيش في عزلة حاليا؟ ومن يشكو ان لا احد يتكلم معه؟ او يريد التفاوض معه او محاورته؟ نحن أم العماد عون؟ وعلى من ينفتح جميع الفرقاء محليين وخارجيين عرباً أم عجماً، نحن كل الناس تنفتح علينا وكل الاطر مفتوحة امامنا. أما عون فممنوع على أحد أن يتكلم معه. ثم من الذي تقهقر، من الذي اراد أن يلغي الآخر خلال ساعات ثم تقهقر؟ ومن كانت معه كل المناطق الشرقية ولم تعد معه، ومن الذي كانت معه كل الشرعيات والسياسات ولم يعد معه شيء. من الذي كان كل الجيش معه ولم يبق معه اكثر من عشر الجيش، من الذي كان يملك كل التأييد العالمي والعربي ولم يعد معه شيء؟ نأسف أن نجري هذه "الجردة" للجنرال".

وأضاف: "كانوا يقولون ان أمين الجميل فرط بالتركة التي تركها له والده وشقيقه. برأيي أن عون فرط اكثر بكثير من الجميل. ولم يملك أحد ما كان يملكه عون، من سلطة شرعية غير منازع عليها، سلطة رئيس جمهورية ورئيس وزراء والوزارة كاملة وسلطة مجلس النواب والجيش بكامله، فبدل ان يحاول التقدم خطوة في مسيرة السلام والحل، اين أصبح؟ زاد على المشكلات التي كانت موجودة مشكلات أخرى، لم يترك حجراً على حجر، ولم يترك اخاً مع أخيه، ولم يترك شيئاً قائماً في البلد.

عون في اقصى حالات العزلة الآن. وأنا أتحداه ان يتكلم مع مسؤول واحد محلي أو أجنبي. أتحداه أن يستطيع التفاهم مع أي فريق أو يحاوره. وحالياً على الرغم من كل اتجاهاته فان سوريا ترفض الكلام معه على الرغم من كل نداءاته ومراسلاته واتصالاته. فقول عون يتنافى تماماً مع الواقع، وينطبق تماماً على عون، الذي تقهقر من موقع شرعي إلى موقع غير شرعي، من موقع قائد جيش إلى موقع شراذم مسلحة، من موقع كان يسيطر فيه على كل الشرقية إلى موقع بالكاد يسيطر فيه على قصر بعبدا، عون تقهقر شعبياً وعسكرياً وسياسياً، وبات في عزلة تامة".

سئل: هل تقتصر دعوتكم للشرعية على الجانب العسكري ان أنها تتناول مختلف المؤسسات الرسمية؟

فأجاب: "دعوتنا بدأت بالجانب العسكري لأنه الجانب الأكثر الحاحاً حالياً. لكن توسعت في ما بعد وهي تشمل الآن كل مرافق ومرافىء الدولة. بمعنى أن الشرعية والدولة مدعوة إلى أن تتسلم كل مرافقها واداراتها ومؤسساتها في الشرقية، بدءاً من سيار الدرك إلى وزارة الخارجية وكل الادارات والدوائر العقارية والامن العام انتهاء بثكنات الجيش والمرافىء. انها دعوة كاملة وشاملة على كل المستويات والاختصاصات فلتتسلم الدولة مؤسساتها لتعود إلى تأدية الخدمات للمواطن".

وعما إذا كانت هذه الخطوة تساعد على حل مشكلة دفع الرواتب لموظفي الدولة من المصرف المركزي؟ قال الدكتور جعجع: "ما من شك في ذلك، وهذه نتيجة حتمية لتسلم الدولة لجميع مؤسساتها. وآمل أن تحمل الايام المقبلة جديداً على هذا الصعيد. وأن يحصل الموظفون على رواتبهم من المصرف المركزي إن لم يكن هذا الشهر فالشهر المقبل".

وقيل له: نحن في أسبوع الآلام ونهايته قيامة المسيح. فأين لبنان من موعد قيامته؟ فقال: "لبنان يشرف الآن على نهاية آلامه. وأنا أعتبر أن هذه المرحلة هي مرحلة نهاية آلام لبنان. الآلام المرحلية على الأقل. وإذا أراد الله تكون القيامة المرحلية، حتى نبدأ التوجه نحو القيامة النهائية التي تحتاج إلى الكثير من العمل بعد والكثير من الجهد. إنها بداية نهاية المرحلة السوداء وبداية لمرحلة جديدة نتمنى أن نتمكن خلالها من إعادة بناء ما تهدم ولو متأخرين، والتفكير جدياً في كيفية حل القضية اللبنانية وكيفية عودتنا جميعاً إلى سكة الحل، ننطلق بها إلى لبنان الجديد".

 

 

الثلاثاء في 10 نيسان 1990

 

أصدرت هيئة الاركان العامة في "القوات اللبنانية" بياناً حول التفجير الأمني قالت فيه: "في محاولة يائسة لتغطية فشلها المستمر في تحقيق أي تقدم على الأرض وفي إطار سعيها إلى رفع المعنويات عند عناصرها المنهارة، قامت مجموعة من وحدات عون فجر يوم الثلاثاء، بالتسلل نحو محور عجلتون داريا، فتصدت لها احدى مجموعاتنا المتقدمة بعدما انفجر لغم أرضي بالمجموعة المتسللة، فأجبر من تبقى من عناصرها على التراجع نتيجة سقوط معظمهم بين قتيل وجريح.

وأضافت: "على الأثر فتحت مدفعية عون نيرانها على طول خطوط المواجهة الممتدة بين داريا والقليعات وعجلتون نزولاً حتى ساحل كسروان، لتغطية فشلها ولسحب المصابين من أرض المعركة.

وأشارت إلى أن مرابض مدفعية عون المنصوبة في قرنة شهوان وزبوغة والرومية وجورة البلوط، شاركت في القصف على كسروان مستخدمة القذائف الفوسفورية من عياري 155 و130ملم، حتى التاسعة والنصف من قبل الظهر، حيث تم التوصل إلى وقف لاطلاق النار.

وقالت مصادر "القوات" في معلومات أخرى، ان قصف مدفعية عون طال القليعات، عجلتون، جعيتا، ذوق مصبح حتى جونيه. كما تعرضت مواقع "القوات" في البرجاوي، وعلى خط النبعة الدورة الجديدة، لرمايات بالأسلحة الرشاشة والقذائف المدفعية والصاروخية من قبل مسلحي عون. ثم ساد هدوء حذر فترة بعد الظهر قطعته رمايات قنص محدودة في المحاور وقذيفتان على الاشرفية.

وذكرت أن قوات عون اقفلت صباحاً معبر الصالومي سن الفيل.

كما أصدرت الشعبة الخامسة بياناً آخر جاء فيه: "في الرابعة من بعد ظهر الثلاثاء وأثناء قيام احدى مجموعات "القوات" بمهمة الدورية في الاحراج الواقعة خلف مزرعة كفرذبيان، اصطدمت بمجموعة من مسلحي عون، تقدر بنحو ثلاثين عنصراً من المغاوير واللواء الثامن كانت تحاول التسلل نحو مواقع "القوات" ودار اشتباك عنيف أدى إلى سقوط خمسة قتلى في صفوف مسلحي عون وعشرة جرحى ثلاثة منهم في حالة خطرة.

وأضافت: "بينما كانت المجموعة المتسللة تحاول الانسحاب إلى الخطوط الخلفية حاولت ثلاث ملالات من الكتيبة 83 المتمركزة عند جسر داريا، التدخل لمساعدتها فعالجتها عناصر "القوات" بصواريخ المضاد للدروع مما أدى إلى احتراق وتدمير آليتين، وانقلبت الثالثة إلى قعر الوادي. وسقط "للقوات" في هذا الاشتباك عنصران وجرح آخران فقد احدهما بعد اصابته".

وقال إعلام القوات: "إن أجواء الارباك التي تحكم مواقف عون تنعكس أكثر فأكثر تناقضاً وهشاشة على وضعه، وهو يتخبط عشوائياً محاولاً إيجاد مخرج ما لعزلته، علماً أن المخرج الوحيد يعرفه الجميع ويعرفه عون لكنه يرفض الاعتراف به ولكن إلى حين".

وأضاف: "ان استمرار الأزمة بكل وجوهها اصبح من استمرار ميشال عون حيث هو مراهن على أوهام لم يعد أحد يصدقها إلا أصحاب العقول المريضة".

الخميس في 12 نيسان 1990

 

أوردت مصادر "القوات" معلومات أمنية قالت فيها:

"بدأت الاعتداءات التي مارسها مسلحو عون صباحاً بالقنص حيناً وقذائف "الاربي جي" حيناً آخر. وتوسعت هذه الاعتداءات اعتباراً من التاسعة حين بدأت الأحياء السكنية في الأشرفية وأطرافها تستهدف بالقصف، وبعد ذلك بدأ مسلحو عون قصفاً عشوائياً على الأشرفية وسطاً وأطرافاً فضلاً عن تسخين المحاور في الشرقية إضافةً إلى قصف على مواقع "القوات اللبنانية" والأحياء السكنية في كسروان، وتراجعت هذه الاعتداءات قبيل الظهر.

"وكان مسلحو عون قد بدأوا اعتداءاتهم ليل الأربعاء وفجر اليوم الخميس على منطقتي الأشرفية وكسروان فاستهدفت الأشرفية بقصف متقطع بقذائف الهاون. كما كانت بلدة بقاع توتة في كسروان عرضة لقصف مدفعي متقطع استمر لأكثر من 3 ساعات في وقت كانت مواقع "القوات" في نهر الكلب والأحياء السكنية في ساحل كسروان عرضة لرشقات كثيفة بالمضاد من قبل مسلحي عون المقابلة".

وذكرت المصادر أن رمايات القنص تجددت بعد الظهر، على مناطق سن الفيل.

وفي المواقف، أدلى قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع بحديث إلى صحيفة "القبس" الكويتية، قال فيه: "أنا لم أكن يوماً ضد أو مع اتفاق الطائف، وهو بالنسبة إليّ إتفاق مثل بقية الاتفاقات توجد فيه بنود إيجابية وأخرى تحتاج إلى بعض التعديلات. هذا ماقلته في البدء وأقوله الآن مجدداً".

وأضاف: "لا يمكن اطلاقاً المقارنة بين اتفاق الطائف والاتفاق الثلاثي، فبالنسبة إلى الوجود السوري مثلاً، فالاتفاق الثلاثي يقرّ بحقوق استراتيجية لسوريا في لبنان ويعطيها حرية التمركز في لبنان لمحاربة إسرائيل. أما اتفاق الطائف فيطلب منها بشكل واضح، وإن دبلوماسي، الانسحاب من البقاع لاحقاً وهذه النقطة أساسية بالنسبة إلينا."

وقال: "انني أنظر إلى الأمور بواقعية، هناك اليوم مسار اسمه الطائف يحظى بتأييد دولي واقليمي تام، لذلك على كل فريق او طرف يريد القيام بأي تحرك الانضمام إلى هذا المسار والعمل من داخله، فالأمر لا يستطيع مواجهته ليس سوريا وحلفاؤها اللبنانيون وحسب بل كل دول العالم أيضاً. لذلك أرى أنه يجب التعاطي مع الظروف بواقعية. وليس هناك من وسيلة اليوم للعمل السياسي، إن كنا نريد الطائف او لا نريده، سوى من خلال ما يسمى بعملية الشرعية".

ورأى "ان إرسال اللواء السادس إلى المناطق الشرقية في الظروف الحالية يحدث خلالاً في التوازن السياسي في البلد، وعملية مثل هذه تحتاج إلى بحث وطني شامل يتعلق بالأزمة اللبنانية بكاملها".

وقال: "إن القوات اللبنانية" لم تصادر سلاحاً من ثكنات الجيش. فالصراع كان دامياً وكان أن دمّر جزء كبير من العتاد. أما الباقي فتم استعماله".

 

الثلاثاء في 17 نيسان 1990

 

عاشت المناطق الشرقية عيد الفصح في ظل وضع أمني متفجر.

فقد تلاحقت الانتكاسات الأمنية. فدارت يوم السبت إشتباكات عنيفة في الخامسة صباحاً في محاور العدلية ساعة العبد أوتيل ديو وأطراف الأشرفية النبعة والدورة.

وفي يوم العيد، الأحد، تجددت الإشتباكات، ولكن بشكل متقطع.

ونهار الاثنين، جرى تبادل بالقصف المدفعي لمدة ساعتين. وطالت القذائف ساحل المتن الشمالي وأحياء بيروت، مما اضطر الناس للعودة إلى الملاجىء، وذلك للمرة الأولى منذ أسبوع. كما تعرضت المعابر والطرقات إلى رصاص القنص.

ونهار الثلاثاء توتر الوضع في المحاور كافة. وذكرت مصادر "القوات اللبنانية" أن مواقعها في محيط الأشرفية والأحياء السكنية في وسط الأشرفية تعرضت ظهراً لقصف بالدبابات والمدفعية. كما تعرّضت ذوق مصبح ونهر الكلب ومحيط كنيسة السيدة والصالومي في سن الفيل والنبعة والجسر الواطي، إلى قصف بالهاون ومدافع المضاد. وانحسرت حدة القصف بعد الظهر إثر إتصالات أجراها أعضاء اللجنة الأمنية.

وفي بكركي، اجتمع غبطة البطريرك نصرالله صفير لمدة ساعتين مع الدكتور سمير جعجع والرئيس شارل حلو وعضو لجنة الوساطة الأباتي بولس نعمان.

بعد الاجتماع قال الدكتور سمير جعجع: "هذا اللقاء هو واحد من الاجتماعات التي طرح فيها الوضع العام والمخارج والحلول الممكنة وكيفية التحرك للوصول إلى الحل".

وسئل: هل عرض عليكم الرئيس حلو صيغة تحرك معينة او مقترحات تسهل الحلول السياسية؟

أجاب: "طرح أجواء أكثر منها مقترحات وخطة عملية، وقد تداولنا جميعاً في هذه الأجواء وتمّ تحويلها إلى نوع من الخطة العملية".

وسئل: تحصل خطوات على الأرض منها تسلم الثكنات في المنطقة الشرقية في القاعدة البحرية وصربا، إضافة إلى خطوات تسلم إدارات الدولة، هل من تقدم سياسي معين على الأرض؟

أجاب: "هذه الخطوات" بحد ذاتها هي تقدم سياسي على الأرض، لأن هدفنا جميعاً في النهاية بسط سلطة الدولة ومؤسساتها وإداراتها على كل الأراضي اللبنانية، فكيف بالأحرى في المنطقة الشرقية، لأنه لا يمكننا تصور أي وجود أو أي بقاء أو أية قضية من دون دولة".

 

وسئل عن احتمالات حصول تفجير عسكري، فقال: "نحن لا نيّة لدينا في أي تفجير. وآمل أن لا تكون هناك نيّة لدى العماد عون. ونحن قمنا بما علينا ولا نستطيع ان نقدم أكثر، ونرجو العمل حتى يسير الحل في البلد ونصل إلى الانفراجات".

ونفى وجود أي ترابط بين تحرّك الموفد العربي الأخضر الإبراهيمي والتحرك الفرنسي باتجاه العماد عون والتحرك المحلي، وقال: "انها جهود من اتجاهات مختلفة نحو هدف واحد والعامل الجامع بينها هو دخول الشرعية".

وأكد رداً على سؤال وجود اتصالات مع الرئيس الياس الهراوي: "لكن هذا لا يعني أنها استنزفت أغراضها، إنما هي موجودة ومستمرة".

وعما إذا كانت قد تمت تسوية عقدة بعبدا؟ قال جعجع: "هذا ما يجري العمل عليه".

 

 

الاثنين في 23 نيسان 1990

 

انفجر الوضع الأمني بشكل عنيف في مختلف المحاور المتقابلة بين قوات العماد ميشال عون و"القوات اللبنانية" وتعرضت مناطق بيروت الشرقية والمتن الشمالي وكسروان ساحلاً وجبلاً إلى قصف مدفعي من الطرفين، فيما أعلنت "القوات" أنها اعترضت باخرة "كانت تستعد للرسو في مرفأ غير شرعي وحولت مسارها إلى مرفأ جونيه الشرعي"، وحذرت وكلاء البواخر من استخدام المرافىء غير الشرعية، مشيرة إلى معلومات عن محاولات لإدخال أسلحة وذخائر إلى بعض الجبهات عبر مرافىء غير شرعية.

 

وبثت مصادر "القوات" تقريراً أمنياً قالت فيه "ان مسلحي عون قصفوا مواقع "القوات" والمناطق المحيطة بها في "الاوليفتي" مما أدى إلى إصابة عنصر من القوات بجروح. كما أدى رصاص القنص على سن الفيل إلى جرح احد المواطنين.

وذكرت أن محيط غاليري خباز تعرض لسقوط ثلاث قذائف، كما تعرضت بلونة والقليعات وكفرذبيان وعجلتون للقصف".

وتحدثت مصادر "القوات" عن قرار لوقف اطلاق النار في الخامسة عصراً، وقالت إن قوات عون خرقته بقصف مناطق القليعات وساحل ووسط كسروان، واستمرّ القصف نصف ساعة.

 

واتهمت القوات العماد عون بقطع المياه عن الأشرفية ومحيطها، وفرض حصار مائي عليها كورقة ضغط على "القوات.

على صعيد آخر، أصدرت "هيئة الأركان العامة في القوات" بياناً قالت فيه:

"في السابعة من صباح 23/4/1990، اعترضت دورية من سلاح البحرية في "القوات اللبنانية" الباخرة "دونيز" قبالة شاطىء المتن الشمالي بهدف تفتيشها، وبعد التحقيق الأولي مع طاقم الباخرة وأحد وكلائها جورج كرم، تبيّن أنها كانت تستعد للرسو في مرفأ غير شرعي. فتم تحويل سيرها إلى مرفأ جونيه الشرعي بعد إنجاز عملية التفتيش".

 

"إن "القوات اللبنانية" انطلاقاً من معلومات مؤكدة لديها عن محاولات لإدخال الأسلحة والذخائر إلى بعض الجبهات عبر بعض المرافىء غير الشرعية مما يؤدي إلى إطالة أمد الحرب ومحنة اللبنانيين، تحذر جميع وكلاء النقل والشحن البحري ومكاتب الإستيراد والتصدير الذين ينقلون البضائع والركاب بحراً إلى مرافىء المنطقة الشرقية بضرورة استعمال المرافىء الشرعية، تحت طائلة اعتراض البواخر وتحويلها إلى هذه المرافىء. كما تحمّل أي مخالف كامل المسؤولية عما يمكن أن ينتج عن أي مخالفة لمضمون هذا البيان".

ومن جهة أخرى، عقد العماد ميشال عون ندوة صحفية قال فيها: "ما من حلّ ممكن طالما بقي جعجع على رأس القوات، معتبراً أن ليس لديه مشكلات مع "القوات".

 

 

الثلاثاء في 24 نيسان 1990

 

لفت المناطق الشرقية مساءً عاصفة من القصف العشوائي، غطت بيروت والمتن الشمالي وكسروان ساحلاً ووسطاً وجبلاً وأشعل القصف حرائق عدة، فيما كلف البطريرك الماروني نصرالله صفير المطران رولان أبو جودة بنقل رسالة إلى العماد ميشال عون لكنه لم يجده في قصر بعبدا وسيسلمه إياها غداً وهي تتعلق بتحرك صفير "لتوحيد الصف المسيحي في مشروع سياسي موحد ينطلق من معالجة الوضع في الشرقية ويكون منطلقاً لمعالجة الوضع اللبناني".

 

وقالت مصادر "القوات اللبنانية" إن قوات عون فجّرت الوضع في الخامسة إلا ثلثاً، بقصف بسكنتا وأعالي صنين والمزار، ثم قصفت ساحل كسروان بالقذائف الحارقة مما أدى إلى إندلاع حريق كبير.

وذكرت أن حدّة القصف عنفت وتوسعت رقعته في الخامسة والدقيقة العاشرة، وطالت القذائف مختلف قرى وبلدات كسروان ساحلاً ووسطاً وجبلاً، فيما دارت إشتباكات في السادسة مساءً، على محاور نهر الكلب ضبية، وشهدت محاور بيروت وسن الفيل والبوشرية، والجديدة رمايات بالأسلحة الرشاشة.

وقالت مصادر "القوات" أن الرّد الذي قامت به أدى إلى إصابة ناقلة آليات تابعة لسلاح البحرية لدى قوات عون كانت راسية في "غولدن بيتش" وأشارت إلى إشتداد حدّة القصف في الثامنة والنصف على ساحل فتوح كسروان والأشرفية.

 

 

الأربعاء في 25 نيسان 1990

 

عاشت المناطق الشرقية طيلة النهار تحت نيران قصف عشوائي عنيف، استمر حوالي عشر ساعات،

وأشعل عشرات الحرائق، من بيروت إلى ساحل جبيل ونهر ابراهيم، مروراً بالمتن الجنوبي والمتن الشمالي ساحلاً وجبلاً.

وتعرّضت بعض أحياء بيروت الغربية لقصف مفاجىء من المنطقة الشرقية، أوقع سبعة قتلى وعشرة جرحى.

فقد تنقلت الإشتباكات بمختلف الأسلحة من محاور بيروت إلى محاور ساحل المتن الشمالي حتى أعالي كسروان، طيلة اليوم، وغطى التراشق المدفعي العنيف مختلف هذه المناطق، وترافق ذلك مع معلومات عن تهديد من العماد ميشال عون إلى "القوات اللبنانية" نقله عضو لجنة الوساطة شاكر أبو سليمان بضرورة الإفراج عن الباخرة "دونيز" وركابها والا فإنه سيتخذ إجراءات أمنية قاسية منها قصف مرفأ جونيه وإقفاله.

وقالت مصادر "القوات اللبنانية" في تقرير أمني لها، "كان الهدوء الحذر يلف المحاور المحدثة في الشرقية قبل الظهر، بعد إنتكاسة صباحية ثانية بدأت في التاسعة والنصف وجهت خلالها مدفعية عون قذائفها على محيط "الاوليفتي" ومحيط مستشفى "أوتيل ديو"، تبع ذلك قصف بالدبابات في اتجاه "الاوليفتي" ومحيطها، إضافة إلى قنص غزير على الأحياء السكنية في أطراف الأشرفية وتراجعت الاعتداءات قرابة العاشرة والربع ليحل رصاص قنص متقطع".

"وفي الثانية بعد الظهر انفجر الوضع الأمني وتعرضت مناطق أعالي كسروان والوسطى لقصف مدفعي عنيف ومركز بمدفعية الميدان من عياري 155 و130ملم وصواريخ الراجمات من مرابض مسلحي عون في وسط وأعالي المتن الشمالي، وإزاء هذا التمادي في القصف ردّت مدفعية "القوات" على مصادر النار فأسكتت بعض مرابض جماعة عون ودمرت مربضاً لمسلحيه في بصاليم وأصيب آخر في منطقة الفنار، ودمّرت راجمة".

وذكرت أن مجموعة من قوات عون حاولت في الثانية عشرة والنصف ظهراً، التسلل في اتجاه مواقع "القوات اللبنانية" في القليعات، فتصدت لها وحدات "القوات" وأوقعت في صفوف المجموعة المتسللة عدداً من القتلى والجرحى. فقام مسلحو عون إثر ذلك بقصف مدفعي مركز ومباشر على كل محاور القتال في وسط وأعالي كسروان، وشمل القصف ساحل كسروان وساحل الفتوح، وطال القصف في الثانية إلا ربعاً محيط مرفأ بيروت والكرنتينا.

وأشارت إلى اتفاق لوقف اطلاق النار تمّ التوصل إليه في الثالثة والربع بعد الظهر، وقالت إن قوات عون أسقطته عبر استمرارها في قصف مناطق كسروان ساحلاً ووسطاً وجبلاً.

وقالت أن القصف العنيف طال لاحقاً ساحل جبيل وحالات ونهر ابراهيم إضافة إلى الأشرفية وسن الفيل والدورة والجميزة براجمات الصواريخ والقذائف المحرقة من عيار 155ملم من مرابض في المكلس والمنصورية وعين سعادة.

وذكرت أنه تمّ التوصل إلى اتفاق آخر لوقف اطلاق النار في الرابعة والنصف واتفاق ثالث في الخامسة والربع، انحسرت بعده حدّة القصف، لكن القذائف تساقطت بتقطع على جونيه والأشرفية والمرفأ وساحل كسروان طيلة فترة المساء.

 

 

السبت في 28 نيسان 1990

 

تمّ الاتفاق على هدنة أمنية بدأت في التاسعة من صباح السبت وانتهت مساء الأحد. ثم أتفق على تمديدها إلى الثلاثاء للسماح لأهالي القليعات بتفقد منازلهم ونقل ما سلّم من أثاث وأغراض.

واكب الأهالي الذين تجمّعوا في مداخل القليعات عضو لجنة الوساطة الأباتي بولس نعمان الذي أعطاهم التعليمات في كيفية الانتقال. وعمل الأهالي على نقل ما يمكنهم من أثاث وأغراض. وبكى العديدون منهم بعد أن رأوا أن منازلهم سويت بالأرض، وضاع جنى عمرهم.

وذكرت وكالة "فرانس برس" أن القليعات دمّرت كلياً تقريباً بفعل المعارك. وقالت أن ساحة البلدة أضحت أرضاً مهجورة مليئة بالألغام تفصل بين مواقع الطرفين.

وبعد أن سارت العملية، إتصل الأباتي نعمان بالبطريرك صفير، ودعاه إلى الحضور. فوصل البطريرك وتفقد البلدة. وزار كنيسة مار سمعان. وألقى كلمة قال فيها: "لا للحرب. لا للحرب. نعم للحوار والتفاهم".

وجال البطريرك على قرى ريفون وعشقوت ودار مطرانية صربا الصيفي. وفي ختام جولته أعلن أنه مستعد لنصب خيمة والمكوث فيها حتى تنتهي الحرب، ليس في القليعات فقط، بل في كل لبنان.


الأربعاء في 2 أيار 1990

 

مع دخول حرب الإلغاء شهرها الرابع، مدّد أهالي بلدة القليعات الهدنة المتفق عليها في بلدتهم، وذلك بتنفيذ اعتصام عند خطوط الفصل بين قوات عون والقوات اللبنانية، تحت خيمة سمّوها "خيمة السلام". وشاركهم اعتصامهم في اليوم الأول البطريرك صفير والاباتي بولس نعمان وعدد من الرهبان والراهبات.

لكن المحاور الأخرى، حافظت على سخونة ملحوظة حيث استمرّت عليها الاشتباكات والقصف المدفعي طيلة اليومين الماضيين.

وقالت مصادر "القوات" في تقرير أمني لها: قصف مسلحو عون بين الثامنة والعاشرة والنصف صباحاً ساحل كسروان بعدد من القذائف وتحديداً محيط الصرح البطريركي في بكركي، محيط السفارة البابوية في حريصا، مرفأ جونيه حيث استهدفت باخرة الركاب "صاني بوت" بعدد من القذائف. وعلى محاور بيروت، ابقى مسلحو عون الوضع متوتراً بتوجيه رمايات القنص مرفقة ببعض القذائف على مواقع "القوات اللبنانية" في عدد من المحاور".

وذكرت أن قوات عون قصفت ليل الثلاثاء الاربعاء مناطق ساحل كسروان والدورة والاشرفية ومحيط المرفأ وسن الفيل، وسبق ذلك نهار الثلاثاء، رمايات رشاشة وصاروخية في سن الفيل ومحور غاليري خباز والعدلية حي السريان، وقصف مدفعي بالدبابات والهاون باتجاه سن الفيل والنبعة والجميزة والأشرفية.

وكان قد صدر عن الشعبة الخامسة في هيئة الأركان العامة في "القوات اللبنانية" البيان الآتي: "ظهر أمس الثلاثاء، الواقع في الأول من أيار، وبين الثالثة والسابعة مساءً، حاولت باخرة مجهولة الهوية، علم في ما بعد أنها تدعى "فيرجين باترفلاي" الدخول إلى المياه الإقليمية اللبنانية، فنادتها احدى دوريات سلاح البحرية التابعة لـ"القوات اللبنانية" وطلبت منها التعريف عن هويتها وتحديد وجهة سيرها، فأجابت الباخرة بأنها تقصد شاطىء "الغولدن بيتش" فأجابتها الدورية أن هذا المرفأ غير شرعي، لكن في امكانك التوجه إلى كل من المرافىء الآتية: بيروت، طرابلس، جونيه صيدا أو صور، فأصرّت الباخرة على الدخول إلى "الغولدن بيتش" مما دفع بالدورية إلى إنذارها بتغيير وجهة سيرها إلا أن الباخرة لم تكترث للانذار وأكملت سيرها في اتجاه "الغولدن بيتش". فاضطرت دورية سلاح البحرية التابعة لـ"القوات اللبنانية" لاطلاق طلقات تحذيرية على الباخرة، عندها أجبرت الباخرة على تغيير وجهة سيرها والفرار إلى المياه الدولية ومنها إلى جهة مجهولة".

"إن القوات اللبنانية" تحذر أصحاب البواخر وأصحاب وكالات الشحن من محاولة الدخول عنوة إلى المرافىء غير الشرعية وذلك تحت طائلة احتجازها وتسليمها للسلطات المسؤولة".

 

وعقد الدكتور سمير جعجع مؤتمراً صحافياً استهله بالحديث عن تدني مستوى الاعلام اللبناني. وقال: "انه لم يعد مفخرة لأحد، لكن الناس ما زالت تسمع وتأخذ كل شيء على انه الحقيقة، مما اضطرني للتدخل مباشرة في أحيان كثيرة لرد التهم التي توجهها وسائل اعلام الجنرال. وسنحاول بشكل مستمر أن نوضح للرأي العام كل شيء حتى لا يقع في سوء التقدير كما وقع السنة الماضية".

وطلب الدكتور جعجع من المواطنين عدم الأخذ بأي خبر قبل التحقق منه، وقال: "لقد تسبب عون بالكثير من الخراب والدمار. ولكنه أضرّ أكثر شيء بالاعلام وقد تخطى أحمد سعيد بمسافات. وتخطى الخطب السياسية للتقدميين الاصطناعيين. وتسبب عون بأضرار عسكرية وسياسية ومادية. لكنه أخطر من ذلك تسبب في تسميم العقول والنفوس والسياسة. انه يتكلم عن الأفيون والحشيشة وخطرهما، لكنه يقوم بتخدير أخطر بدس المغالطات في عقول الناس حتى تضيع وتكفر بكل شيء ونستطيع أن ندرك حجم التخدير الذي قام به عون طيلة سنة ونصف السنة إذا علمنا ان استراتيجية دولة وجيش قامت على الكذب والتخدير والوعود النظرية التي لم يحقق عون منها شيئاً.

أضاف: "لقد طرح عون شعار "لبنان القوي" فوصل لبنان أيامه إلى أضعف لبنان، حتى وصل إلى حدّ الموت. وطرح شعار حرب التحرير فكرّس الاحتلالات. وقال عون إن المشكلة ليست بين اللبنانيين. فأصبحت بين كل مذهب وداخل المنطقة الواحدة، وظل الجنرال يسير من تقهقر إلى تقهقر، مما يفرض علينا أن نقطع حبل الكذب عنده".

وتابع: "كان يقال أن أمين الجميّل كان إختصاصياً في تجيير الورثة التي ورثها عن أبيه وأخيه وأخواله. فجاء عون ليضع "عشر بحصات" للجميل. ولم يحافظ لا على الجيش ولا على السلطة الشرعية ولا على شعبيته ولا على الدعم العربي والدولي ولا على تأييد الشارع المسيحي له. لقد فرط الجيش. وقام بما لا يستطيع أن يقوم به أحد. وها هو يحاول الآن تغيير حكومات العالم. ولكننا نسأل: أين هو الآن أمام العالم؟ وأين أصبح موقعه؟ إنه يضع نفسه في أجواء بعيدة عن الواقع ويحاول أن يضع الناس في هذه الأجواء عبر الشائعات والأخبار الكاذبة".

وأضاف: "ان هم كل الناس الآن هو كيفية إنتهاء الأزمة. لكن آخر نظريات عون قوله إنه خرج منتصراً من الحرب باحتلاله عين الرمانة وضبية، وكأن هدفه كان عين الرمانة وضبية فقط. لكن من هاجم سن الفيل ونهر الموت والقليعات؟ ولماذا هاجمها عون؟ هل كل هذه العمليات هي عمليات وقائية كما يقول الجنرال ليمنع "القوات" من احتلال بعبدا ومنع تمرير اتفاق الطائف؟

وتابع: "ونظرية عون الثانية، هي فتح ملفات "القوات" وملفاتي أنا شخصياً. وأقول له قبل أن ترى القشة في عين غيرك شاهد الجسر في عينك، شاهد ملفاتك أنت مع الآخرين، أنت المعزول عن كل الناس الآن، مسلمين ومسيحيين وعرباً وأجانب، لا عليك مني، انظر ملفاتك. هو يركز على حادثة إهدن ليثير النعرات، كمن يضع خنجراً في الجرح ليفتحه، علماً أن الخلافات الداخلية حصلت بين كل الأطراف".

ومضى يقول: "في آب 1983، كان عون يستطلع مواقع في الجبل، فنصبت له النساء كميناً ورشقته بالحجارة وجرحته. أليس هذا ملفاً لعون مع الدروز؟ ثم يفتح لي ملف شرقي صيدا، بينما الكتيبة 98 في الجيش هي التي هاجمت قرى شرقي صيدا ودعت إلى إنسحابنا فانسحبنا بطلب من العميد فرح ومن العماد عون بالتحديد الذي طلب وقفاً لاطلاق النار هناك. نحن نسكت في الظروف الصعبة لكن أهالي درب السيم يعلمون أننا حررناها من الفلسطينيين.

وكنت أنا على رأس القوى "بينما كنت أنت تسعى لدى القوى الوطنية التقدمية للوصول إلى رئاسة الجمهورية".

وأكد جعجع تماسك"القوات" أكثر من أي وقت مضى. وقال: "وضع البلد لم يعد يحتمل، والحل مطلوب من الجميع بدءاً من الشرعية إلى الجنرال إلى "القوات". نحن طرحنا حلنا وليطرح عون حله، وإن لم يكن لديه الحل ليترك مجالاً للحلول المطروحة لتأخذ مداها. حلنا بسيط ومن شقين. شق عسكري يقوم على انقاذ الجيش اللبناني. واقترح على عون تسليم اليرزة إلى العماد إميل لحود ليعيد بناء الجيش من نواة ما زالت موجودة، وليعيد توحيد الجيش، وتكون هناك مرجعية عسكرية لا لغط حولها تتسلم أمور الداخل. فتعود "القوات" إلى ثكناتها. لأننا لم نعد نثق بعون.

"وهناك شق سياسي يقوم على تسليم قصر بعبدا إلى الرئيس الهراوي وليمارس عون العمل السياسي المعارض لاتفاق الطائف وليسقط الهراوي شعبياً إن استطاع. "إن لدى عون المال. ويدّعي أن لديه الشعب وبعض العسكريين، فليتحول مثله مثلنا وليترك المجال للعبة السياسية من دون حرب".

وقال: "ليتسلم العماد لحود كل الجيش والثكنات، وليتسلم الأمن الداخلي وليترك عون اللعبة السياسية تأخذ مجراها، وليقل كل كلمته في اتفاق الطائف. لكن ليجلس عون ومعاوناه معلوف وأبو جمرة في مكان آخر غير بعبدا لأنه لا يجوز أن يتوقف البلد أمام مطامع عون، وليترك عون بعبدا، ونصبح كلنا سوياً في الوزارة أو المعارضة. والا سيتحمّل عون مسؤولية ما يجري في البلد ومسؤولية كل قتيل ومهجر، لأنه ما زال يعيق عودة الحياة السياسية إلى البلد. إننا مستعدون لاستكمال اللعبة السياسية مع عون بعيداً عن الحروب والسلاح".

 

 

الخميس في 3 أيار 1990

 

ردّ الدكتور سمير جعجع على تصريح للعماد عون دعا فيه إلى اعتماد حلول مستقبلية باتجاه بناء قوات مسلحة شرعية وليس باتجاه الميليشيات، فقال: "أنا موافق مائة في المائة على ذلك. وقلت سابقاً أن مشروعنا هو حل جميع الميليشيات من خلال الوفاق الوطني العام. وأنا أسأل عون كيف يريد قيادة شرعية، ونحن لا نستطيع أن نقيم ولو نواة للجيش من دون أن يتسلم العماد إميل لحود اليرزة. على هذا الأساس تكون بداية إعادة بناء جيش لبناني كبير وحل الميليشيات في الوقت المناسب".

وقال الدكتور جعجع رداً على سؤال: "إن عون لا يستطيع أن يعتبر نفسه الشرعية لأنه لا يملك أياً من مقومات الشرعية، وهو فاقد لركيزتي الشرعية الداخلية والخارجية. وهو يملك على الصعيد الداخلي ركيزة أقل من ركيزة رئيس حزب أو قائد ميليشيا."

وأضاف يقول: "إذا كان عون يعتبر أن اتفاق الطائف خيانة، فأنا أعتبر لإن موقفه من إتفاق الطائف هو الذي يؤدي عملياً إلى أكبر خيانة وخسارة للبنان. وسواء قبل عون أم لم يقبل فهذا شيء متعلق به. لكن هناك خطوات عملية لا علاقة لها بقبوله أو برفضه. بل لها علاقة بإعادة الحياة السياسية إلى طبيعتها في البلد".

ونفى الدكتور جعجع وجود حرب بحرية في "الشرقية" وقال انه سيسعى إلى وقف هذه الحرب، وإلى عدم السماح بإدخال السلاح والذخائر التي تغذي الحرب، وهذا هو الهدف الرئيسي من عدم ترك بواخر الذخيرة تدخل الى "الغولدن بيتش" أو غيره.

ورأى أن المطلوب هو إقدام الشرعية على تسلم "الشرقية"، وأن يتخذ العماد عون موقفاً يمليه عليه ضميره الوطني، وقال: "لا يستطيع العماد عون أن يبقى على حاله جالساً في بعبدا، وهو يستطيع أن يتابع حركته السياسية من أي مكان آخر".

 

 

الاثنين في 7 أيار 1990

 

لفّ جنون القصف المتبادل المناطق الشرقية، من الحدث إلى جونيه، مروراً بمناطق المتن الشمالي والمتن الجنوبي والاشرفية. وأوردت مصادر "القوات اللبنانية" معلومات أمنية أشارت فيها إلى أن القصف ليل أمس، استمرّ حتى الفجر. وتركز على جونيه والأشرفية، وقالت: إن اشتباكات دارت في الثانية والربع بعد الظهر في محاور البرجاوي والطبية، وتعرّضت الأحياء المجاورة لسقوط قذائف.

وقالت أن كل مناطق بيروت تعرضت للقصف في الثانية والنصف بعد الظهر، بقذائف الميدان والدبابات، وطال القصف في الثالثة أحياء الأشرفية، ثم توسع نحو ساحل كسروان ووسطه، وطال في الرابعة والدقيقة الخامسة محيط بكركي.

وقالت إن عضو لجنة الوساطة الأباتي بولس نعمان توصل إلى وقف لاطلاق النار في الرابعة، خرقه مسلحو عون واشتد القصف بعدها في محاور بيروت والدورة، ونهر الموت بالقذائف الفوسفورية وطال ساحل كسروان ووسطه.

وذكرت أن قوات عون خرقت اتفاقين آخرين لوقف إطلاق النار في الخامسة والخامسة والنصف، وواصلت قصفها لأحياء الأشرفية ومرفأ بيروت والجميزة وساحل كسروان، ونهر الكلب، مما أشعل حرائق عدّة.

وقالت أنها ردّت على مصادر القصف في الحدث والحازمية وبعبدا وسبنيه والفنار وبيت مري والمنصورية وبرمانا، وجوارها وتل الزعتر وحرج تابت.

وفي وقت لاحق، ذكرت أنه تمّ التوصل إلى اتفاق رابع لوقف اطلاق النار في الثامنة مساء التزمت به "القوات" فوراً. وأشارت إلى أن قصف جونيه أدى إلى احتراق باخرة تابعة لسلاح البحرية في الجيش كانت على البر.

وكانت المناطق الشرقية قد شهدت خلال السبت اشتباكات متقطعة وقصفاً متبادلاً طال، ضبيه، المتحف، البريمو، سن الفيل، النبعة والجديدة، وساحل كسروان والمتن.

وقال الدكتور سمير جعجع في حديث إلى مجلة "لاكروا" الفرنسية، أنه لا يمكن تجاوز سوريا في البحث عن حل للمسألة اللبنانية. لكن ليس للقوات اللبنانية أي اتصال مباشر مع دمشق.

وحمّل الدكتور جعجع، العماد عون مسؤولية عرقلة عملية الحل في لبنان. وقال: "لو سلم الرئاسة إلى الشرعية، فكيف يمكن لسوريا أن تمنع هذه الشرعية من إستعادة ما هو لها شرعا!.

وأبدى جعجع اعتقاده بأن عون سيغادر في النهاية. وقال: لا يمكنه أن يستمر في عرقلة كل شيء.

ورأى أن اتفاق الطائف الذي وضع لحل المشكلة اللبنانية، لا يحل كل المشكلات بالطبع" لكنه يوفر للبنانيين احتمال مباشرة الحوار من منطلق جيد.

 

 

الاربعاء في 9 أيار 1990

 

كان الوضع الأمني قد انفجر مساء الثلاثاء وتجدد القصف العنيف على مختلف مناطق بيروت والمتنين الجنوبي والشمالي وكسروان، ساحلاً وجبلاً. ولم تفلح اتصالات لجنة الوساطة والقيادات الروحية والفعاليات في التوصل إلى تثبيت وقف اطلاق النار. لكن حدّة القصف تراجعت بشكل ملحوظ بعد اتفاقين لوقف النار، حوالي الثامنة والنصف.

واليوم، ألهبت حمم القصف المناطق الشرقية التي حاصرتها الحرائق وأعمال التدمير لأكثر من عشر ساعات متواصلة.

ورافق التصعيد العسكري المدفعي تصعيد على جبهة المرافىء. إذ أصدر العماد عون قراراً منع بموجبه الابحار لأية سفينة في المياه الإقليمية من بيروت إلى المدفون وأعلنها منطقة عسكرية.

ورداً على هذا القرار، صدر عن الشعبة الخامسة في هيئة الأركان العامة في القوات اللبنانية بيان ترفض فيه الاعتراف بالقرار لأنه صادر عن جهة غير شرعية. وأعلن البيان أن جميع المرافىء الشرعية في المناطق الشرقية تعمل بشكل منتظم، محذراً عون من أي محاولة للتعدي على أي باخرة أو مرفأ شرعي.

وأضاف البيان:

"3- إن ترافق صدور هذا البيان التهديد مع عملية إقفال المعابر البرّية تهدف إلى فرض حصار بري وبحري على "المناطق الحرة" لتجويع ما تبقى من مواطنيها.

4- لقد تعوّد الشعب اللبناني على تهديدات العماد عون الفارغة كتهديده بإقفال مرفأ الجيّة، وتهديده بإقفال المرافىء غير الشرعية وتهديداته بتكسير الرؤوس، وتهديداته بقلب المعادلات وصولاً إلى تهديده الأخير بإقفال الشاطىء اللبناني. والمؤسف أن المواطن وحده كان يدفع الثمن لتهديداته الجوفاء التي لم تحقق سوى مزيد من الخراب والدمار والقتلى".

 

وفي وقت لاحق مساءً أصدرت هيئة الأركان العامة في "القوات اللبنانية" بياناً ثانياً قالت فيه:

"تعلن هيئة الأركان العامة، إن المرافىء الشرعية في المناطق الشرقية زاولت عملها اليوم بشكل طبيعي، كما إن باخرة الركاب التي تعمل على خط جونيه لارنكا، انزلت ركابها في الساعة الثامنة صباحاً، وغادرت باتجاه لارنكا في السادسة مساء، وهي تنقل جميع الركاب الذين تمكنوا من الوصول إلى مرفأ جونيه".

"إن هيئة الأركان العامة تؤكد من جديد أن جميع المرافىء الشرعية في المنطقة الشرقية تعمل بشكل طبيعي جداً. وتحذر مسلحي عون بأنها سترد بعنف وقسوة على أية محاولة للتعرّض لأية باخرة مدنية أو تجارية ولأي مرفأ شرعي، وتأمل بأن يكون عون وجماعته قد استفادوا من الدرس الذي تلقوه اليوم، نتيجة لتماديهم في عدوانهم على المرافق العامة والمواطنين الأبرياء".

"إن هيئة الأركان العامة تحذر وتنذر عون وجماعته بأنها سترد الصاع صاعين ولقد أعذر من أنذر".

في المواقف، أدلى الدكتور سمير جعجع بحديث إلى إذاعة "صوت لبنان" قال فيه: "لا يظن "الجنرال" أنه يضغط علينا عبر الضغط على المواطنين، فنحن لن نغيّر رأينا وسنبقى على مواقفنا ولن نسمح لعون بالتزوّد بالسلاح لإكمال الحرب".

وقال: "إن العماد عون إتخذ من الحصار البحري حجة جديدة ليستأنف القصف. نستطيع أن نتوقع بوجود مسؤولين مثل عون حروباً من كل الأنواع".

وسئل: كلام العماد ميشال عون حول الحسم هل هو من باب التهويل أو التأزيم؟ أجاب:

"هذا ليس باب التهويل أو باب التأزيم، إنه من باب "التفشيط". تعودنا على الحسم منذ سنة ونصف السنة من تحرير لبنان، للحسم ضد العدو، للحسم لإقامة الدولة القوية، لدولة الحق، لكل هذه المقولات. وبالنهاية الحسم الوحيد الذي حدث وقع على رأس هذا المواطن المسكين الذي لم يعد يستطيع تأمين لقمته.

وسئل عن نداء البطريرك صفير لوقف الحرب، قال: "أبدينا كل إستعداد لوقف هذه الحرب. وما زلنا، وما زلت أكرر: نحن مستعدون لوقف الحرب. هناك وضع شاذ قائم في هذا الوطن يجب إيجاد الحل له سوياً وطرحه بالصوت العالي ونقول "للأعور أعور بعينه" ولكننا لا نستحق هذا الغضب ولكل هذه المشكلات، يجب علينا الصمود وطول البال. وبالنهاية هذا الوضع سيزول لأن ما من باطل يستمر".

ورداً على سؤال حول الوجه الحقيقي للحرب؟ قال جعجع: "هذا زمن رديء، ويمر على كل المجتمعات أزمنة رديئة. لن نأخذ هذا الزمن الرديء جداً والمثل بالجنرال عون بمقياس أو أن نفكر على أساسه بالمستقبل، يجب علينا الاستمرار وطول البال. هذا الزمن الرديء أصبح منتهياً، وما نراه حالياً وهو آخر التخبطات التي يتخبطها التنين في مجتمعنا. وبعدها سيموت التنين وتصطلح ونعود للحياة الطبيعية".

وسئل: هل أنت متفائل إلى حد ما؟

أجاب: "على الرغم من الذي يحصل من الأسى الذي نعيشه لست متشائماً أبداً. وإني آمل بالمستقبل. هذه الوضعية لا يمكن أن تستمر. والجنرال عون لا يمكن أن يستمر. وبنهاية المطاف سيرحل عنا بطريقة أو بأخرى".

وعما إذا كانت هناك أسباب مقنعة لتباطؤ الشرعية في تلبية دعوته في دخول المناطق الشرقية؟ قال جعجع:

"توجد تعقيدات، وعوامل داخلية وخارجية متداخلة في هذه الأزمة مما يؤدي إلى تعقيد الأمور، وتحتاج لمزيد من الوقت لحل الأمور. كلنا نتسارعون لعودة الشرعية إلى المناطق الشرقية. ولكن هناك تعقيدات يجب حلها قبل الوصول إلى الهدف".

وسئل: "هل تعتبر أن هذه التعقيدات هي من المنطقة الشرقية أم من الشرعية ذاتها؟ أجاب: "برأيي أهم تعقيد موجود في الوقت الحاضر موجود في المنطقة الشرقية بوجود الجنرال عون في قصر بعبدا وفي وزارة الدفاع. وهذه العقدة إذا حُلت فالعقد الباقية تصبح ثانوية ويمكن تجنبها وتجاوزها لإعادة الشرعية إلى كل المناطق اللبنانية".

وعن رأيه في الاقتراح القاضي بإدخال عون في حكومة واحدة؟ قال: إن أي حل يؤدي إلى إنهاء الوضع الشاذ القائم في الشرقية في الوقت الحاضر وإلى استتباب الشرعية على كل الأراضي اللبنانية أمشي فيه فوراً. لا يوجد عندي تعقيدات من أحد وليس لدي شروط مسبقة على أحد".

 

 

الخميس في 10 أيار 1990

 

أنهت حرب الإلغاء يومها المئة كما بدأت. قصف عنيف غطى المناطق السكنية في بيروت والمتن الجنوبي والمتن الشمالي وكسروان وصولاً إلى الفتوح. وشمل المرافىء الممتدة من بيروت حتى جونيه. فيما استمرّ إقفال المعابر الداخلية بين الأحياء. ودارت معارك في المحاور.

وقالت مصادر "القوات اللبنانية" إن محاور البرجاوي، الطبّية، "أوتيل ديو"، حي السريان، الصالومي والسيدة في سن الفيل، شهدت منذ ما بعد منتصف ليل الأربعاء الخميس حتى الصباح، رمايات متقطعة بالقذائف.

وأضافت أن قوات عون فجرت الوضع الأمني في الثالثة بعد الظهر، فقصفت جونيه وساحل كسروان ووسط كسروان، ثم قصفت حوالي الخامسة ساحل الفتوح ومرفأ جونيه، وفي السادسة تعرضت الأشرفية لقصف عنيف بمعدّل عشر قذائف في الدقيقة، وطال لاحقاً الجميزة، مار مخايل، الدورة، النبعة سن الفيل.

وذكرت أن إشتباكات عنيفة بالدبابات دارت في محاور سن الفيل مساءً، وبأسلحة المضاد والقذائف الصاروخية في محاور نهر الكلب ضبيه.

وأشارت إلى إندلاع حرائق عديدة في الأشرفية، وإلى رمايات بمختلف الأسلحة في كل محاور المنطقة الشرقية.

وأعلنت أن قوات عون خرقت إتفاقين لوقف اطلاق النار، في السابعة والربع والسابعة والنصف، وقصفت محيط مستشفى أوتيل ديو والدورة وسن الفيل والنبعة، ونهر الكلب وساحل كسروان. فأصيب المستشفى واشتعلت حرائق في صهريجي محروقات في الدورة.

 

وعلى صعيد حرب المرافىء، وصف مصدر مسؤول في "القوات اللبنانية" تهديدات عون الأخيرة بإقفال الشاطىء أنها "دون كيشوتية" ووهمية. وقال "اعتدنا على سماع هذه التهديدات، وهي لا تعنينا لأنه أعجز عن أن ينفذ مضمونها".

وأضاف المصدر أن "المرافىء الشرعية في الشرقية تعمل بانتظام مشيراً إلى "دخول بواخر عدة أمس، وتفريغها حمولتها بشكل طبيعي ومنها الباخرة حسن ب، التي دخلت صباحاً إلى مرفأ جونيه وأفرغت حمولتها ثم غادرت ظهراً من دون أن يعترضها أحد.

وقال: ان بحرية "القوات اللبنانية" تسيطر على البحر، مشدداً على "عدم السماح بدخول أي باخرة إلى مرفأ "الغولدن بيتش" وقال "كل ما يستطيعه عون أن يفعله هو قصف الآمنين الأبرياء".

وأعلن المصدر أن "القوات" تقوم بدوريات بحرية أمام مرفأ "الغولدن بيتش" لمنع دخول أي سفينة اليه.

وقال مصدر مسؤول في "القوات اللبنانية" إلى إذاعة "صوت لبنان" بأن "العماد عون دفّع اللبنانيين آلاف القتلى والجرحى في العام الماضي من أجل إقفال المرافىء غير الشرعية، وعجز عن ذلك، وهو يدفع اللبنانيين اليوم مئات القتلى والجرحى لفتح مرفأ غير شرعي، وهو عاجز اليوم عن ذلك أيضاً.

وأضاف المصدر "أن فتح مرفأ "الغولدن بيتش" يعني فتح المجال لاستمرار الحرب من خلال إدخال الذخيرة والسلاح، وفتح المجال لتكريس التقسيم من خلال الحياة والمتنفس لدويلة "الغولدن بيتش" لمنع انتقال لبنان من حال الحرب إلى حال السلام، ولضمان بقائه في موقعه الاعتراضي، مسيطراً على المؤسسات الشرعية".

وقال المصدر "تمنع "القوات اللبنانية" كونها تريد وقف الحرب والانتقال إلى حال السلام، فتح مرفأ "الغولدن بيتش" وهي قادرة على ذلك من دون اطلاق أي قذيفة بينما يوجه عون ناره ضد الآمنين، بهدف إقفال المرافىء الشرعية".

 

واقتصرت مساعي التهدئة أمس، على اتصالات أجراها عضو لجنة الوساطة الاباتي بولس نعمان مع العماد عون ورئيس أركان "القوات اللبنانية" اللواء فؤاد مالك ساعياً إلى تحقيق وقف لاطلاق النار.

وتفقد نعمان أمس، مدرسة "العائلة المقدسة" في الأشرفية، التي أصيبت بعشرات القذائف ولحقت بها أضرار بالغة.

وذكرت "رويتر" أن قصف الأربعاء كان من أشرس أيام القتال المتجدد، وسقطت القذائف بمعدل خمس كل دقيقة. فهدمت شققاً سكنية كاملة وأصابت مستشفيات وعيادات طبية، ونقلت عن مصادر أمنية قولها أن مئات القذائف والصواريخ أصابت قصر بعبدا ووزارة الدفاع.

 

 

الاحد في 13 أيار 1990

 

أصدرت الشعبة الخامسة في أركان "القوات" بياناً، قالت فيه "أن حركة الملاحة البحرية، استمرت ولليوم الخامس على التوالي: بشكل طبيعي، على سواحل المناطق الحرة، وفي مرافئها الشرعية، ودخلت باخرة الركاب التي تعمل على خط لارنكا جونيه وأنزلت ركابها، ثم غادرت حاملة ركابها باتجاه قبرص، كما دخلت إلى مرفأ جونيه باخرة شحن وأفرغت حمولتها".

وكانت المنطقة الشرقية قد عاشت أمس السبت، خمس ساعات من التقاصف الدموي والتدميري غطى مختلف المحاور المستحدثة في بيروت والمتنين الشمالي والجنوبي، وكسروان، والمتن الأعلى.

واتهم مصدر مسؤول في "القوات" العماد عون بـ"التودد إلى سوريا".

وقال المصدر: إن عون، قبل شهرين، وعندما كان يتودد إلى إسرائيل، اتهم "القوات" بإقامة علاقات مع سوريا، واليوم عندما بدأ يتودد إلى سوريا، بدأ يتهم "القوات" بعلاقاتها بإسرائيل.

أضاف المصدر يقول: إن قيادة "القوات" الحالية، هي التي اعتمدت الخيار الثالث، من خلال إنفتاحها على العالم العربي، وأصبحت تقيم علاقات وثيقة تعتز بها مع مختلف الدول العربية.

وانتقد المصدر "التقلبات السياسية في مواقف عون التي انعكست على المسيحيين، بحيث أساءت إلى مصداقيتهم السياسية".

وقال المصدر: إن عون حول منطقتي المتن الشمالي والمتن الجنوبي إلى "غيتو" مقفل. وبالتالي، فإن إقفال المعابر على الأرض صورة واضحة لإقفال المعابر السياسية في وجهه بعدما أصبح معزولاً من الجميع".

وبالنسبة إلى الحصار البحري قال المصدر: ليس لدى عون أية وسيلة لتثبيت حصاره، وإن بياناته وإنذاراته تشبه في فعاليتها إنذارات قراصنة البحر، الذين يزعجون السفن، لكنهم لا يوقفونها عن أعمالها، ويكفي إتخاذ بعض الإجراءات الإحترازية البسيطة لتفادي خطرها.

أضاف يقول: إن عون أصبح اليوم قرصاناً يحتجز منطقة مقفلة، ويمارس من خلالها القصف على الناس، وعلى الشرعية، وعلى القانون، وباستطاعة أي قرصان أن يعيش لفترة، ولكنه لا يستطيع أن يستمر.

واعتبر رئيس "هيئة الأركان العامة" في "القوات" فؤاد مالك إن "ما نشهده اليوم من جولات عنف جديدة، هدفه السماح للعماد عون بفتح مرفأ الغولدن بيتش".

وقال مالك في مؤتمر صحافي له: لا حاجة إلى هدنة بحرية، لأنه لا يوجد صراع في البحر. فالمرافىء التي كانت مفتوحة ما تزال تعمل، ولن نسمح بفتح مرافىء جديدة أقفلت بقرارات رسمية من قبل".

ووصف "حرب التحرير" بأنها كانت حرباً لتمرير المشاريع الشخصية، وإنها كانت حرباً فاشلة و"لمصلحة السوريين وليس للبنانيين في أي مجال وخصوصاً في المجالات الاقتصادية والمعيشية".

وشدّد مالك على ضرورة لقاء بكركي وشرح الظروف التي أطاحت بالكلام عن تبادل المخطوفين والأسرى والموقوفين، وحذر العماد عون من "وضع المحتجزين لديه في أماكن غير آمنة عن سابق تصور وتصميم".

 

 

الاثنين في 14 أيار 1990

 

قالت مصادر "القوات اللبنانية" في تقرير لها: بدأ القصف منذ الصباح على كسروان ساحلاً وتطور ليشمل وسط وأعالي كسروان من مرابض مسلحي عون في المتن الشمالي ولا سيما في استراحة الصياد محيط الفنار وكلية العلوم قصفها راجمة في الشميس محيط بعبدات. وفي الحادية عشرة والثلث تطور القصف وشمل عجلتون من مرابض مسلحي عون في مار موسى في ضهور بعبدات، وفي الثانية عشرة ظهراً شمل القصف فتوح كسروان من مرابض في استراحة الصياد في الفنار، ثم شمل كسروان وساحل كسروان، والقليعات من مرابض في قرنة شهوان وانحسرت حدته في الثالثة والنصف.

وأشارت إلى تعرّض ساحل جبيل إلى قصف متقطع عصراً، انحسر حوالي الخامسة والربع.

وإزاء تصاعد التوتير، وجه البطريرك الماروني نصرالله صفير نداءً إلى أفراد قوات عون و"القوات اللبنانية" متجاوزاً القيادات، دعاهم فيه إلى وقف اطلاق النار "لأن الله أولى بالطاعة من الناس ولو كانوا قادة". وقال لن نستجدي المسؤولين وقف إطلاق النار لأن إصرارهم على استمرار إطلاق النار يدل على أنهم قتلوا ضمائرهم في ما يقتلون الناس ويشيعون الوطن ويحرقون الأرض. أيها الأفراد، ألقوا سلاحكم، أجبروا قادتكم على الحوار وامنعوهم من الاستمرار في ضلالهم.

وأصدرت الشعبة الخامسة في "هيئة الأركان العامة" لـ"القوات اللبنانية" بياناً جاء فيه: نزولاً عند الرغبة المتكررة للبطريرك صفير، الذي وجه نداءً جديداً مساء اليوم (أمس) لوقف القصف، وبما أن "القوات اللبنانية" لم تكن يوماً منذ بداية هذه الحرب العبثية المجنونة المجرمة، هي البادئة بأي عمل حربي، وعلى أمل ألا تجد "القوات اللبنانية" نفسها من جديد في موقع المضطر للدفاع عن النفس وعن المواطنين، وعن المناطق التي هي في عهدتها، في مواجهة إعتداءات مسلحي عون، تعلن أنها تلقت الأوامر من قائد "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع للتجاوب مع نداء البطريرك صفير".

"وهي تدعو عون وجماعته إلى وقفة ضمير في هذه الظروف المصيرية، وإلى قرار شجاع وجريء، لإرساء قواعد السلام الدائم، عبر تسليم قصر بعبدا ووزارة الدفاع إلى السلطات الشرعية، واستبدال موقف القوة بالعمل السياسي، خصوصاً بعد أن انقلب موقف القوة هذا على عون وجماعته".

"كما تجدد "القوات اللبنانية" وضع إمكاناتها في تصرف البطريرك صفير من أجل إرساء قواعد ثابتة للحل".

وأدلى مصدر مسؤول في "القوات اللبنانية" بتصريح قال فيه: إن حرب الشرقية ستنتهي بسقوط دويلة "الغولدن بيتش"، وسقوط هذه الدويلة لن يكون بعيداً، ومن الواضح أن أقصى طموحات عون اليوم هو اقتطاع مساحة من الأراضي اللبنانية ليبني عون عليها دويلته المسخ على أنقاض الدولة اللبنانية، وبخاصة في هذه المحاولة يعني سقوط دولة لبنان الكبير لتقوم على أنقاضها دويلات وإمارات تابعة أو مرتهنة للخارج.

 

 

الثلاثاء في 15 أيار 1990

 

قالت مصادر "القوات اللبنانية" إن محاور بيروت والقليعات شهدت رمايات قنص متفرقة، وتعرضت الأشرفية ومحيط مرفأ بيروت لقصف مدفعي في الحادية عشرة قبل الظهر، تجدد في السادسة مساء وطال أحياء البرجاوي المتحف و"اوتيل ديو" أوقع جريحين من التابعية الهندية.

وأفادت عن قصف بالدبابات والقذائف المباشرة في السابعة إلا ثلثاً مساء على النبعة ومحيط غاليري خباز في الجديدة.

من جهة ثانية، ذكرت "رويتر" إن المعابر التي استحدثت في المنطقة الشرقية ما زالت مقفلة بوجه ألوف المواطنين لليوم السابع على التوالي، وهي معابر "البويك"، الصالومي، نهر الموت، نهر الكلب، داريا، وغاليري الاتحاد.

وقالت الوكالة أن الجيش يقول أنه أقفل المعابر حفاظاً على أرواح المواطنين لأن المعابر تتعرّض لاطلاق نار مستمر، بينما تتهم "القوات اللبنانية" الجيش بمحاولة فرض حصار على المناطق لإخضاعها.

وقالت الوكالة: بات السكان محاصرين في مناطق صغيرة دون ماء او كهرباء. وتستخدم حافلات ركاب او حاويات للفصل بين طرفي المعبر. وفي أحد المعابر وضعت حافلة وقد زرعت الأرض تحتها بالألغام. وتغطي سواتر ترابية عالية معظم المعابر.

ويقف رجال أمن عند بعض المعابر وغالباً ما يخضعون من يشكون به للتحقيق.

وأدلى الدكتور سمير جعجع بحديث إلى إذاعة "صوت لبنان" حول ما نقل عن لسان مصدر مقرّب من العماد ميشال عون من استعداد الأخير لترك قصر بعبدا في حال اتخذ مجلس البطاركة الموارنة والبطريرك صفير قراراً بهذا الشأن وتحملوا هم المسؤولية وقال: "إن الكلام هو تطور مهم وجذري لكن لم تتضح بعد معالمه العملية، وهو مؤشر إيجابي، لكن العملية بحاجة إلى تفكير من البطريرك. وأتصور أنه أصبح لدينا الآن مخرج مطروح. ويجب أن يُجري البطريرك مشاواراته تحضيراً لتسلم المسؤوليات المرحلية الانتقالية التي ستكون بين ترك عون لقصر بعبدا وتسلم الشرعية للقصر".

وأضاف: "أتمنى أن يكون هذا الطرح جدياً لما فيه خير كل اللبنانيين وخير المنطقة الشرقية و"القوات اللبنانية" والجيش اللبناني والعماد عون بالذات".

وسئل ما معنى هذه الإيجابية، وإلى أي مدى يكون هناك إستعداد لتطبيقها؟ فرد بالقول: "لن نحكم على النيات، وبغض النظر عن أسباب هذه الإيجابية، من المفروض أن نرى هذه الإيجابية بحد ذاتها ونأخذها كما هي ونتصرّف على أساسها".

وأضاف: "ما من شك أن كل الناس تعبت، وإن العماد عون يعرف إن استمرار هذا الوضع لن يؤدي إلى أي مكان، وإلا إلى الخراب والدمار. ويمكن أنه طرح مبادرته الأخيرة من هذا المنطلق، ويفترض أن نبدأ بالعمل على أساس أن هذا الطرح موجود وكيف سنكمل به للوصول إلى حل الأزمة الحالية".

وعن تعليقه على ما يقوله عون حول تغييرات في الوضع على الأرض؟ قال: "لن أدخل في مهاترات طالما أن هناك بوادر إيجابية وإن كانت على مستوى إعلامي فقط ولم تظهر عبر رسل مباشرين أو أي تجسيد عملي. ويفترض أن نساهم جميعاً في تحضير الأجواء الإيجابية لأي خطوة يحاول أن يقوم بها أي شخص".

وأضاف: "منذ سنتين نسمع بالمتغيرات وتبيّن أن هذه المتغيرات التي يعتبر عون بطلها غير موجودة. وأعتقد أن التغييرات على الأرض أصبحت مقولة اعتاد الناس عليها وثبت عدم جدواها وعدم جديتها وعدم فعاليتها".

 

وتابع: "في كل حال الوضع على الأرض جيد وما من قوة تستطيع أن تحركه، ومن الأفضل عدم الدخول في هذه المتاهات والبقاء في الجانب الإيجابي السياسي الحواري من المشكلة، ولنجرب أن ننطلق من أجواء العماد عون الأخيرة باتجاه الحل".

ورد جعجع إرتفاع سعر الدولار، إلى تأزم الوضع السياسي والعسكري القائم في الشرقية، وقال: "هناك أيضاً بعض الأسباب التقنية والاقتصادية البحتة وإذا أردنا أن نبحث عن طريقة للجم الدولار، فليس هناك أي تدبير اجتماعي أو مالي أو اقتصادي يمكن أن يحد من تدهور سعر صرف الليرة. الشيء الوحيد الذي يجب أن نفكر به هو حصول إنفراجات معينة في الوضع السياسي. الحل يبدأ بحل الوضع العسكري في الشرقية انتهاءً بتسلم الشرعية كامل مؤسساتها وحقوقها إلى عودة الحياة إلى طبيعتها في البلاد. بهذه التدابير يتراجع الدولار حوالي مائتي ليرة وبعدها يصبح علينا بحث الجانب التقني المالي لتعود الليرة إلى وضعها".

 

وأدلى مصدر مسؤول في "القوات اللبنانية" بتصريح قال فيه: "إن العماد ميشال عون يعيش اليوم على فتات مائدة الخلاف الأميركي السوري، فكما استعمل سابقاً من قبل أعداء سوريا ضدها في لبنان، يُستعمل اليوم من قبل سوريا في خلافها مع الولايات المتحدة الأميركية والمؤسف أن المواطن اللبناني دفع في الحالين أثماناً باهظة في لعبة الصراع الإقليمية والدولية التي كان عون أداتها والتي لم تؤد سوى إلى الخراب والدمار.

وأضاف: في حرب التحرير كان عون يمثل اداة للخارج ضد سوريا في لبنان، فضربت مدافعه بيروت الغربية والجبل والبقاع وكانت ردة الفعل السورية تدمير الشرقية. واليوم، أدار عون مدافعه في اتجاه كسروان وجبيل والأشرفية في حرب مدمرة تغذيها الذخائر والأسلحة التي حصل عليها أخيراً. إن عون بات من الزاوية الواقعية أداة للخارج بكل ما للكلمة من معنى حتى أنه بات عاجزاً عن طرح أي تصور سياسي، وهو يعيش في أذهان الناس على طروحاته السابقة، ويخشى في حال قيامه بطرح تصور يمثل موقعه السياسي الحقيقي اليوم أن يكشف نفسه أمام الناس الذين ضللهم لفترة طويلة. إن كل ما يطرحه العماد عون هو إجراء إنتخابات نيابية ونسأله: إذا كان جاداً في طرحه هذا لماذا لم يُجرِ هذه الإنتخابات قبل الحادي والثلاثين من كانون الثاني، فإذا كان جوابه أنه لم يكن إجراؤها ممكناً فنسأله وهل أصبح إجراؤها ممكناً اليوم وما الذي تغير حتى يصبح ممكناً؟"

 

 

الأربعاء في 16 أيار 1990

 

تواصلت المعارك في المناطق الشرقية طوال اثنتي عشرة ساعة، قبل أن يلجمها اتفاق جديد لوقف اطلاق النار في التاسعة مساءً، توصل إليه الاباتي بولس نعمان بعد اتصالات مع قيادتي قوات عون و"القوات اللبنانية" ونص على وقف كل العمليات العسكرية.

وكان القصف الذي سبق الاتفاق قد طال وبشكل متقطع منذ الصباح، مناطق الاشرفية ومدينة جونيه، وبلدات في المتن الشمالي وكسروان والمتن الجنوبي موقعاً 4 قتلى و23 جريحاً.

ووزعت مصادر "القوات اللبنانية" شريطاً أمنياً قالت فيه:

"بين التاسعة الا ثلثاً والتاسعة والربع، ظل ساحل وأعالي كسروان عرضة لقصف مدفعي متقطع مصدره بصاليم وضهر الصوان وجورة البلوط ورومية. وفي التاسعة والنصف، قصفت مدفعية الميدان المتمركزة في استراحة الصياد في الفنار وسط كسروان، وفي العاشرة الا عشر دقائق، أطلقت دبابات متمركزة في حملايا قذائفها على وسط كسروان، وشاركت في القصف راجمة متمركزة في ضهر ال