الخيارات الفدراليّة وغيرها من الوسائل

 للتّوفيق بين المجموعات المتنوّعة

 

Federal Options and Other Means

of Accommodating Diversity

 

 

 

 

 

 

 

 

أعدّ البحث طاقم عمل منتدى الاتّحادات الفدراليّة، أوتاوا، كندا

 

By members of the staff of the Forum of Federations, Ottawa, Canada

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منتدى الاتّحادات الفدراليّة

Forum of Federations

700 -325 Dalhousie, Ottawa, Ontario K1N 7G2 Canada

www.forumfe.org

 


 

الخيارات الفدراليّة وغيرها من الوسائل

 للتّوفيق بين المجموعات المتنوّعة

 

Federal Options and Other Means

of Accommodating Diversity

 

 

فهرس المحتويات رقم الصفحات

1-      المقدّمة

 

2-      التّنوع الإثني الثّقافي

 

3-      أنواع الوسائل

1.3- لغات الأقليّات والحقوق الثّقافية

2.3- المشاركة الاتّحادية في السّلطة

3.3- الاستيعاب والإقصاء والدّمج

4.3- تفويض السّلطة

5.3- الفدراليّة

 

4-      الفدرالية بالتّفصيل

1.4- الدّساتير الفدراليّة

2.4- الميزات الأساسيّة وتقسيم الأدوار والمسؤوليّات

3.4- التّمثيل في المركز

4.4- ضمان الحقوق

5.4- حالة اللاتناسق

6.4- الفدراليّة غير الإقليميّة

7.4- الانفصاليّة

8.4- غياب التّغييرات الأحادية الجانب، وتواجد "الحكم المرجع"

9.4- تضافر جهود الطّبقات الحكومية

          10.4- فرض الضّرائب والإنفاق العام

 

5-      الخاتمة مع بعض الأسئلة المتعلّقة بالموضوع


 

 

1-    المقدّمة         Introduction

يتوجّه هذا البحث إلى الشّعوب المشاركة في ما أصبح يعرف بنشاطات "بناء الدّولة" في سائر أنحاء العالم، خاصّةً في حالات ما بعد النّزاعات. وهو يرمي إلى توفير بعض الأمثلة العمليّة، والمفسّرة بوضوح، عن الأساليب والوسائل المعتمدة للاعتراف بمجموعتين قوميّتين، أو أكثر، تعيشان في عقر دولةٍ واحدة، وللتّوفيق بينهما.

 

لا يمكن تطبيق مخطّطٍ واحد على الحالات جميعها. من هنا، فقد بذلنا جهدنا في هذا البحث لوصف بعض الخصائص الأساسيّة التي تميّز نماذج الحكم، لا سيّما النّماذج الفدرالية. ليست الفدراليّة بالإجراء الوحيد المتاح ردّاً على التّنوّع السّكاني، لذا غالباً ما ترفقها البلدان، حتّى تلك التي تعتمدها كنظامٍ، بغيرها من التّدابير كقوانين حقوق الإنسان. لكن لا ينبغي الإغفال عن أنّ الفدرالية، بصفتها حلاً بنيويّاً ينطبق على الجميع، تقدّم سلسلةً مفيدة من الخيارات والتّجارب التي لا تدخل في نطاق المفاهيم أو المعارف السّائدة.

 

نحن لا نهدف إلى هداية الدّول للفدرالية، بل إلى مجرّد شرحها. فلا يخفى على أحدٍ أنّ مصطلح "الفدراليّة" بحدّ ذاته مثيرٌ للجدل. ولعلّ ذلك مردّه إساءة فهمه إلى حدّ ما. ففي العديد من الأمكنة، تعتبر "الفدراليّة" الخطوة الأولى التي تسبق الانفصال؛ وفي الواقع، لقد نشأت فعلاً وما تزال تنشأ حركاتٌ انفصاليّة في عددٍ من الدّول الفدراليّة، بما فيها كندا.

 

حين تقترح الجنسيّات الأقليّة، في البلدان التي اجتازت نزاعاً، بنيةً فدراليّة كحلٍّ سياسيّ، يفترض أعضاء الأكثريّة أحياناً أنّ الفدرالية لا تفعل سوى تمهيد الطّريق نحو تجزيء البلاد. وتثبت تجربة الفدراليّة العمليّة أنّ الخوف غير قائم على أساسٍ ثابت. فالحلّ الفدراليّ لا يشجّع على دافع الانفصال، بقدر ما يحتويه. وتعبيراً عن ذلك بأوضح المعاني والمصطلحات، نشير إلى أنّ نظام القوانين الدّستوريّة والممارسات الدّيمقراطيّة يتيح لمن يسعى إلى المدافعة عن الانفصال أن يفعل ذلك بطريقةٍ سلميّة وخالية من العنف، عوضاً عن اللّجوء إلى المقاومة المسلّحة. وقد أثبتت تجربة الدّول الفدراليّة حتّى اليوم -لا سيّما تلك التي تملك تقليداً ديمقراطيّاً عريقاً- أنّ الانفصالات لم تحدث قطّ، بالرّغم من الاستفتاءات الشّعبيّة وغيرها من أشكال المدافعة العامة عن الانفصال. كما أثبتت الفدراليّة الدّيمقراطيّة أنّها مرنة بما فيه الكفاية لتتعامل والتّحدي الذي يمثّله الانفصال.

سنتطرّق أيضاً إلى وسائل غير الفدراليّة للتّعامل مع واقع التّنوّع. وتتضمّن هذه الوسائل السياسات الهادفة لاستيعاب العناصر المغايرة ضمن ثقافة الأكثريّة، وشروط الحقوق الإنسانيّة والثّقافية، والتّدابير الرّسمية وغير الرّسمية من أجل ضمان مكانٍ للمجموعات المختلفة على طاولة اتّخاذ القرارات الوطنية. وغالباً ما ترافق هذه التّدابير الفدراليّةَ، لا سيّما حيث تُصمَّم هذه الأخيرة كوسيلةٍ للاعتراف بالمجموعات المتنوّعة ومحاولة التّوفيق بينها.

 

يشدّد استعمال تركيبٍ معيّن من الوسائل والاستراتيجيّات على الحاجة إلى الإبداع، في ما يتعلّق بتصميم الإجراءات التي تناسب أوضاعاً محدّدة. فعلى أرض الواقع، لن يجد الأشخاص المشاركون في الجهود الفعليّة لبناء الدّولة أيّ حلولٍ معدّة سلفاً. من هنا، يتحتّم عليهم التّفكير في خياراتهم على نطاقٍ واسع، ودراسة مجموعة كبيرة من التّقنيّات والأنظمة والممارسات، من أجل إنشاء البنى المناسبة لأيّ وضعٍ محدّد. فبلجيكا، على سبيل المثال، تملك إحدى أكثر البنى الفدراليّة غرابةً. فهي تجمع بين حكومات الوحدات الإقليمية المكوّنة، وحكومات الجماعات اللّغويّة غير الإقليميّة، بشكلٍ جزئيّ. قد يبدو هذا النّظام معقّداً إلى حدّ مفرط على الورق؛ غير أنّه يناسب الوضع الإثنيّ-الثّقافيّ الخاصّ ببلجيكا. في هذا الإطار، ذكر أحد الصّحافيّين البلجيكيّين، في معرض شرحه نظام وطنه الفدراليّ، لأشخاصٍ سريلنكيّين يفحصون الفدراليّة سعياً لتطبيقها في بلادهم: "تعمل الفدراليّة البلجيكيّة على نحوٍ جيّد جدّاً، باستثناء على الصّعيد النظريّ!" وأضاف أنّ الأمثولة الكبرى التي يمكن استخلاصها من التّجربة الفدرالية البلجيكيّة هي تجربة "توسيع الآفاق".

 

سنحاول، في ما يلي، ذكر ما يمكن من الأمثلة الملموسة. وتكشف هذه الأمثلة عن أهميّتها، فهي تقدّم شكلاً ملموساً للنّماذج البنيوية. هدفنا في هذه الحالة هو توفير المعلومات المفيدة التي يمكن استيعابها بسهولة. لهذه الغاية، أوردنا ثبتاً بالمراجع لمن يودّ أن يتوغّل في قراءاته. غير أنّنا لا ندّعي أنّ ما وصفناه في هذا البحث شاملٌ من أيّة ناحية من النّواحي، بل نتصوّر أن يتمّ استعمال البحث بالتّزامن مع مراجع أخرى.

 

هذا البحث هو من نتاج منتدى الاتّحادات الفدراليّة، وهي منظّمة دوليّة مقرّها في كندا، تعمل كشبكة عالمية حول الفدراليّة. لكن تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المنتدى ليس بمعهد أبحاثٍ أكاديميّ. فهو لا يصدر المنشورات إلا بهدف توفير المعلومات الجاهزة والسّهلة المنال بالنّسبة لأصحاب المهن والعاملين في المجتمع المدني، وآخرين غير متخصّصين في مجالٍ ولا متابعين لدراسةٍ أكاديميّة بالضّرورة. وتنطبق هذه القاعدة العامة على هذا البحث. فلا يزعم المؤلّفون أنّهم قد كشفوا مسبقاً عن معلوماتٍ مجهولة، ولا يدّعون أنّهم يقترحون نظريّاتٍ جديدة. كما يأمل المنتدى أن يكون قد نجح في تقديم وصفٍ واضح وواقعيّ، يفيد كلّ من يبدي اهتماماً مباشراً وفعليّاً في هذه المسائل.

  

 


 

2-    التّنوّع الإثني الثّقافي           Ethnocultural Diversity

تشكّل العديد من الدّول الكبيرة موطناً لمجموعاتٍ إثنية ثقافية، أو "قوميّة" متنوّعة. في بعض الحالات، تتركّز هذه المجموعات ضمن مناطق جغرافية مستقّلة. تلك هي الحالة في إسبانيا أو بلجيكا أو ماليزيا.

 

أمّا في الحالات الأخرى، فليست المجموعات مركّزة جغرافياً. فيعيش شعب سريلنكا المسلم، على سبيل المثال، مشتّتاً في سائر أنحاء البلد. ومع أنّ العديد من المسلمين يعتبرون أنّ منطقةً واحدة هي موطنهم التّاريخيّ، إلا أنّهم لا يشكّلون أكثريّةً فيها؛ ويعيش معظمهم في أنحاء أخرى من سريلنكا. كذلك الأمر، ليست الأقليّة السويديّة في فنلندا، والأقليّة المجريّة في سلوفاكيا، والأقليّة السلوفاكية في المجر، والشّعوب الرّومانيّة الموزّعة عبر أوروبا، بمجموعاتٍ مركّزة إقليمياً. ونسجاً على المنوال نفسه، يملك بعض سكّان البلاد الأصليّين في الأميركيتين وأستراليا ما يسمّى "بقاعدةٍ أرضيّة"، بعكس البعض الآخر الذي يعيش متوزّعاً بين السّكان عامةً.

 

كما يشهد التّوازن السّكاني تفاوتاً عظيماً، رغم أنّه نادراً ما تكون المجموعات المختلفة متساوية تماماً ضمن السّكان. ففي كندا، يشكّل النّاطقون باللغة الانكليزية ثلاثة أضعاف النّاطقين باللغة الفرنسية تقريباً. أمّا في بلجيكا، فيبلغ عدد النّاطقين بالفلمنكية ضعف النّاطقين بالفرنسية. في هذه الحالات المماثلة وغيرها، تتوفّر درجةٌ من التّوازن بين المجموعات الأساسية التي تشكّل بنية المجتمع، ممّا يؤدّي إلى إنشاء المؤسّسات السياسيّة التي تعكس هذا التّوازن. لكنّ بعض الحالات الآخر يشمل أكثريّةً سكّانية واحدة، فضلاً على أقليّاتٍ إثنية أو قوميّة أصغر عدداً بكثير. في ظلّ هذه الظّروف، تواجه الشّعوب الصّغيرة أحياناً صعوبةً في التّأكيد على لغتها، وحقوقها الثّقافية والسياسيّة. وقد كانت هذه حالة السّكان الأصليّين حتّى فترةٍ مؤخّرة، كشعوب السّامي في اسكندنافيا، والسّكان الأصليين في كندا.

 

تمثّل الهند نموذجاً معقّداً عن التّنوّع، مع وجود مجموعاتٍ كبيرة جدّاً متنوّعة من حيث اللّغة والإثنية (كالنّاطقين بالهندوسيّة، والبنغالية، والتّاميلية إلخ.) بالإضافة إلى مجموعاتٍ صغيرة كثيرة، تعرف أحياناً "بالقبائل". كما تشكّل الصّين موطناً للعديد من اللّغات والأقليّات الإثنية. وتؤمّن كلتا الدّولتين العملاقتين نوعاً من الإجراءات للتّوفيق بين هذه العناصر المتنوّعة، إنّما بطرائق مختلفة جدّاً.

 

ولا تقلّ الاختلافات من حيث طريقة تعريف الأشخاص بأنفسهم كمجموعةٍ "إثنية" أو "قوميّة". وقد أُنفق الكثير من الحبر، بأقلامٍ اجتماعية علمية واسعة، للكتابة عن مسألة الهويّة الإثنية. غير أنّ هذا البحث ليس بالمرجع المناسب للتّعمق في هذه المسألة. فقد أصبحت هويّة المجموعات المتميّزة واقعاً جليّاً في سائر أنحاء العالم. فتستند هذه الهويّة على اللّغة تارةً، وعلى الدّين طوراً، وعلى التّقاليد الثّقافية المشتركة تارةً أخرى؛ وغالباً على تركيبٍ من هذه العوامل وغيرها. تشكّل العديد من الدّول موطناً لعددٍ وافر من هذه الهويّات –وكلّها تطالب بأن يتمّ الاعتراف بها. من هنا، على قادة المجتمع المدني والسياسي ومستشاريهم أن يتعاملوا مع هذا الواقع الذي يتعذّر اجتنابه. ومن دون التّوغل في مناقشة تحديديّة مطوّلة، نأمل أن يقدّم هذا البحث بعض المعلومات المفيدة لمن تقع هذه المهمّة على عاتقه.


 

3-    أنواع الوسائل          Variety of Means

تتعامل الدّول التي تضمّ مجموعات سكّانية متنوّعة مع هذا التّنوّع بأساليب مختلفة.

 

1.3- لغات الأقليّات والحقوق الثّقافية

تمّول العديد من الدّول إنشاء مدارس رسمية، وتسهّل نوعاً من الوصول إلى الخدمات الحكوميّة بلغات الأقليّات. كما يوفّر البعض منها منشآت إذاعية وتلفزيونية، ويدعم المؤسّسات الاجتماعية والثّقافية التي أقامها من أجل مجموعات الأقليّات الثّقافية. فقد أقدمت السّلطات الصّينية، مثلاً، على تأمين التّعليم الابتدائي والمتوسّط بلغات الأقليّات، من أجل شعبَيْ يوغور وزوانغ، والكوريّين في بعض المناطق، والمونغوليّين.

 

يعترف البيرو بلغة الكويشا بصفتها لغة الجمهوريّة الرّسمية؛ فيشترط القانون البيروفيّ أن يتمّ تعليمها، إلى جانب الإسبانيّة، في المدارس كلّها. وتضمّ دولٌ أخرى في أميركا اللاتينيّة، مثل البرازيل والباراغواي، بنوداً شرطيّة مشابهة تفرض تعليم اللغات الأصليّة. وتشترط البنود تعليم اللغة السويدية للأقليّة السويدية في فنلندا؛ ونسجاً على المنوال نفسه، تعليم الأقليّة اللّيتوانية في بولندا، والأقليّات السلوفاكية والتشيكية والبولندية والكرواتية والسلوفينية والألمانيّة والرّومانية وعددٍ من المجموعات الأخرى في المجر.

 

ويمكن أن تتضمّن حقوق أفراد الأقليّات تلقّيهم علومهم كلّها، أو جزءاً منها، بلغتهم الأصليّة؛ والاطّلاع على بعض النّماذج الحكوميّة بلغات الأقليّات (كنماذج الضّريبة أو الإحصاء الرّسمي للسّكان)؛ وحقّ التّفسير في الدّعاوى القضائيّة، وفي بعض الحالات، نوعاً من الاعتراف الإقليمي بلغة الأقليّات في المناطق المحليّة حيث تستعمل على نطاقٍ واسع. فتعرّف فنلندا، مثلاً، ببعض البلديّات على أنّها إمّا ثنائيّة اللغة رسمياً، وإمّا ناطقة بالسويديّة رسمياً.

 

في العديد من الدّول التي تؤمّن حقوق الأقليّات، تعتبر هذه الحقوق مضمونة قانونيّاً و/أو دستوريّاً. مثلاً، أقرّ المجر عام 1993 قانوناً مفصّلاً يضمن حقوق لغات الأقليّات بالنّسبة للعديد من المجموعات، ويبيّن شروط استعمالها وتقويمها القانونيّ بما هو متوافر لأعضاء مجموعات الأقليّات.

 

في بعض الحالات، تتعزّز ضمانات حقوق الأقليّات بفضل المعاهدات بين الدّول التي تؤمّن كلٌّ منها معاملةً متساوية لشعب الأخرى.

 

2،3- المشاركة الاتّحادية في السّلطة

يستخدم بعض علماء الاجتماع هذا المصطلح لوصف التّرتيبات التي تعتمد عليها بنيةٌ سياسيّة، من أجل وضع البنود الشّرطية اللازمة لدمج أعضاء من المجموعات الإثنية أو القوميّة المختلفة في الحكومة المركزيّة، أو نظام الحزب السياسيّ، أو القطاع المدني، إلخ. وغالباً ما يعتمد الخبراء مصطلح "تكييف النّخبة" لتمييز هذا النّوع من التّدابير؛ ممّا يعني أنّ قادة المجموعات يفاوضون على تلك التّرتيبات كي يضمنوا لأنفسهم نصيباً من السّلطة، والوظائف، والفرص التّربويّة، وما شابه ذلك. إلا أنّ ذلك لا يتّسم بطابع الرّسمية في معظم الأحيان. على سبيل المثال، تعتبر مناصب الحكومة المركزيّة في العديد من الدّول التي يصفها الخبراء بالاتّحادية مضمونةً، بحكم العادة، للجماعات القوميّة أو الإثنيّة المختلفة. أمّا في الحالات الأخرى، فتكون هذه التّرتيبات قانونيّة أو دستوريّة. ففي نيوزيلندا، يتمتّع أعضاء مجموعة "ماوري" بمقاعد مضمونة دستوريّاً في البرلمان.

 

3،3- الاستيعاب والإقصاء والدّمج

تسعى بعض الدّول إلى التّعامل مع وجود الأقليّات من خلال تشجيعها على اعتماد لغة الأكثريّة وثقافتها، أو إكراهها على ذلك. وقد تمّ استخدام هذه المقاربة في الماضي غالباً، في الأميركيّتين، مع سكّان البلاد الأصليّين. لا بل إنّ الأميركيّين والكنديّين لم يتقبّلوا، إلا مؤخّراً نسبياً، أنّ سكّان البلاد الأصليّين في دولتيهما، يملكون حقوقاً ثقافية وتقليديّة وجماعيّة ولغوية. أمّا امتداد هذه الحقوق، فما يزال مسألةً تثير الجدل إلى حدّ كبير.

 

يُقصد بالاستيعاب فقدان مجموعةٍ معيّنة جزءاً مهمّاً من هويّتها الأصليّة، لا سيّما خلال ظهورها بين العامة. ويدّعي مؤيّدو عمليّة الاستيعاب أحياناً أنّ دوافعهم خيريّة، وتهدف إلى المنفعة العامة. كما يحتجّون أنّه من الضّروريّ على أفراد المجتمع كلّهم أن يتشاركوا في لغةٍ وثقافةٍ عامّتين، كي يشاركوا جميعهم في الحياة الاقتصاديّة والاجتماعية والسياسية بشكلٍ كامل. بالنّظر إلى هذه الطّريقة، يختلف الاستيعاب اختلافاً كبيراً عن سياسات الإقصاء والتّمييز التي يُعتبر نظام التّمييز العنصري في جنوب أفريقيا أبرز مثالٍ عنها.

 

يبرّر المدافعون عن سياسة الإقصاء (و/أو التّمييز العنصريّ) تفضيلهم هذا استناداً إلى أنّه يتيح لكلّ مجموعةٍ أن تتطوّر، بشكلٍ مستقلّ عن البقيّة. على سبيل المثال، يجادل المدافعون عن التّمييز العنصري في جنوب أفريقيا أنّ السياسة الهادفة إلى تعليم لغة البانتو، للسّكان السّود، كانت ترمي إلى تعزيز الثّقافات المميّزة والفريدة من نوعها، وحمايتها. في المقابل، اشتكى السّود الذين يعيشون في ظلّ سياسية التّمييز العنصري هذه من أنّ النّظام يفرض عليهم مستوىً تعليميّاً أدنى، مشدّداً على لغاتهم ومهملاً اللغة الانكليزيّة، من دون تحضيرهم لكافة الفرص التي يُعتبر التّعليم شرطاً أساسياً بالنّسبة إليها.

 

لكنّ المفارقة أنّ السكّان الأصليّين في شمال أميركا لطالما طالبوا بخدمة تعليمٍ وخدماتٍ أخرى، تتّخذ شكلاً ثقافياً محدّداً يأخذ لغاتهم وتقاليدهم بعين الاعتبار. إزاء ذلك، كانت السياسة الهادفة إلى الحدّ من الفرص بنظر المجموعة الأولى تُعتبر ضروريّةً لبقاء المجموعة الثّانية ثقافياً. وهذا إجراءٌ مضلّل. فلم يكن سكّان أميركا الشّمالية الأصليّون قد طالبوا بخدماتٍ دنيا تخصّهم بمكانة الطّبقة الثّانية في المجتمع. في هذا السياق، يجادل البعض أنّ وضع السّكان الأصليّين يدعو إلى تطبيق سياسة "المواطن الزّائد"؛ ممّا يستتبع تطبيق حقوق المواطنية كلّها في المجتمع العام، بالإضافة إلى إجراءاتٍ إضافية لتشجيع اللّغات والثقافات والتّقاليد الخاصّة بالسّكان الأصليّين.

 

تتّجه الأنظار إلى الاستيعاب، والإقصاء المتعمّد خاصّةً، على أنّهما سياستان مخزيتان إلى حدّ كبير، ترتبطان بالإيديولوجيّات العنصريّة التي كانت سائدة في العصور السّابقة. أمّا نحن، فنذكرهما هنا لأنّهما جزءٌ مهمّ من تاريخ السياسات التي تردّ على التّنوّع. فما زال الاستيعاب، على وجه الخصوص، ممارساً بشكلٍ واسع تجاه المهاجرين الوافدين إلى دولةٍ ما. ويفيد الافتراض الاعتياديّ أنّ السكّان الأصليّين في منطقةٍ ما يطالبون بأن يتمّ الاعتراف بهم، أكثر من أولئك الذين وفدوا حديثاً.

 

قد يبدو دمج المجموعات المتغايرة مضلّلاً أيضاً، شأنه شأن الاستيعاب، إلا أنّ السياستين مختلفتان. فيهدف الدّمج إلى الحرص على مشاركة المجموعات كافةً في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسيّة، من دون التّضحية بهويّاتها المتميّزة. ويبصر هذا الإجراء النّور أحياناً من خلال التّرتيبات الاتّحاديّة التي تضمن مشاركة أعضاء من مجموعاتٍ محدّدة في المؤسّسات الوطنيّة. ومن الوسائل الأخرى التي تهدف إلى الدّمج، من غير الاستيعاب، نذكر التّحرّك الإيجابي. وهو عبارة عن سياسة "التّمييز ضدّ البيض" في التّوظيف، وحقّ تلقّي التّعليم، وغير ذلك، لصالح المجموعات المحرومة تاريخيّاً. فيجادل مناصرو التّحرك الإيجابيّ أنّ من عانى التّمييز العنصري النّظامي، في الماضي، يحتاج إلى إجراءٍ يفوق تسوية الفرص وإلغاء التّمييز السّلبي. فهو يحتاج إلى نوعٍ من التّدابير الإيجابيّة التي تتّخذ شكل الحصص النّسبيّة، وتعرف "بوضع الخلافات الإثنية جانباً" وما شابه ذلك، بهدف معادلة تاريخ الإقصاء الطّويل. وتلك سياسةٌ مثيرة للجدل. فهي، في أميركا الشّمالية مثلاً، تُطبَّق مقابل تيّارٍ قويّ من الفردانيّة التّحرريّة الذي يؤيّد تساوي الفرص، لكنّه لا يتّخذ أيّ إجراءاتٍ خاصّة لتقويم علل الماضي. رغم ذلك، يسود التّحرك الإيجابيّ بشكلٍ واسع في أميركا الشماليّة وغيرها من المناطق، لا سيّما الهند.

 

4،3- تفويض السّلطة

فضّل بعض الدّول أن يتيح تدبيراً مهمّاً من الحكم الذّاتي للكيانات المحليّة التي تشكّل موطناً تاريخياً للشّعوب المتميّزة. فحذت الحكومة البريطانية حذو هذه الخطوة في التّسعينات في ما يتعلّق باسكتلندا وويلز. و"فوّض" ويستمنستر جزءاً كبيراً من سلطاته لجمعيّتي ويلز واسكتلندا التّشريعيتين، مانحاً إيّاهما وضعاً يشبه "الوحدات المكوّنة" في الدّول الفدرالية (المزيد من ذلك أدناه). غير أنّ سياسة تفويض السّلطة تختلف عن الفدرالية في أنّ الكيانات تستمدّ سلطتها المكتسبة من تشريع حكومةٍ مركزيّة، تستطيع بدورها أن تعكس الوضع الرّاهن، من جانبٍ واحد، إن اختارت ذلك. كما سنبيّن لاحقاً، عادةً ما يضمن الدّستور حقوق الوحدات المكوّنة في الدّولة الفدراليّة، مع عدم إمكانيّة الحكومة المركزية تعديل وضع هذه الوحدات. من هنا، فالتّمييز بينهما مهمّ، لا سيّما بالنسبة لمن يفحص خيارات الحكم في الدّول حيث ساد تاريخٌ من النّزاعات والارتيابات بين جماعتين إثنيتين أو أكثر. وقد تسعى المجموعات كلّها إلى الثّقة التي لا تمنحها إيّاها إلا التّرتيبات الدّستوريّة التي يدعمها ويحكمها نظامٌ قضائيّ نزيه. إلا أنّ ترتيبات تفويض السّلطة تفتقر إلى هذا النّوع من الثّقة.

 

5،3- الفدراليّة

في الدّولة الفدرالية، يتوزّع النّفوذ والسّلطة بين طبقتين حكوميتين أو أكثر. ففي سائر الحالات تقريباً، تكون هذه الطّبقات الحكوميّة محدّدة إقليميّاً. وبحكم القاعدة، تُقسّم الدّولة الفدرالية إلى وحداتٍ مكوّنة إقليمية تملك مسؤوليّاتٍ وسلطاتٍ محدّدة. وتسمّى هذه الوحدات المكوّنة في العديد من الدّول الفدرالية "ولايات". أمّا بقيّة المصطلحات، فهي: مقاطعات وأقاليم وكانتونات وجماعات مستقلة وجمهوريّات. إذاً تبرز في معظم الدّول الفدرالية طبقتان حكوميّتان: 1- طبقة الأعضاء المكوّنة (كالولاية والمقاطعة إلخ.)، 2- والطّبقة الفدرالية (وطنيّة، أو مركزيّة). ولكلّ طبقة أدوار وسلطات محدّدة ومضمونة دستوريّاً. كما تشكّل البلديّات في دولٍ فدراليّة قليلة طبقاتٍ حكوميّة دستوريّاً، تتمتّع بأدوارٍ وسلطاتٍ محدّدة. لا بل إنّ الأمر يمتدّ في الهند حدّ مستوى القرية أو "البنشايات"، بصفتها طبقة حكوميّة.

 

في العالم اليوم خمس وعشرون دولة فدراليّة تقريباً، تضمّ ما يزيد عن 40% من سكّان العالم. ونحن نقول "حوالى" لأنّ القضايا الدّائرة حول الحدود كثيرة. فيصنّف الخبراء جنوب أفريقيا وإسبانيا، من ناحية، كفدراليتين، إلا أنّ هاتين الدّولتين لم تختارا وصف حالتيهما بهذه التّسمية. من ناحيةٍ أخرى، تصف الإمارات العربيّة المتّحدة والباكستان نفسيهما كدولتين فدراليتين، مع 