المعهد الدّيمقراطي الوطني، بيروت
نماذج المشاركة الفدراليّة في السلطة
Models of Federal Power Sharing
رونالد ل. واتس
Ronald L. Watts
المحتويــاتContents
1- المقدّمة: تحدّي إدارة التنوّع
2- النماذج المؤسّساتيّة الفدرالية الكبرى
الاتّحادات
الاتّحادات اللامركزيّة دستوريّاً
الاتّحادات الفدراليّة
الاتّحادات الكونفدراليّة
العصبات
الدّول الشّريكة
أنظمة الحكم المشترك
الأحلاف
السّلطات الوظيفيّة المشتركة
الأنظمة الهجينة
3- التّفاوتات بين الاتّحادات الفدراليّة
4- القضايا الطّارئة أثناء تصميم الاتّحادات الفدراليّة
والمؤثّرة على سيرها
عدد الوحدات المكوّنة وطابعها
توزيع السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة
التّناسق أو اللاتناسق في توزيع السّلطات على الوحدات المكوّنة
طبيعة المؤسّسات الفدراليّة العامّة
دور المحاكم
الحقوق الدّستوريّة
العلاقات الحكوميّة الدّولية
5- الاستنتاجات
1- المقدّمة: تحدّي إدارة التنوّع
Introduction: The Challenge of Managing Diversity
أدّت التّطوّرات الحديثة في وسائل النّقل، والاتّصالات الاجتماعيّة، والتّنظيم التّقني والصّناعي، إلى ضغوطاتٍ داعية إلى إنشاء منظّماتٍ سياسيّة كبيرة، وأخرى أصغر حجماً في الوقت نفسه. وقد انبثق ضغط إنشاء الوحدات السياسيّة الكبرى نتيجةً للأهداف المشتركة بين معظم المجتمعات الغربيّة وغير الغربيّة اليوم: أي الرّغبة في التّقدّم، ومستوى المعيشة المتصاعد، والعدالة الاجتماعية، والتأثير في ميدان التّنافس العالمي، والوعي المتزايد لتكافل دول العالم بعضها مع بعض، في عصرٍ أمست فيه التّقنية المتطوّرة تتمتّع بقدرةٍ على الدّمار الشّامل والإعمار الشّامل أيضاً. أمّا الرّغبة في إنشاء وحداتٍ سياسية ذاتيّة الحكم وأصغر حجماً، فقد نتجت عن السّعي لجعل الحكومات أكثر استجابةً للمواطن الفرد، والسّماح للارتباطات الجماعية الأساسيّة بالتّعبير عن نفسها– من حيث الرّوابط اللّغوية والثّقافية، والاتّصالات الدّينية، والتّقاليد التّاريخية والممارسات الاجتماعية- لا سيّما وأنّها ترسي قاعدةً مميّزة لحسّ الجماعة بهويّتها وتوقها إلى تقرير المصير. وبالنّظر إلى هذه الضّغوطات الثّنائيّة المتزامنة التي تجتاح أنحاء العالم، ليس من العجب إن أصبح عددٌ متزايدٌ من النّاس يتصوّر شكلاً من أشكال النّظام السياسي الفدرالي- يجمع بين حكومةٍ مشتركة تؤدّي بعض الأهداف العامّة المحدّدة من جهةٍ، وتحرّكٍ مستقل تقوم به حكومات الوحدات المكوّنة لتحقيق أهدافٍ مرتبطة بالمحافظة على تميّزها الإقليمي من جهةٍ أخرى– يسمح بالتقدير المؤسّساتيّ الأقرب إلى واقع تعدّد القوميّات في العالم المعاصر. في مثل هذا السيّاق، لا تهدف الأنظمة السياسية الفدرالية إلى القضاء على التّنوّع، بل إلى التّوفيق بين الفروقات الاجتماعية، ومصالحتها، وإدارتها ضمن حكومةٍ مشتركة بين الجميع.
وقد اشتدّت الحاجة إلى مثل هذه المصالحة مع نهاية القرن العشرين، بسبب العالميّة المتزايدة للاقتصاد التي حرّرت، هي نفسها، القوى الاقتصاديّة والسياسيّة المعزّزة للضّغوطات المحليّة وتلك المتخطّية الحدود القوميّة، على حساب دولة القوميّة الواحدة التّقليديّة. وقد أيقظت تقنيّة الاتّصالات العالميّة ومفهوم الاستهلاكيّة رغباتٍ دفينة من كبوتها، داخل أصغر القرى وأكثرها نأياً حول العالم، من أجل الوصول إلى سوق السّلع والخدمات العالمية. نتيجةً لذلك، أخذت الحكومات تصطدم أكثر فأكثر برغبات النّاس في التّحوّل إلى مستهلكين عالميّين ومواطنين محليّين في الوقت عينه. وقد أطلق توم كورشين على هذا الميل اسم "عولمة-مَركَزَة" (Glocalization) [وهي ابتكار السّلع والخدمات من أجل السّوق العالميّة، مع تعديلها لتلائم الثّقافة المحليّة]. من هنا، فقد أثبتت دولة القوميّة الواحدة نفسها أنّها أصغر من أن تلبّي كلّ رغبات مواطنيها، وأكبر من ذلك في الوقت نفسه أيضاً. ونظراً لتطوّر اقتصاد السّوق العالمي، فقد ساد اعترافٌ واسع بأنّ الدّولة القوميّة المكتفية ذاتيّاً لا يمكن تحقيقها، وأنّ السيادة بالاسم ليست مغرية إلى هذا الحدّ إن عنت، في الواقع، أنّ النّاس يتحكّمون بنسبةٍ أقل بالقرارات التي تؤثّر عليهم أبلغ تأثير. وفي الوقت نفسه، باتت الدّولة القوميّة بعيدة جدّاً عن المواطنين الأفراد، بشكلٍ لا يمكّنها من تأمين نوعٍ من التّحكم الدّيمقراطي المباشر، والاستجابة بشكلٍ واضح لمخاوف مواطنيها وتفضيلاتهم المحدّدة. في هذا الإطار، ظهرت الفدراليّة بمستوياتها الحكومية المختلفة لتقدّم طريقةً لإيجاد موقع وسط لتنوّع تفضيلات المواطنين العالميّة والمحليّة.
نتج عن ذلك اهتمامٌ معاصر ومتزايد بالفدراليّة، تعكسه الأعداد المتكاثرة من المجلات والمنظّمات الأكاديمية التي تركّز على دراستها. فقبل خمسة وعشرين عاماً، لم تكن قد ظهرت في السّاحة الدّوليّة إلا مجلة واحدة، ومركزان للأبحاث المتعلّقة بالفدراليّة في العالم. أمّا اليوم، فالمجلات عديدة؛ وأصبح اجتماع الجمعية العالمية لمراكز الدّراسات الفدرالية (IACFS)، المنعقد سنوياً، يضمّ ثلاثة وعشرين مركزاً ومعهداً، في خمس عشرة دولة، على امتداد خمس قارّات. فضلاً على ذلك، شكّلت الجمعية العالمية للعلوم السياسيّة، منذ أكثر من عقدٍ، لجنة أبحاث حول الفدراليّة المقارنة والاتّحاد الفدراليّ. ومن بين المجالات التي درستها هذه الأعمال الأكاديمية: أصناف التّنوّع ودرجاته ضمن المجتمعات الفدرالية، والاختلافات بين التّنوّع الإقليمي وغير الإقليمي، والوقع المتفاوت للالتقاءات وللانشقاقات الاجتماعية المتزايدة والعزِّزة بتراكمها، ووقع القوميّة الإثنية، والمميّزات الخاصّة بالمجتمعات ذات القطبين، والميل إلى التّدابير غير المتناسقة ضمن الاتّحادات الفدراليّة ، والعدد المتزايد للاتّحادات الكونفدراليّة، والتّدابير المالية الفدرالية، ودور الأحزاب السياسيّة في الأنظمة الفدرالية. فتؤثّر هذه العوامل كلّها في محاولات الأنظمة السياسية الفدرالية للتّوفيق بين حالات التّنوّع الاجتماعي.
2- النماذج المؤسّساتيّة الفدرالية الكبرى
Major Federal Institutional Models
توخيّاً للإيضاح، نميّز بين مصطلحاتٍ ثلاثة هي: "الفدرالية"، و"الأنظمة السياسيّة الفدراليّة"، و"الاتّحادات الفدراليّة".
"الفدراليّة" ليست بمصطلحٍ وصفيّ، بل معياريّ. وهي تشير إلى مدافعة الحكومة المتعدّدة الطّبقات التي تجمع بين عناصر من الحكم المشترك، والحكم الذّاتي الإقليمي. وتستند الفدراليّة إلى القيمة المسلّم بها والقائمة على بلوغ الوحدة والتنوّع في آن، عبر التّوفيق بين الهويّات المتميّزة وحمايتها وتعزيزها ضمن وحدةٍ سياسية أوسع.
"الأنظمة السياسية الفدراليّة" مصطلح وصفيّ يُطبّق على فئةٍ واسعة من الأنظمة السياسيّة التي تضمّ مستويين (أو أكثر) في الحكومة، بعكس مصدر السّلطة المركزية الوحيد في الأنظمة المركزيّة. وتجمع الأنظمة السياسيّة الفدراليّة بين عناصر من الحكم المشترك من خلال المؤسّسات المشتركة، وعناصر من الحكم الذّاتي من خلال الوحدات المكوِّنة. وتشمل هذه الفئة الواسعة سلسلةً كاملة من الصّيغ غير المركزية الأكثر تحديداً، بما في ذلك "الاتّحادات الفدرالية" و"الاتّحادات الكونفدراليّة".
بإمكاننا، في نطاق الأنظمة السياسيّة الفدراليّة، أن نحدّد النّماذج التّالية المتضمنة عناصر من المشاركة الفدراليّة في السّلطة:
الاتّحادات(Unions): إنّها أنظمة سياسيّة مركّبة بطريقة تجعل وحداتها المكوِّنة تحمي تماميّتها، بشكلٍ أساسيّ أو حصريّ من خلال الهيئات المشتركة في الحكومة العامة وليس من خلال البنى الحكوميّة الثّنائيّة. وقد شكّلت بلجيكا مثالاً على ذلك قبل أن تنحو نحو الفدراليّة عام 1993 (حين كُلّف المشرّعون المركزيّون عملاً ثنائيّاً كمستشارين إقليميّين أو ضمن الجماعة، عدا مهمّتهم الأساسية)؛ أمّا المثال الآخر فهو دور اسكوتلندا وويلز في المملكة المتّحدة قبل تفويض السّلطة من الحكومة المركزيّة إلى السّلطات المحليّة. فصحيحٌ أنّ هذه الأنظمة تعترف بالتنوّع، لكنّها لا توفّر أيّة فرصة للحكم الذّاتي الإقليمي المستقل.
الاتّحادات اللامركزيّة دستوريّاً(Constitutionally Decentralized Unions): تعتبر هذه الاتّحادات، في الأساس، مركزيّة شكلاً؛ بمعنى أنّ السّلطة الدّستوريّة العليا تُسنَد إلى الحكومة المركزيّة. غير أنّها توفّر وحداتٍ فرعيّة في الحكومة، محميّة دستوريّاً، ومتمتّعة بنوعٍ من الاستقلاليّة الوظيفيّة. في هذا السياق، الرّجاء العودة إلى الجدول 1 للأمثلة. صحيحٌ أنّ الأنظمة المماثلة تنهض بأعباء الحكم الذّاتي الإقليمي أو المحلّي، إلا أنّها ستكون سريعة التّأثر في النّهاية إزاء السّلطة الدّستوريّة الطّاغية للحكومة المركزيّة.
الاتّحادات الفدراليّة(Federations): إنّها أنظمة حكم سياسيّة مركَّبة تجمع بين وحداتٍ قويّة مكوِّنة للحكومة، وحكومةٍ عامّة قويّة، مع تمتّع كلّ جانبٍ بالسّلطات التي يوكلها إليه الشّعب من خلال الدّستور، وامتلاكه الصّلاحية للتّعامل مع المواطنين مباشرةً عبر ممارسته لسلطاته التّشريعية والإداريّة والضّرائبيّة. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ كلّ جانبٍ ينتخبه مواطنوه مباشرةً، فيكون مسؤولاً أمامهم. في الوقت الرّاهن، يبلغ عدد الدّول التي تفي بالمعيار الأساسي للاتّحاد الفدرالي حوالى أربع وعشرين (وهي مذكورة في الجدول 1)، رغم أنّ دستوري جنوب أفريقيا وإسبانيا لم يعتمدا تسمية "الاتّحاد الفدرالي". إذاً تسبغ الاتّحادات الفدراليّة سلطةً معيّنة على الحكومة العامة القويّة والحكومة الإقليمية القويّة أيضاً، وكلتاهما مساءلتان أمام مواطنيهما مباشرةً، إلا أنّ ذلك يسري على حساب بعض النّزعات المائلة نحو التّعقيد والالتزامات القانونيّة.
الاتّحادات الكونفدراليّة(Confederations): تقع هذه الحالة عندما تتّحد أنظمة حكم سياسيّة تشكيلاً لحكومة مشتركة، وخدمةً لبعض الأهداف المحدّدة كالأهداف الدّفاعية أو الاقتصادية. غير أنّ الحكومة المشتركة تبقى معتمدة على الحكومات المكوّنة. ففي الاتّحادات الكونفدراليّة، لا تملك الحكومة المشتركة إلا قاعدةً انتخابية أو مالية غير مباشرة، نظراً إلى أنّ الحكومات الأعضاء تتصرّف كوسيطٍ بين الحكومة المشتركة والمواطنين. بالمقارنة مع الوحدات المكوّنة في الاتّحادات الفدرالية، يعزّز هذا النّظام استقلالية الحكومات الأعضاء، لا سيّما وأنّه يفرض موافقتها على السياسات المشتركة العامة كلّها قبل سريان مفعولها. إلا أنّ ذلك يعني، في الوقت نفسه، أنّ موقف الحكومة المشتركة أضعف بالنّسبة للتعامل الحاسم مع المواضيع المثيرة للنّزاع، أو إعادة توزيع الموارد. في هذا الإطار، يذكر التّاريخ مثالَيْ سويسرا في أغلب الحقبة الممتدّة من 1291 إلى 1847، والولايات المتّحدة من 1776 إلى 1789، وقد خَلَفَ الاتّحاد الفدراليّ النّظام السّائد في كلا هذين البلدين. أمّا الأمثلة المستوحاة من العالم المعاصر، فمُدرجة في الجدول 1. وتجدر الإشارة إلى أنّ الاتّحاد الأوروبي يُعَدّ اتّحاداً كونفدرالياً في المقام الأوّل، رغم أنّه يدمج بشكلٍ متزايد بعض مزايا الاتّحاد الفدرالي.
العصبات(Federacies): تتشكّل العصبات حين ترتبط وحدةٌ كبيرة بوحدةٍ أو وحدات أصغر، مع احتفاظ الوحدة الصّغرى باستقلالٍ أساسيّ، وبدورٍ أدنى في حكومة الوحدة الكبرى، ومع إمكانيّة حلّ العلاقة بموجب اتّفاقٍ ثنائيّ وحسب. ومن الأمثلة على تلك الحالة العلاقة بين بورتوريكو والولايات المتّحدة، وغيرها من الأمثلة المذكورة في الجدول 1. فمن شأن هذه التّدابير أن تضمن مستوىً عالياً من الاستقلاليّة بالنّسبة للوحدة الصّغرى، لكن على حساب امتلاكها تأثيراً فعّالاً ضئيلاً على سياسات الوحدة الكبرى.
الدّول الشّريكة(Associated States): تحاكي هذه العلاقات تلك التي تفرضها العصبات، لكن يمكن أن تحلّها أيٌّ من الوحدتين اللتين تعملان كلّ على حدة، وفقاً للشّروط المتّفق عليها سلفاً. نتيجةً لذلك، يعتبر استقرار هذه التّدابير أقل أماناً. والأمثلة على ذلك مدرجة في الجدول 1.
أنظمة الحكم المشترك(Condominiums): وهي تعكس العلاقات حيث تعمل وحدةٌ سياسية بشكلٍ يخضعها للحكم المشترك لدولتين خارجيتين أو أكثر، على أن يتمتّع السّكان بحكمٍ ذاتيّ داخليّ أساسيّ. ومن الأمثلة على ذلك إمارة آندورا التي أدارت شؤونها في ظلّ الحكم المشترك لفرنسا وإسبانيا من عام 1278 إلى عام 1993.
الأحلاف(Leagues): وهي تمثّل ارتباطات لأهدافٍ محدّدة بين الأنظمة السياسيّة المستقلة سياسيّاً التي تدير شؤونها من خلال أمانة سرّ مشتركة، عوضاً عن حكومة. ويمكن لأعضائها أن ينسحبوا منها من جانبٍ واحد. ويذكر الجدول 1 الأمثلة، ومنها حلف شمال الأطلسي (النّاتو).
السّلطات الوظيفيّة المشتركة(Joint Functional Authorities): وهي وكالاتٌ يؤسّسها نظامان أو أكثر من أجل التّطبيق المشترك لمهمّة أو مهامّ معيّنة. والأمثلة على ذلك عديدة، ومنها: منظّمة شمال الأطلسي لصيد السّمك (NAFO)، والوكالة الدّوليّة للطّاقة الذريّة (IAEA)، ومنظّمة العمل الدّوليّة (ILO). ويمكن أن تتّخذ هذه السّلطات الوظيفيّة المشتركة شكل منظّمات عبر الحدود، تؤسّسها الحكومات الوطنيّة الفرعيّة المتجاورة، كالتجمّع ما بين الولايات من أجل التّطوّر الاقتصادي الذي يشمل أربع مناطق في إيطاليا، وأربعة أقاليم في أستراليا، وجمهوريّتين يوغوسلافيتين، ومقاطعة واحدة في ألمانيا الغربية تأسّست عام 1978؛ وتجمّع "ريدجيو بازيليانسيس" ما بين الولايات وهو يشمل التّعاون السويسري والألماني والفرنسي في منطقة "بازيل".
الأنظمة الهجينة(Hybrids): تجمع بعض الأنظمة السياسيّة صفاتٍ من نماذج مختلفة. فمن الأنظمة ما وصف أحياناً بأنّه "شبه اتّحاد فدراليّ"، نظراً إلى أنّ الطّابع الفدراليّ يغلب على بنيته ووظائفه الدّستوريّة، إلا أنّ سلطاته الحكومية الفدراليّة المهيمنة هي أجدر بالنّظام المركزيّ. وتتضمّن الأمثلة على ذلك كندا التي كانت أساساً اتّحاداً فدراليّاً عام 1867 مع اعتمادها لبعض السّلطات الفدرالية المهيمنة، إلا أنّ هذه الأخيرة ما لبثت أن باتت مهملة في النّصف الثّاني من القرن العشرين. وتعتبر الهند وباكستان وماليزيا اتّحاداتٍ فدراليّة بغالبيّتها، إلا أنّ دساتيرها قد اعتمدت بعض الصّلاحيات المركزيّة المهيمنة الطّارئة. ومن الأمثلة الأحدث، نذكر دستور جنوب أفريقيا عام 1996 الذي تمتّع بمعظم مميّزات الاتّحاد الفدرالي، لكنّه احتفظ ببعض المزايا المركزية. ومن الأنظمة الهجينة أيضاً ذاك الذي يجمع بين مميّزات الاتّحاد الكونفردالي والاتّحاد الفدرالي. والمثال الأبرز على ذلك هو الاتّحاد الأوروبي بعد معاهدة ماستريخت، وهو اتّحاد كونفدرالي أساساً لكنّه يملك بعض مميّزات الاتّحاد الفدرالي. أمّا ألمانيا، فقد كانت اتّحاداً فدراليّاً في الغالب منذ العام 1949، غير أنّ مجلسها الفدرالي الثّاني (البُندسرات) يمثّل عنصراً كونفدرالياً. وتتكرّر ظاهرة الأنظمة الهجينة عندما يبدي رجال الدّولة اهتماماً بالحلول السياسيّة العمليّة، عوضاً عن الحلول النّظرية المحض.
يرتبط تطبيق أيٍّ من هذه النّماذج بالظّروف الخاصّة بكلّ حالة. وتتألّف العوامل التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار من طبيعة محفّزات الأعمال العامّة والحكم المشترك وقوّتها، وحدّة الضّغوطات وتوزّعها، ومحفّزات الوحدات الأعضاء تجاه السياسات المستقلة والحكم الذّاتي.
3- التّفاوتات بين الاتّحادات الفدراليّة
Variations Among Federations
تمثّل الاتّحادات الفدراليّة، ضمن سلسلة النّماذج التي يمكن وصفها "كأنظمةٍ سياسيّة فدراليّة"، نموذجاً فريداً من نوعه. أمّا الصفة المميّزة والمحدّدة لهذا النّموذج، فهي عدم خضوع أيٍّ من الحكومة الفدرالية والوحدات المكوّنة للحكومة، في الاتّحاد الفدرالي، لسلطة الأخرى دستوريّاً. بالفعل، يتمتّع كلّ نظامٍ حكوميّ بسلطاتٍ سياديّة يحدّدها له الدّستور، عوضاً عن أيّ مستوى حكوميّ آخر؛ وهو مخوّل التّعامل مع مواطنيه مباشرةً خلال ممارسة سلطاته التّشريعيّة والتّنفيذيّة والضّرائبيّة؛ وينتخبه مواطنوه مباشرةً فيكون مساءلاً أمامهم.
أمّا المميّزات البنيوية المشتركة العامة للاتّحادات الفدرالية، فهي التّالية:
- نظامان حكوميّان على الأقل يديران شؤون مواطنيهما مباشرةً؛
- توزيع دستوريّ رسمي للسّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة، وتقسيم موارد الدّخل بين نظم الحكومة بما يضمن نوعاً من الاستقلال الحقيقيّ لكلّ نظام؛
- بند شرطيّ من أجل التّمثيل الواضح للآراء الإقليميّة المختلفة ضمن المؤسّسات الفدراليّة الواضعة للسياسات، وهو يتضمّن عادةً تمثيل الممثّلين الإقليميّين في المجلس التّشريعي الفدرالي الثّاني؛
- دستور أعلى لا يمكن تعديله من جانبٍ واحد، ويفرض تعديله موافقة نسبة مهمّة من الوحدات المكوّنة، عبر موافقة إمّا هيئاتها التّشريعيّة وإمّا الأكثريّة الإقليميّة في استفتاءٍ شعبيّ؛
- حَكَم مرجّح، يتّخذ عادةً شكل المحاكم أو عن طريق تأمين إجراء الاستفتاءات الشّعبيّة (كما في سويسرا بالنّسبة للسّلطات الفدراليّة)، من أجل إصدار حكمٍ في النّزاعات حول صلاحيّات الحكومات الدّستوريّة؛
- العمليّات والمؤسّسات الهادفة إلى تسهيل التّعاون الحكومي الدّولي في تلك المناطق حيث تعتبر السّلطات الحكوميّة مشتركة أو متشابكة لا محالة.
إنّ تحديد مدى ملاءمة الاتّحاد الفدراليّ كنموذج صالح للتّوفيق بين المجموعات المتنوّعة وإدارتها، في ظرفٍ معيّن، يرتبط بمدى التزام التّنوع الاجتماعي بالمميّزات المؤسّساتية في الاتّحاد الفدرالي كما حدّدت سابقاً.
ويمكن أن يرتبط تطبيق نظام الاتّحاد الفدراليّ كحلّ سياسيّ بالشكل الخاصّ للاتّحاد الفدراليّ المعتمد. وكما تدلّ الاختلافات بين الاتّحادات الفدراليّة الموجودة، تجدر الإشارة إلى اتّساع مجال التّفاوتات ضمن إطار العمل الأساسي المحيط بالمميّزات المحدّدة مسبقاً، بصفتها مشتركة بين الاتّحادات الفدراليّة. وتتضمّن هذه التّفاوتات: التّفاوتات في عدد الوحدات الإقليميّة المكوّنة، ونسبة سكّانها وموقعها، وثروتها النّسبية؛ والتّفاوتات في درجة التّجانس الإثني بين الوحدات الإقليمية وضمن كلّ وحدة إقليميّة؛ والتّفاوتات في درجات المركزية واللامركزية وانعدام المركزية في السّلطات والمسؤوليّات الملقاة على عاتق النّظم الحكوميّة المختلفة، والموارد المتوفّرة لها؛ والتّفاوتات في درجة التّناسق واللاتناسق أثناء توزيع الصّلاحيات أو الموارد على الوحدات المكوّنة؛ والتّفاوتات في طابع المؤسّسات الفدراليّة، سواء كانت رئاسيّة أو برلمانية أو متساوية التشارك في السلطة من حيث الشّكل، مع تضمين التّدابير اللازمة لاختيار أعضاء المجلس الفدرالي الثّاني وتحديد تركيبته وسلطاته؛ والتّفاوتات في بنية السّلطة القضائيّة ونطاقها ودور المراجعة القضائيّة؛ والتّفاوتات في المؤسّسات والإجراءات التي تسهّل الاستشارات والتّعاون ما بين الحكومات. من هنا، يجب الإقرار بعدم وجود نموذج مثاليّ أو صافٍ واحد، حتّى ضمن الاتّحادات الفدراليّة. فالتّفاوتات الحاصلة كثيرة، والصّيغة الخاصّة المناسبة في وضعٍ معيّن قد تختلف وفقاً لطبيعة التّنوع الاجتماعي الواجب تكييفه، ومداه.
4- القضايا الطّارئة أثناء تصميم الاتّحادات الفدراليّة والمؤثّرة على سيرها
Issues in the Design Of Federations That Affect Their Operation
عدد الوحدات المكوّنة وطابعها: لعدد الوحدات المكوّنة وموقعها وسكّانها وثروتها النّسبية، بالنّظر إلى علاقاتها في ما بينها ضمن اتّحادٍ فدراليّ، تأثيرٌ هائل على عمل الاتّحاد الفدرالي. فحيثما يكون عدد الوحدات كبيراً نسبيّاً، أي 89 على سبيل المثال في الاتّحاد الفدرالي الرّوسي، أو 50 في الولايات المتّحدة، من الأرجح أن يقلّ نفوذ الوحدات المكوّنة الفردية وقوّتها السياسيّة بشكلٍ ملحوظ، عمّا كانا ليكونان عليه في الاتّحادات الفدرالية ذات الوحدات السّت (كأستراليا وبلجيكا)، أو المقاطعات العشر (ككندا). بالإضافة إلى ذلك، بدا أنّ الاتّحادات الفدراليّة المكوَّنة من وحدتين وحسب (مثل الباكستان وتشيكسلوفاكيا قبل انفصال كلٍّ منهما) قد ولّدت نزاعاتٍ حادّة ذات قطبين تؤدّي غالباً إلى عدم الاستقرار. وحيثما تكون التّفاوتات أساسيّة بين الوحدات المكوّنة من حيث الموقع والسّكان، قد يشكّل ذلك مصدراً للشّقاق حول النّفوذ النّسبي الذي تتمتّع به مناطق معيّنة في وضع السياسات الفدراليّة. ففي بعض الحالات، لا سيّما الهند ونيجيريا، تمّ تعديل الحدود ال